اللهَ اللهَ فِي دِينِ اللهِ!

اللهَ اللهَ فِي دِينِ اللهِ!

مَجْمُوعُ الْخُطَبِ الْمِنْبَرِيَّةِ

***

((اللهَ اللهَ فِي دِينِ اللهِ!))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

 ((مُخْتَصَرُ عَقِيدَةِ الْمُسْلِمِ))

فَاعْلَمْ يَا أَخِي -رَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكَ- أَنَّ الْمُسْلِمَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَحُجُّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

وَأَنَّ الْمُسْلِمَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.

وَأَنَّ الْمُسْلِمَ يَعْبُدُ اللهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّ اللهَ يَرَاهُ.

وَأَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَوَجَّهُ فِي سَرَّائِهِ وَضَرَّائِهِ، وَفِي عَطَائِهِ وَبَلْوَائِهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، لَا يَتَوَسَّلُ بِنَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَلَا بِوَلِيٍّ مُقَرَّبٍ، وَلَا بِمَلَكٍ مُنَزَّلٍ، وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِمَحَبَّتِهِ إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُكَرَّمِينَ جَمِيعًا.

وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يُنْزِلُ بِسَاحَةِ اللهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ كُلَّ هُمُومِهِ وَغُمُومِهِ وَكُرُوبِهِ، فَيُفَرِّجُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ عَنْهُ؛ لَا يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

((التَّوْحِيدُ أَوَّلُ أَمْرٍ وَالشِّرْكُ أَوَّلُ نَهْيٍ))

وَاعْلَمْ يَا أَخِي -رَحِمَنِي اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَإِيَّاكَ- أَنَّ أَوَّلَ مَا افْتَرَضَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى الْعِبَادِ هُوَ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ، وَأَنْ يُخْلِصُوا الْعِبَادَةَ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، فَهَذَا أَوَّلُ مَفْرُوضٍ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.

 بِهِ أَرْسَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُرْسَلِينَ، وَنَبَّأَ بِهِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُنَبَّئِينَ.

 وَبِهِ كَانَتِ الْخُصُومَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ وَأَهْلِ  الْبَاطِلِ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْهُدَى وَأَهْلِ الضَّلَالِ.

  وَاعْلَمْ يَا أَخِي -رَحِمَنِي اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَإِيَّاكَ- أَنَّ أَوَّلَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَنْ يُشْرَكَ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ يُشْرَكَ مَعَ اللهِ غَيْرُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَهَذَا نَهَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ، وَذَاكَ حَضَّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ.

مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))، قَالَ: ((كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ!)).

قُلْتُ: ((لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ)).

 قَالَ: ((تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟)).

قَالَ: قُلْتُ: ((اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)).

قَالَ: ((حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)).

قَالَ: قُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ)).

 قَالَ: ((لَا؛ إِذَنْ يَتَّكِلُوا)).

فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا)) أَيْ: تَحَرُّجًا مِنْ كَتْمِ الْعِلْمِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ يُبَيِّنُ الرَّسُولُ ﷺ أَنَّ حَقَّ اللهِ عَلَيْكَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تُخْلِصَ الْعِبَادَةَ كُلَّهَا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنَّ حَقَّكَ أَنْتَ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدَ اللهِ مِنْ حَقٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ وَجْهٌ-، أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَسُّطِ بِالْعَطَاءِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ -وَجْهٌ آخَرُ-؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ حَقٌّ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

((وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)).

وَهَذَا مَعْنَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْعُبُودِيَّةِ الَّتِي فَرَضَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ الْعَالَمِينَ جَمِيعًا هَلْكَى إِلَّا الْعَالِمُونَ، وَالْعَالِمُونَ جَمِيعًا هَلْكَى إِلَّا الْعَامِلُونَ، وَالْعَامِلُونَ جَمِيعًا هَلْكَى إِلَّا الْمُخْلِصُونَ، وَالْمُخْلِصُونَ بَعْدُ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ.

فَاللَّهُمَّ سَلِّمْ، وَارْحَمْ؛ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

أَوَّلُ مَفْرُوضٍ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَأَوَّلُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ غَيْرَهُ، فَمَا ثَمَرَةُ ذَلِكَ؟

ثَمَرَتُهُ: أَنْ يَعْبُدَ الْعَبْدُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَلَا يُشْرِكَ بِهِ أَحَدًا، وَلَا يُشْرِكَ مَعَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ غَيْرَهُ.. ثَمَرَةُ ذَلِكَ أَنْ يَحْظَى بِالْأَمْنِ فِي يَوْمِ الْفَزَعِ، وَبِالسَّعَادَةِ فِي يَوْمِ الشَّقَاءِ، وَبِالدَّعَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِي يَوْمِ الْقَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ.

وَذَلِكَ قَوْلُ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ-: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81-82].

لَمَّا أَنْ أَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ عَلَى قَلْبِ الرَّسُولِ، وَهِيَ قَوْلُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]؛ جَثَا الْأَصْحَابُ عَلَى رُكَبِهِمْ، وَقَالُوا: ((أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟!)).

 فَظَنَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لِطَهَارَةِ قُلُوبِهِمْ، وَلِزَكَاةِ أَرْوَاحِهِمْ، وَلِعِظَمِ إِيمَانِهِمْ، وَرُسُوخِ يَقِينِهِمْ أَنَّ الظُّلْمَ الْمَقْصُودَ فِي الْآيَةِ هُوَ الظُّلْمُ الْمُطْلَقُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ.

قَالُوا: ((وَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟!)).

 فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: {يا بُنَيَّ لا تُشرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِّركَ لَظُلمٌ عَظيمٌ} [لقمان: 13])).

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الظُّلْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْآيَةِ، وَالَّذِي لَا يَأْتِي الْعَبْدُ آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا بِنَفْيِهِ بَعِيدًا عَنْهُ، وَبِجَعْلِهِ عَنْهُ مَزْجَرَ الْكَلْبِ.. لَا يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مِنْ نَفَى عَنْهُ هَذَا الظُّلْمَ؛ الظُّلْمُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَأَوَّلُ مَأْمُورٍ بِهِ هُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَوَّلُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَثَمَرَةُ ذَلِكَ أَنْ يَحْظَى بِالسَّعَادَةِ فِي الدَّارَيْنِ؛ فِي الدُّنْيَا عِنْدَمَا يُطِيعُ أَمْرَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَمْرَ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ، فَيَخْرُجُ مِنَ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ الَّتِي ضَرَبَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ جُمْلَةً عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ، كَمَا بَيَّنَ هُوَ ﷺ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ((وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي)).

 فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ بِقِسْطٍ مِنَ الذُّلِّ، وَمِنَ الضَّعَةِ، وَمِنَ الْهَوَانِ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعَلَى النَّاسِ تَبَعًا، كُّلُّ ذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ عَلَى قَدْرِ بُعْدِهِ عَنِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ.

((مَبْدَأُ الْخَلْقِ وَالْغَايَةُ مِنْهُ وَمَصِيرُهُ))

  وَاعْلَمْ يَا أَخِي -رَحِمَنِي اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَإِيَّاكَ- أَنَّكَ يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَعْلَمَ ثَلَاثَةَ أَسْئِلَةٍ، وَأَنْ تَعْرِفَ الْإِجَابَةَ عَلَى كُلٍّ.

 فَأَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ فَهُوَ:

مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟

وَالثَّانِي:

 لِمَاذَا خُلِقْتُ؟

وَالثَّالِثُ:

إِلَى أَيْنَ الْمَصِيرُ؟

فَأَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟

فَجَوَابُهُ فِي قَوْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ} [المرسلات: 20].

فَهَذَا مَبْدَؤُكَ، وَهَذَا مَنْشَؤُكَ، وَهَذَا مَصْدَرُكَ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْهُ، هُوَ كَمَا بَيَّنَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ {مَّهِينٍ}: لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ وَلَا خَطَرَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ كَرَّمَهُ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ بِأَمْرِهِ، فَصَارَ بَشَرًا سَوِيًّا يُنَاوِئُ أَمْرَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،  وَيَعْصِي النَّبِيَّ الْكَرِيمَ ﷺ!

 فَهَذِهِ إِجَابَةُ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَاذَا خُلِقْتَ؟

فَجَوَابُهُ -أَيْضًا- فِي كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56-58].

فَخَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَمِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ وَلِأَجْلِ إِخْلَاصِ الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ.

وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ فَهُوَ: وَإِلَى أَيْنَ الْمَصِيرُ؟

فَجَوَابُهُ -أَيْضًا- فِي كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،  وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} [طه: 55].

وَقَوْلُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ} [غافر: 43].

 هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ الثَّلَاثَةُ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ فِي تَحْقِيقِهَا، وَفِي تَحْقِيقِ الْإِجَابَةِ عَلَيْهَا، وَفِي تَبْلِيغِهَا لِخَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ، وَفِي الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى الْوَاقِعِ مِنْ تَبْلِيغِهَا  لِخَلْقِ اللهِ أَجْمَعِينَ.

((الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ))

وَأَيْضًا، يَنْبَغِي عَلَيْكَ يَا أَخِي -رَحِمَنِي اللهُ، وَإِيَّاكَ- أَنْ تَعْلَمَ أَنَّكَ مَسْؤُولٌ فِي قَبْرِكَ عَنْ ثَلَاثٍ -أَيْضًا-، عِنْدَمَا يَأْتِيكَ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ، فَيُقْعِدَانِكَ، فَيَسْأَلَانِكَ عَنْ ثَلَاثٍ:

مَنْ رَبُّكَ؟

وَمَا دِينُكَ؟

وَمَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟

وَأَمَّا جَوَابُهَا؛ فَإِذَا مَا سُئِلْتَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَتَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي بِنِعْمَتِهِ، وَأَوْجَدَنِي مِنْ عَدَمٍ، وَأَنْشَأَنِي وَسَوَّانِي بَشَرًا سَوِيًّا.

وَإِذَا مَا سُئِلْتَ عَنْ دِينِكَ: وَمَا دِينُكَ؟

فَلْتَقُلْ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، بِإِسْلَامِ الْقَلْبِ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَإِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالِانْقِيَادِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.

وَإِذَا سُئِلْتَ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟

فَلْتَقُلْ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْهَاشِمِيُّ الْقُرَشِيُّ، نَبِيُّ اللهِ وَرَسُولُهُ ﷺ الَّذِي بَلَّغَ الْأَمَانَةَ وَأَدَّاهَا كَمَا يَنْبَغِي ﷺ، جَزَاهُ اللهُ خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ قَوْمِهِ وَرَسُولًا عَنْ أُمَّتِهِ.

((الْفُرُوقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْمُهَاجِرِ وَالْمُجَاهِدِ))

وَاعْلَمْ يَا أَخِي -رَحِمَنِي اللهُ، وَإِيَّاكَ- أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَ نَفْسَكَ أَرْبَعَةَ أَسْئِلَةٍ وَأَنْ تُحَضِّرَ فِي الذِّهْنِ حَاضِرًا لَا يَغِيبُ الْجَوَابَ عَنْهَا، وَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ هِيَ:

مَنْ هُوَ الْمُسْلِمُ؟

وَمَنْ هُوَ الْمُؤْمِنُ؟

وَمَنْ هُوَ الْمُهَاجِرُ؟

وَمَنْ هُوَ الْمُجَاهِدُ؟

فَأَمَّا إِجَابَتُهَا -وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ- فَهُوَ:

* فَأَمَّا الْمُسْلِمُ؛ ((فَهُوَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ))، بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَ كَمَا بَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، فَثَمَرَةُ ذَلِكَ أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ.

* وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ؛ ((فَهُوَ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ)).

وَيَا للَّهِ الْعَجَبُ!  إِنَّكَ لَوْ عَرَضْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْقُلُوبِ لَأَنْكَرَتْهَا إِنْكَارًا تَامًّا، وَتَنَكَّرَتْ لَهَا تَنَكُّرًا مُرِيعًا ذَرِيعًا؛ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَأْمَنُ بَعْضُهُمُ الْيَوْمَ بَعْضًا عَلَى كَوْمَةٍ مِنْ حَطَبٍ، وَلَا كَوْمَةٍ مِنْ تُرَابٍ، فَكَيْفَ يَأْمَنُ الْإِنْسَانُ الْإِنْسَانَ الْيَوْمَ عَلَى عِرْضٍ أَوْ كَيْفَ يَأْمَنُهُ عَلَى مَالٍ؟!

وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فِي مِيزَانِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَهُوَ مَنْ أَمِنَهُ الْمُؤْمِنُونَ أَوِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ.

* وَأَمَّا الْمُهَاجِرُ؛ فَهُوَ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، فَكُلُّ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ، وَنَزَلَ بِدَارِ الْهِجْرَةِ دَارِ الطَّاعَةِ -الطَّاعَةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي تَعْرِيفِ الْمُهَاجِرِ: ((وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ))، فَذَلِكَ مُهَاجِرٌ إِنْ شَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

* وَأَمَّا الْمُجَاهِدُ؛ فَيُبَيِّنُ أَمْرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيْضًا، فَيَقُولُ: ((إِنَّ الْمُجَاهِدَ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ))، وَذَلِكَ يَحْمِلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِاللِّسَانِ وَبِالسِّنَانِ، بِالنُّونَيْنِ جَمِيعًا.

((أَسْئِلَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَرْبَعَةُ!))

وَاعْلَمْ يَا أَخِي -رَحِمَنِي اللهُ، وَإِيَّاكَ- أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَسْأَلَ نَفْسَكَ أَرْبَعَةَ أَسْئِلَةٍ -أَيْضًا-، وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسَةَ أَسْئِلَةٍ؛ لِرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ الَّتِي ذَكَرَتِ الْخَمْسَ، وَالْأُخْرَى ذَكَرَتْ أَرْبَعًا.

 فَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ أَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْهَا فِي الْحَشْرِ فِي الْمَوْقِفِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ((أَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْ أَرْبَعَةِ أَسْئِلَةِ أَوْ خَمْسَةِ أَسْئِلَةٍ -فِي رِوَايَةٍ- يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا أَفْنَيْتَهُ، وَعَنْ شَبَابِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَهُ، وَعَنْ مَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ وَفِيمَا أَنْفَقْتَهُ، وَعَنْ عِلْمِكَ مَاذَا عَمِلْتَ فِيهِ)).

((عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا أَفْنَيْتَهُ)): أَفِي طَاعَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالسَّيْرِ عَلَى دَرْبِ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ، أَمْ فِي التَّوَاضُعِ وَالْخُنُوعِ وَالذِّلَّةِ لِأَحْقَرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَالتَّطَاوُلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ، أَفِي ذَلِكَ أَمْ فِي ذَاكَ؟

((وَعَنْ شَبَابِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَهُ)): وَانْظُرْ إِلَى تَعْبِيرِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الْعُمُرِ وَعَنِ الشَّبَابِ، فَأَمَّا فِي الْعُمُرِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَدُ جُمْلَةً بِالْمَمَاتِ، فَيَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((أَفْنَيْتَهُ)، وَأَمَّا الشَّبَابُ، فَلِأَنَّهُ كَمَا يَكُونُ الثَّوْبُ الْجَدِيدُ يَكُونُ جَدِيدًا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ الْبِلَى، وَإِنَّمَا تَفْنَى جِدَّتُهُ، وَتَذْهَبُ نَضْرَتُهُ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((فِيمَا أبليته)).

فَهُنَاكَ يَقُولُ: ((فِيمَا أَفْنَيْتَهُ)) لِلْعُمُرِ، وَأَمَّا فِي الشَّبَابِ فَيَقُولُ: ((فِيمَا أَبْلَيْتَهُ))، فَهُوَ بَاقٍ وَلَكِنَّهُ كَالثَّوْبِ الْخَلِقِ لَا يَسْتُرُ عَوْرَةً، وَلَا يَدْفَعُ بَرْدًا وَلَا قُرًّا، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.

وَأَمَّا الْمَالُ، فَأَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ فِي الْعَرَصَاتِ فِي الْمَحْشَرِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَسْؤُولٌ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: ((مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقْتَهُ؟)).

 كَيْفَ كَانَ وَارِدُكَ؟ وَفِيمَا كَانَ مُنْصَرَفُكَ؟

 فَذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْقِيَامَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مَهُولٌ مَخُوفٌ!

 الْمَالُ وَحْدَهُ يَأْتِي السُّؤَالُ عَنْهُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ بِحِسَابٍ عَسِيرٍ شَدِيدٍ؛ ((مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَ؟ وَفِيمَا أَنْفَقْتَ؟)).

((وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ)): أَكَانَ كَلَامًا يُقَالُ أَمْ كَانَ مَقْرُونًا بِالْعَمَلِ بَعِيدًا عَنِ الْفِصَامِ النَّكِدِ بَيْنَ كَلَامٍ يُقَالُ، وَوَاقِعٍ يَتَخَلَّفُ فِيهِ الْعَمَلُ عَنِ الْعِلْمِ، فَيَكُونُ الْمَرْءُ كَالْقَبْرِ، ظَاهِرٌ يَسُرُّ وَبَاطِنٌ مِنْ دُونِهِ يَضُرُّ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.

((مَعْنَى كَلِمَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَأَهَمِّيَّتُهَا))

وَاعْلَمْ يَا أَخِي -هَدَانِي اللهُ، وَإِيَّاكَ سَوَاءَ الصِّرَاطِ- أَنَّ الْكَلِمَةَ الْعَظِيمَةَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) مَعْنَاهَا: أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ.

وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ جَمِيعًا؛ فَأَمَّا النَّفْيُ فَهُوَ الْبَرَاءَةُ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: ((لَا إِلَهَ))، ثُمَّ الْإِثْبَاتُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ: ((إِلَّا اللهُ)).

فَإِذَا أَضَفْتَ لِذَلِكَ قَوْلَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، ثُمَّ تَأْتِي الْإِضَافَةُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ فِي سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ ((وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ)) تَكُونُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ مُؤَكِّدَةً لِلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ جَمِيعًا.

 فَأَمَّا قَوْلُكُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) فَيُؤَكِّدُ هَذَا النَّفْيَ قَوْلُكَ: ((لَا شَرِيكَ لَهُ)).

 وَأَمَّا قَوْلُكَ فِي الْإِثْبَاتِ: ((إِلَّا اللهُ))، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُكَ: ((وَحْدَهُ)).

 فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَجْلِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَمِنْ  أَجْلِهِ تَطَايَرَتِ الصُّحُفُ، وَانْتَصَبَتِ الْمَوَازِينُ وَنُصِبَتْ، وَأَخَذَ النَّاسُ الْكُتُبَ؛ فَآخِذٌ بَيَمِينِهِ يَقُولُ: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19] وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 26]، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.

فَهَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَعْقِلَهُ، وَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَتَدَبَّرَهُ.

((قِيمَةُ الْإِنْسَانِ فِي الْحَيَاةِ بِالتَّوْحِيدِ))

وَاعْلَمُوا -أَعَزَّكُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَحَفِظَكُمْ، وَرَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ- أَنَّ الْإِنْسَانَ تَأْتِي عَلَيْهِ أُوَيْقَاتٌ، بَلْ أَوْقَاتٌ، بَلْ غَالِبُ عُمُرِهِ.. تَأْتِي عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَزْمَانُ، وَهُوَ فِي الْغَفْلَةِ، وَفِي الْغُرُورِ!

 فَكَمْ مِنْ ظَانٍّ أَنَّهُ وَتِدٌ مِنْ أَوْتَادِ الْأَرْضِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ زَالَ لَانْدَكَّتِ الْأَرْضُ وَانْطَبَقَتْ عَلَيْهَا السَّمَاوَاتُ!

 وَكَمْ مِنْ ظَانٍّ مُتَوَهِّمٍ أَنَّ الْكَوْنَ إِنَّمَا مُعَلَّقٌ بِخَيْطِ حَيَاتِهِ هُوَ، فَإِذَا مَا انْقَطَعَ خَيْطُ حَيَاتِهِ فَقَدِ انْتَهَتِ الْأَكْوَانُ وَانْعَدَمَتِ الْمُكَوِّنَاتُ!

كَمْ مِنْ مَغْرُورٍ يَغُرُّهُ فُحْشُ شِرْكِهِ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!

 وَكَمْ مِنْ ظَانٍّ يَصْرِفُهُ ظَنُّهُ عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ فِي كَوْنِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!

فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ ذَرَّةٌ تَائِهَةٌ فِي كَوْنِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا قِيمَةَ لَهَا، وَلَا وَزْنَ لَهَا، وَلَا خَطَرَ لَهَا إِلَّا إِذَا صَدَرَ مِنْهَا مِنَ الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ قَوْلُ الْحَقِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19].

إِذَا لَمْ تَصْدُرْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِنَغْمَةِ الْقَلْبِ وَتَوْقِيعِهِ، وَصَدَرَ بِهَا اللِّسَانُ مُرَجِّعًا، وَانْطَلَقَتْ بِهَا الْجَوَارِحُ مُؤَكِّدَةً، لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ فِي الْحَيَاةِ وَزْنٌ.

 يَغْتَرُّ الْإِنْسَانُ -أَحْيَانًا- وَيَنْصَرِفُ عَنْ مَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ فِي الْحَيَاةِ، وَمَا الْإِنْسَانُ فِي الْحَقِيقَةِ -أَعَزَّكُمُ اللهُ- إِلَّا مِرْحَاضٌ يَتَحَرَّكُ، أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَهُوَ فِيمَا بَيْنَهُمَا يَحْمِلُ الْعَذِرَةَ!

وَوَاللَّهِ! لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ إِلَّا أَنْ سَمَحَ لَنَا وَنَحْنُ فِينَا مَا فِينَا مِنَ الْقَاذُورَاتِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا أَنْ نَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْ نَدْخُلَ فِي مَعِيَّتِهِ بِقَوْلِنَا بِالتَّحْرِيمَةِ ((اللهُ أَكْبَرُ))، فَنَصِلَ مِنْ حَبْلِ الْوَصْلِ مَا انْقَطَعَ.. لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الرَّحْمَةِ وَمِنْ وَصْلِ الْكَرَمِ مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَاصِلًا إِلَى قُلُوبِ  عِبَادِ الطَّائِعِينَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا ذَاكَ؛ لَكَانَ نِعْمَةً جَلِيلَةً، وَفَضْلًا وَاصِلًا، وَنَعِيمًا مُتَحَصَّلًا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، لَوْ ظَلَّ الْمَرْءُ سَاجِدًا مُنْذُ أَنْ يَخْلُقَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَى أَنْ يَنْفُخَ إِسْرَافِيلُ فِي الصُّورِ، وَيَقُومُ النَّاسُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لَكَانَ ذَلِكَ ضَئِيلًا قَلِيلًا فِي جَنْبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ الْعَظِيمَةِ.

 فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَأَفْضِلْ وَأَعْظِمْ بِهَا مِنْ نِعْمَةٍ!

((فَلْنَعْرِفْ قَدْرَنَا فِي دُنْيَا اللهِ وَلْنَتَوَاضَعْ!))

وَانْظُرْ -هَدَانِي اللهُ وَإِيَّاكَ، وَرَحِمَنَا جَمِيعًا- فِي قَوْلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

 لَوْ نَظَرْتَ فِيهَا مُتَدَبِّرًا لَعَلِمْتَ أَنَّ فِيهَا عِلَاجًا وَشِفَاءً وَبُرْءًا مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَسْقَامِ؛ لِأَنَّهَا تُنْزِلُ الْإِنْسَانَ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهَا.

مَا الشَّأْنُ فِي مَزْهُودٍ فِيهِ قَبْلَ خَلْقِهِ؟!

مَا الشَّأْنُ فِيمَنْ خُلِقَ لِوَظِيفَةٍ لَيْسَتْ شَاغِرَةً؟!

مَا الشَّأْنُ فِيمَنْ لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهُ إِلَّا الضَّرَرُ؟!

فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمَّا أَخْبَرَ الْمَلَائِكَةَ الْمُكَرَّمِينَ أَنَّهُ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، أَجَابُوا عَلَى رَبِّهِمْ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُسْتَفْسِرِينَ لَا مُعْتَرِضِينَ؛ فَإِنَّهُمْ {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].. لَمَّا أَخْبَرَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّهُ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30].

 فَضَرَرُهُ مُتَحَقِّقٌ؛ إِنَّهُ إِنْ أَتَى -وَكَانُوا قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ إِمَّا قِيَاسًا عَلَى مَنْ كَانَ يَسْكُنُ الْأَرْضَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، كَمَا يَقُولُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ الشَّيَاطِينَ أَوِ الْجِنَّ إِنَّمَا كَانُوا مُعَمِّرِينَ لِلْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، فَلَمَّا عَاثُوا فِيهَا فَسَادًا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَقَتَلُوهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَطَرَدُوهُمْ إِلَى جَزَائِرِ الْبِحَارِ، وَأُخِذَ إِبْلِيسُ أَسِيرًا رَهِينًا، فَكَانَ فِي السَّمَاوَاتِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ -وَلَيْسَ مِنْهُمْ-، وَإِمَّا أَنَّهُمْ نَظَرُوا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَعَلِمُوا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا خُلِقَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ عَاثَ فِيهَا فَسَادًا وَسَفَكَ الدِّمَاءَ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ الْحَاصِلُ وَالتَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ، {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30].

إِذَنْ؛ فَهَذَا خُلُقٌ مُتَحَقَّقٌ ضُرُّهُ وَاقِعٌ بَأْسُهُ فِي أَرْضِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 ثُمَّ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ لِوَظِيفَةٍ لَيْسَتْ بِشَاغِرَةٍ، بَلْ هِيَ وَظِيفَةٌ مَأْهُولَةٌ عَامِرَةٌ بِالَّذِينَ لَا يَفْتُرُونَ عَنِ الذِّكْرِ وَلَا يَنُونَ عَنِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُعَظِّمِينَ مُقَدِّسِينَ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30].

 إِذَنْ؛ مَا الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ؟

يَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].: مِنْ خَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسلين الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمِنَ اتِّبَاعِ طَرِيقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ مِنَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ تَبِعُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَالَّذِينَ تَبِعُوا أَنْبِيَاءَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَرُسُلَهُ، حَتَّى خَتَمَهُمُ اللهُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.

 فَمَا الشَّأْنُ فِيمَنْ هُوَ مُزْهُودٍ فِيهِ قَبْلَ خَلْقِهِ، {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30].

 مَا الشَّأْنُ فِي مَزْهُودٍ فِيهِ قَبْلَ خَلْقِهِ، فِي مُتَحَقَّقٍ ضَرَرُهُ، فِيمَنْ لَيْسَتْ لَهُ وَظِيفَةٌ فَارِغَةٌ، بَلْ وَظِيفَتُهُ شَاغِرَةٌ بِمَنْ يُؤَدِّيهَا خَيْرًا مِنْهُ؛ فَإِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً مُنْذُ خَلَقَهُمْ إِلَى أَنْ يُقِيمَ السَّاعَةَ، وَهُمْ سُجُودٌ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا نَفَخَ إِسْرَافِيلُ فِي الصُّورِ لِلْبَعْثِ كَانَ قِيَامُهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ: نَسْتَغْفِرُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، ((مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ)).

عِبَادَ اللهِ!  إِنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ؛ فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ ابْنَكَ مُسْتَغْنِيًا عَنْكَ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ عِنْدَمَا قَالَ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151]، فَاللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.

مَا تَقُولُ فِي إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْكَ وَأَحْنَى النَّاسِ عَلَيْكَ جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مُسْتَغْنِيًا عَنْكَ، بَلْ جَعَلَكَ أَنْتَ وَهُوَ عَالَةً عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ أَنْتَ مَرْزُوقٌ كَمَا أَنَّهُ مَرْزُوقٌ، وَالْكُلُّ مَحْمُولٌ عَلَى جَنَاحِ الرَّحْمَةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟!

وَمَا تَقُولُ فِيمَنْ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ زَوْجَهُ مُسْتَغْنِيَةً عَنْهُ أَيْضًا: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ} [النساء: 130]؟!

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْفِرَاقُ بِالطَّلَاقِ لَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْغَنَاءَ مُتَحَصِّلًا عِنْدَهُ وَعِنْدَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ وَاصِلٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ.

يَنْبَغِي عَلَيْنَا -عِبَادَ اللهِ- أَنْ نَعْرِفَ قَدْرَنَا فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ نَعْلَمَ أَنَّنَا جَمِيعًا مَحْمُولُونَ عَلَى جَنَاحِ رَحْمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ وَإِذَا مَا وَقَعَ الْيَقِينُ عَلَى ذَلِكَ نَعُودُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْعُبُودِيَّةِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَاظِرِينَ فِي تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي مَرَّتْ آنِفًا.. نَاظِرِينَ مُحَقِّقِينَ فِي إِجَابَاتِهَا حَتَّى إِذَا مَا دَخَلْنَا قُبُورَنَا كَانَتِ الْإِجَابَةُ عَلَى أَسَلَاتِ لِسَانِنَا، وَكَانَتِ الْإِجَابَةُ فِي الْمَحْشَرِ مُنْطَلِقَةً بِهَا أَلْسِنَتُنَا -أَيْضًا-؛ فَيُنَجِّيَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ الَّذِي حَقٌّ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُلْحِدِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُحْيِيَنَا مُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يُمِيتَنَا مُوَحِّدِينَ، وَأَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ الصَّالِحِينَ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

 أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 أَمَّا بَعْدُ :

((تَحْقِيقُ الْعُبُودِيَّةِ بِالْإِخْلَاصِ وَالْمُتَابَعَةِ))

عِبَادَ اللهِ! فَاعْلَمُوا -رَحِمَنِي اللهُ، وَإِيَّاكُمْ- أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نُخْلِصَ الْعِبَادَةَ  لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ نَنْفِيَ الشِّرْكَ عَنِ الْقُلُوبِ، وَمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرَيْنِ:

* بِإِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بِعَقْدِ النِّيَّةِ عَلَى صَرْفِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

* ثُمَّ بِوُقُوعِ ذَلِكَ عَلَى قَدَمِ الرَّسُولِ ﷺ.

فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْإِخْلَاصُ، وَفِيهِ أمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ: ((أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ يَأْتُونَ بِالدِّمَاءِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ، فَيُلَطِّخُونَ بِهَا جُدُرَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: نَحْنُ أَوْلَى بِتَلْطِيخِ الْكَعْبَةِ بِدِمَاءِ الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدْيِ مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَوْلَهُ: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [الحج: 37])).

فَبَيَّنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّ الشَّأْنَ هُوَ شَأْنُ الْقَلْبِ أَوَّلًا، فَإِذَا مَا اسْتَقَامَ لِأَنَّهُ مَلِكٌ فِي مَمْلَكَتِهِ اسْتَقَامَتْ مَمْلَكَتُهُ تَبَعًا، كَمَا قَالَ قَائِلُهُمْ لِعُمَرَ الْفَارُوقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((عَفَفْتَ فَعَفَّتْ رَعِيَّتُكَ، وَلَوْ رَتَعْتَ لَرَتَعَتْ رَعِيَّتُكَ))، فَكَذَلِكَ شَأْنُ الْقَلْبِ لَوْ عَفَّ لَعَفَّتِ الْجَوَارِحُ، وَلَوْ رَتَعَ لَرَتَعَتِ الْجَوَارِحُ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ قُلُوبَنَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَفَضْلِهِ.

فَهَذَا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ أَمْرُ النِّيَّةِ مِمَّا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَلْحَظَهُ بِعَيْنِ الرِّعَايَةِ، وَأَنْ نَنْظُرَ إِلَيْهِ نَظَرَ الِاهْتِمَامِ، وَإِلَّا وَقَعْنَا فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَمْرِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ.

 يَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَاكِيًا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مُنَفِّرًا مِنْ وَاقِعِهِمْ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].

يَعْنِي: مَا أَمَرَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَّا بِإِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ بِالْقَلْبِ وَالْقَالَبِ، بِالْكَيْنُونَةِ جَمِيعًا؛ حَتَّى يَعُودَ الْإِنْسَانُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِكُلِّهِ كَمَا خَلَقَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِكُلِّهِ، طَائِعًا دَيِّنًا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِدِينِ الْحَقِّ دِينِ الْقِيمَةِ، أَيِ: الدِّينِ ذِي الطَّرِيقِ أَوِ السَّبِيلِ الْقَيِّمَةِ، عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ هَاهُنَا.

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}، وَكَذَلِكَ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هَذَا هُوَ أَمْرُهُ الْأَوَّلُ لِأَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.

 فَكُلُّ الْعِبَادَةِ تَكُونُ مَصْرُوفَةً لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، لَا يُصْرَفُ لِغَيْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَهَذَا أَمْرٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعْقَدَ عَلَيْهِ الْخُنْصُرُ فِي أَوَّلِ مَا يُعْقَدُ مِنْ أَهَمِيَّتِهِ، وَعِظَمِ شَأْنِهِ، وَارْتِفَاعِ كَعْبِهِ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَكَثِيرٌ طَيِّبٌ، مِنْهُ مَا رَوَاهُ الْفَارُوقُ مُخَرَّجًا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)).

((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)): إِنَّما كَوْنُ الْأَعْمَالِ أَعْمَالًا بِالنِّيَّاتِ، إِنَّمَا قَبُولُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ، إِنَّمَا كَوْنُ الْأَعْمَالِ أَعْمَالًا شَرْعِيَّةً بِالنِّيَّاتِ، إِنَّمَا كَمَالُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي قَالَهَا عُلَمَاؤُنَا فِي قَوْلِ رَسُولِنَا ﷺ: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)).

 ثُمَّ تَأْتِي الْجُمْلَةُ الْعَظِيمَةُ -وَكُلُّ كَلَامِهِ عَظِيمٌ ﷺ-: ((وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))، فَمَنْ نَوَى خَيْرًا تَحَصَّلَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَوَى شَرًّا فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَاللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيءٌ ﷺ.

وَمِنْ ذَلِكَ وَبِمَا يَحُضُّ عَلَيْهِ رَسُولُنَا ﷺ عَلَى إِخْلَاصِ الْعُبُودِيَّةِ  لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً))، نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَعَقَدَ النِّيَّةَ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَمْ يُوَفَّقْ لِإِخْرَاجِهَا صُورَةً ظَاهِرَةً مِنْ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ إِلَى عَالَمِ الْأَشْبَاحِ كَتَبَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَمَا عَمِلَ شَيْئًا.

((فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ -لَا حَسَنَةً وَاحِدَةً-، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ -يُضَاعِفُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِمَنْ يَشَاءُ؛ لِأَنَّهُ ذُو الْعَطَاءِ وَذُو الْجُودِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وَهُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ-، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً)).

مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَنَوَاهَا، ثُمَّ قَدَّرَ اللهُ عَلَيْهِ، وَقَضَى أَنْ يُكَفَّ عَنْهَا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَتَبَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ حَسَنَةً، حَسَنَةً وَهُوَ قَدْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ، ثُمَّ قَدَّرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَلَّا تَتِمَّ، وَأَنْ يَكُفَّ عَنْهَا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

((فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)).

فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْكَرَمِ الْعَظِيمِ!  فَأَيُّ كَرَمٍ أَكْبَرُ مِنْ كَرَمِ أَكْرَمِ الْأَكْرَمِينَ؟!

اللَّهُمَّ عَامِلْنَا بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ وَجُودِكَ وَفَضْلِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

مِنْ شَأْنِ النِّيَّةِ -عِبَادَ اللهِ- أَنَّ الْعَبْدَ تَنْبَعِثُ نِيَّتُهُ مُتَأَجِّجَةً، مُتَوَجِّهَةً فِي حَنَايَا صَدْرِهِ، وَفِي خَلَجَاتِ ضَمِيرِهِ، وَفِي دَقَّاتِ دِمَاهُ فِي عُرُوقِهِ، ثُمَّ لَا يُوَفَّقُ بِحَابِسِ عُذْرٍ؛ مِنْ ضِيقِ ذَاتِ يَدٍ، أَوْ مِنْ شِدَّةِ مَرَضٍ مُقْعِدٍ، أَوْ مِنْ صَارِفٍ يَصْرِفُهُ، كَأَنْ يَبْقَى قَائِمًا مَحْبُوسًا عَلَى مَنْ يَرْعَاهُ مِنْ أَبٍ فَانٍ كَبِيرٍ أَوْ أُمٍّ مُتَهَالِكَةٍ أَوْ زَوْجٍ مَرِيضَةٍ أَوِ ابْنٍ مُلَازِمٍ لِفِرَاشٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ، أَوْ مِنْ سَعْيٍ عَلَى عِيَالٍ، فَلَا يَنْبَعِثُ إِلَى الْخَيْرِ، يَجْعَلُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ وَاصِلًا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ.

وَهَلْ غَابَ عَنْكَ نَبَأُ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الْحَيِيُّ الَّذِي تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؛ قَالَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ -يَعْنِي: عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-- عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّه كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ))، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عُثْمَانَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَمَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: ((هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ))، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: ((هَذِهِ لِعُثْمَانَ)).

فَكَانَتْ يَدُ النَّبِيِّ أَفْضَلَ لِعُثْمَانَ مِنْ يَدِ نَفْسِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ أَنَّ نِيَّتَهُ مُنْبَعِثَةٌ لِلْخَيْرِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا هَذَا الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ قَدَرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَكَانَ فِي أَوَائِلِ مَنْ يَشْهَدُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ الْمَشْهَدَ الْكَرِيمَ.

مِنْ ذَلِكَ -أَيْضًا- قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، وَقَدْ سَارَ مَسِيرًا وَمَعُهُ أَصْحَابُهُ يُعَانُونَ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ، وَيَتَعَرَّضُونَ لِلَفْحِ الشَّمْسِ وَوَهْجِ السَّعِيرِ فِي صَحَرَاءَ قَدْ أُرْمِلَتْ، حَتَّى إِنَّكَ لَوْ وَضَعْتَ اللَّحْمَ النَّيِّءَ عَلَى رِمَالِهَا لَأَنْضَجَتْهُ حَرَارَتُهَا مِنْ شِدَّةِ مَا انْبَعَثَ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ الَّتِي كَأَنَّمَا فَتَحَتْ عَلَيْهَا أَبْوَابَ سَعِيرِهَا.

 وَالرَّسُولُ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَسِيرُونَ يَتَعَاقَبُ الثَّلَاثَةُ عَلَى بَعِيرٍ، فَأَمَّا أَحَدُهُمْ فَيَرْكَبُ رُبَّمَا بِمِقْدَارِ مَا يَقْرَأُ وِرْدًا مِنْ كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوْ بِمُجَرَّدِ وَمِقْدَارِ مَا يَأْتِي بِذِكْرٍ مِنَ الْأَذْكَارِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي وَيَرْكَبُ أَخُوهُ، ثُمَّ يَرْكَبُ الثَّالِثُ فِي صَحَرَاءَ لَيْسَ فِيهَا مِنْ زَادٍ، وَمَا مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا نَوَاةٌ يَضَعُهَا تَحْتَ لِسَانِهِ، فَيَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ رَوَى: رَحِمَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَمَا تَفْعَلُونَ بِالنَّوَاةِ؟!

 يَقُولُ: نَجْعَلُهَا فِي أَفْوَاهِنَا، نَسْتَحْلِبُ بِهَا لُعَابَنَا.

 وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ مَعْهُودٌ فِي عِلْمِ وَظَائِفِ الْأَعْضَاءِ، وَأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ إِذَا مَا كَانَ كَذَلِكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْمِيكَانِيكِيَّةِ مِنْ وَضْعِ مُؤَثِّرٍ ظَاهِرٍ فِي الْفَمِ جَرَى اللُّعَابُ، وَأَفْرَزَتْ غُدَدُهُ مَا أَفْرَزَتْ وَمَا اسْتَطَاعَتْ فِي الْفَمِ الَّذِي تَشَقَّقَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

خَرَجَ النَّبِيُّ غَازِيًا فِي مَسِيرٍ وَمَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ قَوْلَةً عَظِيمَةً -وَكُلُّ كَلَامِهِ عَظِيمٌ- يَقُولُ ﷺ: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانَ لَهُمْ مِثْلُهُ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ)).

لَمْ يَتَحَرَّكُوا وَلَمْ يَبْذُلُوا، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلَفْحِ هَجِيرٍ، وَلَا لِوَقْدَةِ شَمْسٍ، وَلَا لِرِمَالٍ مُحْرِقَةٍ، وَلَا لِجُوعٍ قَدْ نَشِبَتْ أَظْفَارُهُ فِي مَعِدَاتِهِمْ تَنْهَشُهَا نَهْشًا ذَرِيعًا فَاتِكًا مُؤْلِمًا.

 كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِقَلِيلٍ وَلَا بِكَثِيرٍ، وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدًا مِنْهُمْ قَلِيلٌ مِنْهُ وَلَا كَثِيرٌ، وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ ((إِلَّا شَرَكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ)): إِلَّا كَانَ لَهُمْ مِثْلُ الْأَجْرِ الَّذِي لَكُمْ، بِنِيَّاتِهِمُ الَّتِي أَخْلَصُوا فِيهَا الْعِبَادَةِ وَالْعُبُودِيَّةَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَانْظُرْ -رَحِمَكَ اللهُ- لِقَوْلِ نَبِيِّكَ ﷺ: ((إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ؛ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي رَبَّهُ فِيهِ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ)).

أَيْ: مِثْلُ الَّذِي آتَاهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، وَسَارَ فِيهِ بِالسَّوِيَّةِ، فَأَمَّا الَّذِي آتَاهُ اللهُ الْعِلْمَ فَقَطْ وَلَمْ يُؤْتِهِ الْمَالَ، فَيَقُولُ إِذَا مَا نَظَرَ لِصَاحِبِ الْمَالِ وَالْعِلْمِ: لَوْ أنَّ اللهَ آتَانِي مَالًا لَكُنْتُ مِثْلَهُ أَيْ فِي الْخَيْرِ، وَفِي الْبَذْلِ، وَفِي الْعَطَاءِ، وَفِي إِهْلَاكِهِ فِي مَرْضَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

يَقُولُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ: ((فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ))، وَمَا أَنْفَقَ دِينَارًا وَمَا بَذَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا عَقْدُ الْقَلْبِ -وَاللَّهُ يَعْلَمُ صِدْقَهُ- أَنَّهُ لَوْ آتَاهُ لَبَعَثَ ذَلِكَ الْمَالَ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَرْسَالًا، وَلَقَالَ بِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَنْ يَمِينٍ وَعَنْ شِمَالٍ، وَمِنْ خَلْفٍ وَلَا يَجْعَلُهُ أَمَامَهُ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ.

((وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ للَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهُوَ بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ)).

فَانْظُرْ!  كَيْفَ بَلَغَتْ بِالثَّانِي نِيَّتُهُ إِلَى أَعْلَى الْمَنَازِلِ، وَكَيْفَ سَفُلَتْ بِالرَّابِعِ نِيَّتُهُ إِلَى أَحَطِّ الْمَدَارِكِ؟!

نَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَرْحَمَنَا بِرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.

عِبَادَ اللهِ! يَنْبَغِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُحَصِّلُوا الْإِخْلَاصَ، وَأَنْ تُحَصِّلُوا الِاتِّبَاعَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.

فَإِنَّهُ مَنْ أَبَى أَنْ يَعْبُدَ اللهَ فَقَدْ كَفَرَ.

وَمَنْ عَبَدَ اللهَ وَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَقَدْ أَشْرَكَ.

وَمَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ بِغَيْرِ مَا شَرْعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَقَدِ ابْتَدَعَ.

 وَمَنْ عَبَدَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِمَا شَرَعَ فَهَذَا الْمُوَحِّدُ الَّذِي يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

فَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَهُ -رَحِمَنِي اللهُ وَإِيَّاكَ-.

((اللهَ اللهَ فِي دِينِ اللهِ!))

الَّذِي يَأْتِي بِجَوَابِ الْأَسْئِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ آنِفًا وَاضِعًا إِجَابَاتِهَا نُصْبَ عَيْنَيْهِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يُجِيبَ عِنْدَمَا يُسْأَلُ -إِنْ شَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ-، وَالَّذِي يَأْتِي بِالْأَصْلَيْنِ بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَبِصِدْقِ النِّيَّةِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى مُقْتَضَى أَمْرِ الرَّسُولِ مُتَابِعًا ﷺ وَإِلَّا فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ سَيِّدُ الْكَائِنَاتِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ (ض1) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)) أَيْ: هُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.

لَا يَقْبَلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَحَدٍ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، وَلَا صَدَقَةً وَلَا زَكَاةً، وَلَا قِيَامًا؛ إِلَّا إِذَّا كَانَ جَائِيًا وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

 فَالطُّرُقُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَمِيعًا مَسْدُودَةٌ مُوصَدَةٌ إِلَّا مَنْ جَاءَ خَلْفَ النَّبِيِّ وَعَلَى سَبِيلِهِ ﷺ، وَسَارَ عَلَى قَدَمِ الْمُخْتَارِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ هُوَ الْحَادِي، وَأَكْرِمْ بِهِ مِنْ حَادٍ.

وَأَمَّا الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، وَيَتَقَمَّمُونَ زُبَالَةَ الْأَفْكَارِ وَوَسَاخَةَ مَا تَنْضَحُ بِهِ الْعُقُولُ الْهَائِمَةُ الْبَعِيدَةُ عَنْ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَعَنْ سُنَّةِ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ.. فَمَنْ سَارَ خَلْفَ هَؤُلَاءِ فَإِنَّمَا هُوَ مِمَّنْ قَالَ فِيهِمُ الشَّاعِرُ:

وَمَنْ تَخِذَ الْغُرَابَ لَهُ دَلِيلًا        =       يَمُرُّ بِهِ عَلَى جِيَفِ الْكِلَابِ.

لَا يَمُرُّ الْغُرَابُ إِلَّا عَلَى جِيَفِ الْكِلَابِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَّا لِأَمْثَالِهَا.

 فَمَنْ جَعَلَ الْغُرَابَ لَهُ دَلِيلًا، فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يُدِلُّهُ؟! وَعَلَى أَيِّ سَبِيلٍ يَهْدِيهِ؟! وَإِلَى أَيِّ طَرِيقٍ يُقِيمُهُ؟!  إِنَّمَا يُدِلُّهُ عَلَى جِيَفِ الْكِلَابِ.

وَأَمَّا سَيِّدُ الْأحْبَابِ ﷺ فَيَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، كَمَا بَيَّنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

فَالْزَمُوا الْجَادَّةَ -عِبَادَ اللهِ-، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ فَأَمْضُوهَا فِي طَاعَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْدَمُ النَّادِمُ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَّا عَلَى التَّفْرِيطِ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ، وَفِي ذِكْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَوَاللَّهِ! لَوَدَّ الْأَمْوَاتُ عَلَى أَعْلَى دَرَجَاتِهِمْ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الْحَيَاةِ فَيَسْتَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ فَرِيضَةً وَنَفْلًا، وَخُضُوعًا لِلَّهِ وَإِخْبَاتًا، وَيَسْتَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 وَأَنْتُمْ -عِبَادَ اللهِ- فِي الْمُهْلَةِ، وَأَنْتُمْ -عِبَادَ اللهِ- فِي الْفُسْحَةِ حَتَّى مَا جَاءَكُمُ الْمَوْتُ حُبِسْتُمْ وَقُيِّدْتُمْ، وَرُدِدْتُمْ إِلَى رَبِّكُمْ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَلَا صَلَاةَ وَذِكْرَ وَلَا تِلَاوَةَ وَلَا حَجَّ وَلَا عُمْرَةَ.

 فَاللَّهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَالْزَمُوهُ، وَفِي سَبِيلِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ فَاتَّبِعُوهُ، عَضُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالنَّوَاجِذِ، رَحِمَنِي اللهُ، وَإِيَّاكُمْ، وَهَدَانَا جَمِيعًا إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا.

اللَّهُمَّ عَافِنَا، وَاعْفُ عَنَّا، عَافِنَا وَاعْفُ عَنَّا، عَافِنَا وَاعْفُ عَنَّا.

اللَّهُمَّ أَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَتَوَفَّنَا مُؤْمِنِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ.

اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينَ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا أَبَدًا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَقِيقَةَ الْيَقِينِ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْيَقِينَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْعَافِيَةَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْعَافِيَةَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْعَافِيَةَ.

اللهم عَافِنَا وَاعْفُ عَنَّا، عَافِنَا وَاعْفُ عَنَّا.

اللَّهُمَّ صِلْنَا وَلَا تَقْطَعْنَا.

اللَّهُمَّ أَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا.

اللَّهُمَّ أَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا.

اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا.

اللَّهُمَّ اهْدِ قُلُوبَنَا.

اللَّهُمَّ بَيِّضْ وُجُوهَنَا.

اللَّهُمَّ سَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا.

اللَّهُمَّ سَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا.

اللَّهُمَّ سَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا.

اللَّهُمَّ اسْلُلْ سَخِيمَةَ صُدُورِنَا.

اللَّهُمَّ اسْلُلْ سَخِيمَةَ صُدُورِنَا.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لَكَ ذَكَّارِينَ، لَكَ شَكَّارِينَ، لَكَ رَهَّابِينَ، لَكَ طَائِعِينَ، لَكَ مُنِيبِينَ، لَكَ مُخْبِتِينَ، عَلَيْكَ مُقْبِلِينَ، عَنْ سِوَاكَ مُدْبِرِينَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا عَبِيدَ إِحْسَانِكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا عَبِيدَ امْتِحَانِكَ.

اجْعَلْنَا عَبِيدَ إِحْسَانِكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا عَبِيدَ امْتِحَانِكَ.

اجْعَلْنَا عَبِيدَ إِحْسَانِكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا عَبِيدَ امْتِحَانِكَ.

اجْعَلْنَا عَبِيدَ إِحْسَانِكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا عَبِيدَ امْتِحَانِكَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا عَبِيدَ إِحْسَانِكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا عَبِيدَ امْتِحَانِكَ.

وَاسْتُرْنَا بِسِتْرِكَ الْجَمِيلِ، وَاجْعَلْ تَحْتَ السِّتْرِ مَا يُرْضِيكَ.

اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاحْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا، وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلِنَا، وَمِنْ فَوْقِنَا وَمِنْ تَحْتِنَا.

نَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا.

اللَّهُمَّ خُذْ بِأَيْدِينَا إِلَيْكَ، وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِنَا عَلَيْكَ.

اللَّهُمَّ إِنَّا قُسَاةٌ فَلَيِّنَّا، قُسَاةٌ فَلَيِّنَّا.

اللَّهُمَّ لَيِّنْ قُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ، اللَّهُمَّ أَطْلِقْ أَلْسِنَتَنَا بِكِتَابِكَ.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا بِهُدَاكَ.

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ارْحَمْنَا.

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ارْحَمْنَا.

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ارْحَمْنَا.

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ارْحَمْنَا.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى.

اللَّهُمَّ تَجَاوَزْ عَمَّا مَضَى، وَوَفِّقْنَا فِيمَا هُوَ آتٍ، وَفَّقْنَا فِيمَا هُوَ آتٍ.

اللَّهُمَّ احْمِلْنَا إِلَى بَلَدِ نَبِيِّكَ، احْمِلْنَا إِلَى بَلَدِ نَبِيِّكَ، احْمِلْنَا إِلَى بَلَدِ نَبِيِّكَ، وَارْزُقْنَا فِيهَا شَهَادَةً، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْوَفَاةَ فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ دَفْنَنَا فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ، وَفِي جِوَارِ مُصْطَفَاكَ، وَشَفِّعْهُ فِينَا أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَاهْدِ آبَاءَنَا، اهْدِنَا وَاهْدِ أُمَّهَاتِنَا، ارْحَمْنَا وَارْحَمْ آبَاءَنَا، اِرْحَمْنَا وَارْحَمْ أُمَّهَاتِنَا، اهْدِنَا وَاهْدِ نِسَاءَنَا، اهْدِنَا وَاهْدِ أَبْنَاءَنَا، اهْدِنَا وَاهْدِ بَنَاتِنَا، اهْدِنَا وَاهْدِ إِخْوَانَنَا، اهْدِنَا وَاهْدِ أَخَوَاتِنَا.

تُبْ عَلَيْنَا وَعَلَى سَائِرِ الْعُصَاةِ وَالْمُذْنِبِينَ.

اللَّهُمَّ خُذْ بِنَوَاصِينَا إِلَيْكَ، وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِنَا عَلَيْكَ، وَهَيِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، هَيِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، َيِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.

قَدِ انْطَرَحْنَا عَلَى عَتَبَاتِ رَحْمَتِكَ وَقَدْ قَصَدْنَا بَابَكَ، فَلَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، لَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، لَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ.

أَجِبْ دُعَاءَنَا يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ، افْتَحْ لِدُعَائِنَا أَبْوَابَ السَّمَاوَاتِ، افْتَحْ لِدُعَائِنَا أَبْوَابَ السَّمَاوَاتِ.

اللهم أَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، أَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا.

اللَّهُمَّ تَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِنَا، وَآتِ مُحْسِنَنَا سُؤْلَهُ، وَهَبِ الْمُسِيئِينَ لِلْمُحْسِنِينَ، وَآتِ مُحْسِنَنَا سُؤْلَهُ، وَبَارِكْ لَنَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، بَارِكْ لَنَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِإِخْوَانِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ.

اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ مِنْ دَنَسِهِمُ الْمَسْجِدَ السَّلِيبَ.

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ حُكَّامًا وَمَحْكُومِينَ، وَاجْمَعْهُمْ جَمِيعًا عَلَى طَاعَتِكَ، وَهَيِّءْ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ رَشَدًا.

اللُّهُمَّ ارْزُقْنَا الْعِزَّةَ بِالْإِسْلَامِ، ارْزُقْنَا الْعِزَّةَ بِالْإِسْلَامِ، وَأَغْنِنَا بِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ، وَلَا تُفْقِرْنَا بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْكَ.

اللهم أَغْنِنَا بِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ، وَلَا تُفْقِرْنَا بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْكَ، وَهَيِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ.

المصدر: اللهَ اللهَ فِي دِينِ اللهِ!

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان