((أَيَّامُ اللهِ فِي رَمَضَانَ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((رَمَضَانُ شَهْرُ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ))
فَإِنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي تُعْمَلُ فِي رَمَضَانَ مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ كَثِيرَةٌ:
أَوَّلُهَا: الصِّيَامُ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)).
لِمَاذَا كَانَ الصَّوْمُ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِنَ الرِّفْعَةِ؟
فِي شَرْحِ هَذَا مِنْ قَوْلِ رَبِّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا ﷺ لِلْعُلَمَاءِ مَسَالِكُ.
يَقُولُونَ: إِنَّ الصِّيَامَ مِنْ دُونِ الْعِبَادَاتِ لَا يَلْحَقُهُ الرِّيَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَرْكٍ بِنِيَّةٍ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ وَلَا يَلْحَقُهُ بِحَالٍ.
وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- لَمْ يُتَعَبَّدْ.. لَمْ يُتَعَبَّدْ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِمِثْلِ الصِّيَامِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِلهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ إِذْ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، فَكَمَا أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ صِفَاتِهِ أَنَّهُ يُطْعِمُ خَلْقَهُ وَلَا يُطْعَمُ؛ إِذْ هُوَ الصَّمَدُ -وَالصَّمَدُ فِي قَوْلٍ: هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ إِذْ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَمِنْ مَعَانِي الْقَيُّومِ أَنَّهُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، لَا يَحْتَاجُ غَيْرَهُ وَلَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، قَائِمٌ بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ-؛ فَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ صِفَاتِ رَبِّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-، وَكَانَ الصَّائِمُ مُتَعَبِّدًا لِلهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِتَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ أَحَدًا تَعَبَّدَ لِمَعْبُودٍ مِنَ الْمَعْبُودَاتِ بِالصِّيَامِ..
وَفِي هَذَا مُرَاجَعَةٌ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ يَقُولُونَ: إِنَّ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ وَالْكَوَاكِبَ وَالْهَيَاكِلَ.. يَعْبُدُونَهَا بِالصِّيَامِ -أَحْيَانًا-، فَيَتَقَرَّبُونَ إِلَى مَعْبُودَاتِهِمْ تِلْكَ بِكَفِّهِمْ عَنْ بَعْضِ الْأُمُورِ صِيَامًا، وَعَلَيْهِ.. فَلَا يُسَلَّمُ هَذَا الَّذِي مَرَّ.
وَهَذَا الصِّيَامُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- اخْتُصَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ ((إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي))، فَجَاءَتِ الْإِضَافَةُ هَاهُنَا إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَمَا أَشْرَفَهُ! كَمَا يَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: 26]؛ فَيَجْعَلُ الْبَيْتَ مُضَافًا إِلَيْهِ -هَكَذَا- عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ، وَرَفْعِ الْقَدْرِ وَالْمَكَانَةِ وَالْمَنْزِلَةِ.
وَفِي ((صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: أَنْشَأَ الرَّسُولُ ﷺ جَيْشًا، فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ لِي بِالشَّهَادَةِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ)).
قَالَ: فَسَلِمْنَا وَغَنِمْنَا.
وَتَرَدَّدْتُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ))، فَنَسْلَمُ وَنَغْنَمُ.
فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! جِئْتُكَ ثَلَاثًا تَتْرًا -أَيْ: مُتَتَابِعَاتٍ- أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْأَلَ اللهَ لِيَ الشَّهَادَةَ، فَكُنْتَ تَقُولُ: ((اللَّهُمَّ سَلِّمْهُمْ وَغَنِّمْهُمْ))، فَكُنَّا نَسْلَمُ وَنَغْنَمُ، وَإِذَنْ؛ فَدُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ.
قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ)).
لَمْ يَكُنْ أَبُو أُمَامَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يُرَى فِي بَيْتِهِ بِالنَّهَارِ دُخَانٌ؛ مِنْ أَخْذِهِمْ -هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ- بِالصِّيَامِ، فَإِذَا رُئِيَ الدُّخَانُ بِبَيْتِ أَبِي أُمَامَةَ بِالنَّهَارِ عُلِمَ أَنَّ ضَيْفًا اعْتَرَاهُمْ وَنَزَلَ بِهِمْ، فَهُمْ عَلَى إِكْرَامِهِ قَائِمُونَ، وَهُمْ مِنْ أَجْلِ إِكْرَامِهِ مُتْعَبُونَ، فَهُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ يُكْرِمُونَ الضَّيْفَ، وَهُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ-.
لَمَّا ذَهَبَ أَبُو أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَطْلُبُ الْبَدِيلَ -بَدِيلَ الشَّهَادَةِ الَّتِي تُدْخِلُ الْجَنَّةَ، وَالدَّمُ الَّذِي قَدْ أُرِيقَ قَبْلُ رَائِحَتُهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَلَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ الزَّكِيِّ- فَذَهَبَ يَبْحَثُ عَنِ الْبَدِيلِ؛ إِذْ لَمْ يُمَكِّنْهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ بِقَدَرِ اللهِ مِنْ دَعْوَةٍ بِالشَّهَادَةِ مَقْبُولَةٍ، فَلَمَّا أَعْيَاهُ وَضَاقَتْ بِهِ الْحِيَلُ، وَسُدَّتْ عَلَيْهِ السُّبُلُ؛ ذَهَبَ إِلَيْهِ يَطْلُبُ بَدِيلًا، وَإِذَنْ؛ فَدُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ.
قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ)).
وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ)).
يَقُولُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مُرْنِي بِعَمَلٍ.
فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ)).
لِمَاذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؟
لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمَّا تَعَبَّدَنَا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ بِالصِّيَامِ جَعَلَهُ مَبْنِيًّا عَلَى إِمْسَاكٍ بِنِيَّةٍ، وَأَمْرُ النِّيَّةِ وَشَأْنُهَا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ -وَفِي الصِّيَامِ خَاصَّةً-؛ إِذْ يَمْتَنِعُ الْمَرْءُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ فِي الزَّمَنِ الْمَخْصُوصِ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، مَا أَيْسَرَ أَنْ يَخْلُوَ الْمَرْءُ بِنَفْسِهِ بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الْخَلْقِ ثُمَّ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ طَعَامًا وَشَرَابًا، وَأَحْيَانًا شَهْوَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مُطَّلِعٌ إِلَّا اللهُ.
بَلْ إِنَّ الْعُلَمَاءَ جَعَلُوا الْأَمْرَ أَعْمَقَ مِنْ ذَلِكَ وَأَدَقَّ؛ فَإِنَّهُمْ يَبْحَثُونَ فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ: لَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ تَوَجَّهَتْ نِيَّتُهُ إِلَى الْفَسْخِ؛ عَزَمَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ عَلَى الصِّيَامِ مُمْسِكًا فَأَتَى بِالرُّكْنَيْنِ -وَصِيَامُهُ صَحِيحٌ مَا يَزَالُ-، ثُمَّ نَوَى الْفِطْرَ وَلَمْ يَفْعَلْ، نَوَى الْفِطْرَ وَلَمْ يَأْكُلْ، نَوَى الْفِطْرَ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَإِنَّمَا عَزَمَ عَلَى أَنْ يُفْطِرَ وَلَمْ يُفْطِرْ، لَمْ يَتَنَاوَلْ مُفْطِّرًا، وَلَمْ يَأْخُذْ بِمُفَطِّرٍ، وَإِنَّمَا فَسَخَ النِّيَّةَ؛ فَلَيْسَ بِصَائِمٍ، وَقَدِ انْتُقِضَ صِيَامُهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الْيَوْمَ وَلَا يُفْطِرُ بَعْدَمَا أَفْطَرَ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بَعْدَ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِغَيْرٍ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ إِلَى الْغُرُوبِ.
وَإِذَنْ؛ فَهَذَا الَّذِي تَوَجَّهَتْ نِيَّتُهُ بِالْعَزْمِ لِلْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ إِتْيَانٍ بِمُفَطِّرٍ قَدْ أَفْطَرَ.
مِثْلُ هَذَا مَنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ خَلَا اللهِ؟!!
وَمَنِ الَّذِي يَعْلَمُ ذَلِكَ سِوَى اللهِ؟!!
فَالرِّعَايَةُ هَاهُنَا تَكُونُ عَلَى أَتَمِّ مَا يَكُونُ، وَأَمَّا إِذَا مَا تَرَدَّدَ فِي النِّيَّةِ فَنَوَى الْفِطْرَ مُتَرَدِّدًا غَيْرَ جَازِمٍ؛ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ جَانَبَ الْعَزْمَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَنْطَوِيَ عَلَيْهِ النِّيَّةُ وَأَنْ تَشْتَمِلَ عَلَيْهِ.
وَآخَرُونَ -وَهُوَ الْأَرْجَحُ- فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ مَا زَالَ عَلَى أَصْلِ الْعَزْمِ -وَإِنْ تَرَدَّدَ-، فَصِيَامُهُ صَحِيحٌ.
الْمُهِمُّ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ أُمُورِ الْعِبَادَاتِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ فِي أَمْرِ مُرَاقَبَةِ النِّيَّاتِ بِمَا لَا يَكُونُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِهِ، وَهَذَا يُفْضِي بِنَا مِنْ أَوْسَعِ الْأَبْوَابِ إِلَى مَقَامِ الْإِحْسَانِ الَّذِي وَصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ لِجِبْرِيلَ، فَقَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ))؛ مُشَاهَدَةً، ((فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))؛ مُرَاقَبَةً.
فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَقَامِ الْأَسْنَى، وَفِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا؛ إِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَكُونَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ مِنْ مَقَامَيِ الْإِحْسَانِ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ مِنْهُ؛ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ وَاعِيًا، وَأَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ حَصِيفًا وَعَاقِلًا، وَأَنْ يَكُونَ أَمْرُ النِّيَّةِ مِنْهُ عَلَى ذُكْرٍ وَعَلَى بَالٍ، وَلَا غَرْوَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَنَا -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ ﷺ-: ((مَنْ لَمْ يُجْمِعِ النِّيَّةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ)).
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى -وَهِيَ صَحِيحَةٌ بِالَّتِي مَرَّتْ-: ((مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ النِّيَّةَ بِاللَّيْلِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ)) .
وَالنِّيَّةُ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ، وَسِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، فَيُجْمِعُ النِّيَّةَ، وَلَفْظُ ((يُجْمِعُ)) هَاهُنَا دَالٌّ بِذَاتِهِ، مُنِيرٌ بِأَضْوَائِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ كَانَ مِنْ بَعْدِ تَفَرُّقٍ، وَكَانَ مِنْ بَعْدِ شَتَاتٍ، ((مَنْ لَمْ يُجْمِعِ النِّيَّةَ -نِيَّةَ الصِّيَامِ- قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ))، ((مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ النِّيَّةَ بِاللَّيْلِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ)).
وَتَلْحَظُ أَنَّ هَذَا فِيهِ مِنَ الْفَوَارِقِ مَا فِيهِ، فَلَيْسَ هَذَا بِمُشْتَرَطٍ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ فِي الصِّيَامِ النَّفْلِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَا فَرْضٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ.
فَهَذَا الْإِجْمَاعُ وَهَذَا الْجَمْعُ وَهَذَا اللَّمُّ لِهَذِهِ النِّيَّةِ الْمُشَعَّثَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ فِي ضَبَابِيَّتِهَا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَخْلُصَ مُنِيرَةً قَائِمَةً مُتَلَأْلِئَةً فِي قَلْبِ الْعَبْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ؛ هَذَا الْجَمْعُ وَهَذَا التَّبْيِيتُ لِلنِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ مِنَ اللَّيْلِ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي صِيَامِ الْفَرْضِ.
وَأَمَّا صِيَامُ النَّفْلِ: فَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ عَلَيَّ فَيَقُولُ: ((هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ وَإِلَّا فَإِنِّي صَائِمٌ))، فَكَانَ يُنْشِئُ النِّيَّةَ بِالنَّهَارِ ﷺ.
بَلْ شَيْءٌ أَعْمَقُ وَأَدَقُّ، يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: ((إِنَّ الصَّائِمَ الْمُتَطَوِّعَ أَمِيرُ نَفْسِهِ)) .
الصَّائِمُ صَوْمَ الْفَرْضِ فِي رَمَضَانَ إِنْ تَوَجَّهَتْ نِيَّتُهُ إِلَى الْفَسْخِ انْفَسَخَ، وَإِنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ؛ فَسْخٍ وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْوِي صِيَامَ التَّطَوُّعِ صِيَامَ النَّفْلِ؛ فَإِنْ نَوَى نِيَّةَ الْفَسْخِ وَلَمْ يَأْتِ بِمُفْطِّرٍ ثُمَّ أَنْشَأَ النِّيَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصَّوْمِ فَصِيَامُهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَنْشَأَ النِّيَّةَ قَبْلَ الزَّوَالِ عِنْدَمَا مَتَعَ النَّهَارُ وَلَمْ يُبَيِّتْ نِيَّةً بِلَيْلٍ، وَإِنَّمَا أَنْشَأَ النِّيَّةَ مَعَ النَّهَارِ ثُمَّ فَسَخَ وَلَمْ يَأْتِ بِمُفَطِّرٍ ثُمَّ أَنْشَأَ النِّيَّةَ مَرَّةً أُخْرَى، فَصِيَامُهُ صَحِيحٌ.
غَايَةَ مَا هُنَالِكُ أَنَّهُ لَا يُثَابُ إِلَّا عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي صَامَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ فَسْخِ النِّيَّةِ فَيُنْسَخُ مَا مَرَّ مِنْ صِيَامِهِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ أَجْرٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا مَا أَنْشَأَ النِّيَّةَ بَعْدُ، فَإِنَّهُ يَتَحَصَّلُ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ مَا كَانَ عَنْهُ مُمْسِكًا بَعْدَ النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَلَتْ.
فِي هَذَا الصِّيَامِ مَا فِيهِ، وَهَذَا مِنْ أَجْلَى مَجَالِيهِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- غَيْبٌ لَا تَرَاهُ الْأَعْيُنُ، اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنْ نَرَاهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- إِلَّا فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، فَاللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِلَذَّةِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ فِي الْجَنَّةِ، إِنَّكَ أَنْتَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.
اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ غَيْبٌ لَا تَرَاهُ الْأَعْيُنُ، وَيَأْتِي الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَأْتِي النَّهْيُ مِنْ نَهْيِهِ، وَاللهُ مُطَّلِعٌ عَلَى حَنَايَا الْقُلُوبِ وَثَنايَا الصُّدُورِ وَتَضَاعِيفِ الْأَرْوَاحِ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19].
يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي ((خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ)): ((إِنَّهُ الرَّجُلُ يَدْخُلُ الْبَيْتَ فَيَمْتَدُّ نَظَرُهُ فَاجِرًا إِلَى مَا هُنَالِكَ مِنَ الْحَرِيمِ، فَإِذَا نُظِرَ إِلَيْهِ أَغْضَى)) .
فَتِلْكَ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللهُ، كَأَنَّهَا النَّظْرَةُ الْبَرِيئَةُ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِهَا غَبَشٌ وَلَا يَلُفُّهَا مِنَ اللَّذَّةِ ضَبَابٌ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاتِعَةٌ فِي هَذَا السَّوَادِ، بَلْ قُلْ: رَاتِعَةٌ فِي هَذَا الْهِبَابِ -وَهُوَ فَصِيحٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ-.
وَإِذَنْ؛ فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِنَّمَا يُرِيدُ مِنَّا نِيَّاتِنَا، وَيُرِيدُ مِنَّا قُلُوبَنَا، وَيُرِيدُ مِنَّا أَرْوَاحَنَا، اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُرِيدُ أَرْوَاحًا لَا أَشْبَاحًا، يُرِيدُ قُلُوبًا لَا قَوَالِبَ، وَلَوْ أَرَادَ قَوَالِبَ مَصْبُوبَةً لَنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ، وَلَكِنْ.. إِنَّمَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِبَادَةُ مِحْضَنًا يُطَرَّقُ فِيهِ مَا يُطَرَّقُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى مُقْتَضَى النِّيَّةِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ الطَّاهِرَةِ.
فَإِذَا مَا اسْتَقَامَتِ النِّيَّةُ شَهْرًا كَامِلًا بِهَذِهِ الرِّقَابَةِ الْوَاعِيَةِ، فَهَذَا زَادُ مَا يَأْتِي مِنْ مُسْتَقْبَلِ الشُّهُورِ فِي الْعَامِ، وَأَكْرِمْ بِهِ مِنْ زَادٍ!!
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَرْءُ غَيْرَ وَاعٍ لِهَذَا الْأَمْرِ فِي دِينِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا!!
يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْمُسْلِمُ عَلَى كَثْرَةِ الْعِبَادَاتِ؛ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِ مَعَانِيهِ، وَصَلَاةِ الْقِيَامِ؛ فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) : ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ؛ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ كَثُرَ الْجَمْعُ، وَفِي الثَّالِثَةِ كَثُرُوا جِدًّا، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ فِي الرَّابِعَةِ وَقَدِ امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ حَتَّى فَاضَ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: ((أَمَا إِنِّي لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا)).
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ فِي عَهْدِ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدَ النَّاسَ أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ.. يُصَلِّي الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ بِالرَّجُلَيْنِ، فِي قِيَامِ رَمَضَانَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَالَ: ((أَمَا إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ لَكَانَ حَسَنًا)) .
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّهُ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ)) .
وَمِنْ أَعْمَالِ هَذَا الشَّهْرِ: الِاجْتِهَادُ فِي قِرَاءَةِ القُرْآنِ، كَانَ جِبْرِيلُ يُدَارِسُ النَّبِيَّ ﷺ القُرْآنَ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ السَّلَفُ يَتَوَفَّرُونَ عَلَى كِتَابِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ فِي رَمَضَانَ.
وَمِنَ السُّنَنِ الْعَظِيمَةِ فِي رَمَضَانَ: سُنَّةُ الِاعْتِكَافِ: مِمَّا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: الِاعْتِكَافُ؛ فَـ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ؛ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
* وَكَذَلِكَ: العُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ؛ قَالَ فِيهَا الرَّسُولُ ﷺ: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ مَعِي».
العُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ فِي الْأَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ العَدْنَانِ ﷺ.
يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْإِكْثَارُ مِنَ الطَّاعَاتِ وَمِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالِالْتِزَامَ بِمَا أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ يَفْعَلُهُ؛ كَتَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَقَالَ ﷺ: ((لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
وَقَالَ ﷺ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَمِنْ سُنَنِ الصِّيَامِ: كَوْنُ الْفِطْرِ عَلَى رُطَبٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ مَاءٍ، وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ بِحَسَبِ الْأَفْضَلِيَّةِ؛ لِقَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتَمْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .
وَمِنْ سُنَنِ الصَّوْمِ: الدُّعَاءُ أَثْنَاءَ الصِّيَامِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْإِفْطَارِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ((ثَلَاثُ دَعْوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ)). أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشُّعَبِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
وَلِقَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ)).
فَهَذِهِ بَعْضُ سُنَنِ الصِّيَامِ.
كَمَا يَنْبَغِي عَدَمُ الْإِسْرَافِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
يَا بَنِي آدَمَ! كُلُوا وَاشْرَبُوا مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ، لَا تُسْرِفُوا بِتَجَاوُزِ الْحَدِّ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَى مَا يُؤْذِي أَوْ يَضُرُّ؛ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ أَسْرَفَ فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْرَافَ يُوصِلُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَضَارِّ وَالْمَهَالِكِ، أَوِ الظُّلْمِ وَالتَّحْرِيفِ ِفي الدِّينِ.
وَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَجَنَّبَ الشِّبَعَ الْمُفْرَطَ؛ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: ((مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ, بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ, فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ, وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ, وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ)) .
الْمُسْلِمُ يَنْظُرُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِاعْتِبَارِهِمَا وَسِيلَةً إِلَى غَيْرِهِمَا, لَا غَايَةً مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا, فَهُوَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ أَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى سَلَامَةِ بَدَنِهِ الَّذِي بِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ الْعِبَادَةَ الَّتِي تُؤَهِّلُهُ لِكَرَامَةِ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَسَعَادَتِهَا.
فَلَيْسَ الْمُسْلِمُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ لِذَاتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَشَهْوَتِهِمَا؛ فَلِذَا هُوَ لَوْ لَمْ يَجُعْ لَمْ يَأْكُلْ, وَلَوْ لَمْ يَعْطَشْ لَمْ يَشْرَبْ.
((حَقِيقَةُ الصِّيَامِ))
إِنَّ الصِّيَامَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الصِّيَامُ عَنْ سَائِرِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ وَالْآثَامِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ؛ فَلَا يَرْفُثْ -وَالرَّفَثُ: هُوَ ذِكْرُ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ عِنْدَ النِّسَاءِ خَاصَّةً- فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ؛ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» .
وَقَالَ ﷺ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» .
النَّبِيُّ ﷺ يَجْعَلُ لَنَا هَذَا الْأَمْرَ قَائِمًا عَلَى نَحْوٍ بَدِيعٍ جِدًّا، يَقُولُ: ((لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ...))، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ إِذَنْ؟!!
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((...إِنَّمَا الصِّيَامُ -وَهَذَا عَجَبٌ فِي عَجَبٍ- مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ)) ، لِمَ كَانَ عَجَبًا فِي عَجَبٍ؟!!
لِأَنَّ ((إِنَّمَا)) أَدَاةُ حَصْرٍ، وَكَأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الِامْتِنَاعِ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ؛ إِذْ هُمَا لَيْسَا بِمَقْصُودَيْنِ فِي ذَاتِهِمَا، وَإِنَّمَا هُمَا وَسِيلَتَانِ مِنْ أَجْلِ تَحْصِيلِ مَا وَرَاءَهُمَا، فَإِذَا تَوَقَّفَ الْمَرْءُ عِنْدَهُمَا، وَإِذَا لَمْ يَتَعَدَّ الْمَرْءُ حُدُودَهُمَا مُتَأَمِّلًا نَاظِرًا فَاحِصًا فِي الْحِكْمَةِ الَّتِي جَلَّاهَا لَهُ نَبِيُّهُ ﷺ؛ فَمَا اسْتَفَادَ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ شَيْئًا.
يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوُ وَالرَّفَثِ)).
حَقِيقَةُ الصِّيَامِ وَكَمَالُ الصِّيَامِ فِي الِامْتِنَاعِ وَالْكَفِّ عَنِ اللَّغْوُ وَالرَّفَثِ، عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يُجْدِي، وَعَنِ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يُفِيدُ، وَعَنِ الْكَلَامِ الَّذِي لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ؛ فَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ؛ لِأَنَّ اللَّغْوَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ هَاهُنَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُضِيُّ الْوَقْتِ عَلَى حَسَبِ الْمُبَاحِ يَتَأَتَّى بِخِزَانَةٍ فَارِغَةٍ يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى، وَعِنْدَئِدٍ يَكُونُ تِرَةً كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ.
وَأَمَّا الرَّفَثُ فَهُوَ كُلُّ نُطْقٍ بِقَبِيحٍ، وَكُلُّ قَبِيحٍ مِنْ مَنْطُوقٍ فَهُوَ رَفَثٌ، فَإِذَا مَا اسْتَطَاعَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُلَجِّمَ لِسَانَهُ بِزِمَامِهِ بِزِمَامِ الشَّرْعِ فَصَارَ فِي يَدِهِ، يَقُودُهُ حَيْثَ يُرِيدُ وَيُصَرِّفُهُ كَيْفَمَا يَشَاءُ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْأَغَرِّ، فَقَدْ صَامَ حَقًّا، ثُمَّ هُوَ زَادٌ بَعْدُ؛ إِذْ يَتَدَرَّبُ الْمَرْءُ شَهْرًا كَامِلًا لِحِيَاطَةِ اللِّسَانِ مِنْ آفَاتِهِ، وَلِتَجْمِيدِ هَذَا اللِّسَانِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي زَلَّاتِهِ بِجَمِيعِ آفَاتِهَا؛ آفَاتِهَا الَّتِي رُبَّمَا أَدَّتْ -أَحْيَانًا- إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْمِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَدْخُلُ الدِّينَ بِكَلِمَةٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ بِكَلِمَةٍ.
يَدْخُلُ الدِّينَ بِكَلِمَةِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَيَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ؛ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66]؛ لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِالْكَلِمَةِ الَّتِي تُخْرِجُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ ذَهَبُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لِكَيْ يَعْتَذِرُوا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ، ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِسْلَامِكُمْ، قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِحْسَانِكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ لَمْ تُبَالُوا مَا يَخْرُجُ مِنْ أَلْسِنَتِكُمْ، وَلَا مَا يَنْبَثِقُ حَمْأَةً مَسْنُونَةً مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، وَلَكِنَّ الصَّوْمَ يُقِيمُ الْمَرْءَ عَلَى الْجَادَّةِ، وَيَجْعَلُهُ سَائِرًا عَلَى مِثْلِ الْحَبْلِ الْمَنْصُوبِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ وَاعِيًا فِي أَقَلَّ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ يَكُونُ مُنْسَكِبًا مُنْدَلِقًا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فِي الْهَاوِيَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا بَوَاكِيَ عَلَيْهِ!!
إِذَنِ؛ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَسِّسُ لَبِنَةً مِنْ بَعْدِ لَبِنَةٍ عِنْدَمَا يُشِيرُ لَنَا رَبُّنَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ هَذَا الصِّيَامَ مَخْصُوصٌ بِهِ -جَلَّ وَعَلَا-، حَتَّى فِي عَطَائِهِ، وَحَتَّى فِي تَكْفِيرِ مَا يُلِمُّ بِهِ الْمَرْءُ مِنْ ذُنُوبٍ وَآثَامٍ تَصِيرُ عَلَيْهِ حُقُوقًا، وَلَا بُدَّ مِنْ خَلَاصِ ذَلِكَ فِي الْمَوْقِفِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ جَمِيعِ حَسَنَاتِهِ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَفَّارَةً لِشَيْءٍ، ثُمَّ يَجْزِي بِهِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الصَّائِمِينَ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ.
النَّبِيُّ ﷺ يُؤَسِّسُ لَنَا عَلَى هَذَا التَّفَرُّدِ وَالِاخْتِصَاصِ لِلْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ -عِبَادَةِ الصَّوْمِ- فَيُوَضِّحُ لَنَا ﷺ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ إِلَّا إِخْرَاجَ نَفْسٍ مِنْ دَاعِيَةِ هَوَاهَا؛ إِخْرَاجُ النَّفْسِ مِنْ دَاعِيَةِ الْهَوَى، وَمُجَانَبَةُ الطَّبْعِ الَّذِي يَسْتَرْسِلُ مَعَهُ الْمَرْءُ كَيْفَمَا سَارَ يَسِيرُ خَلْفَهُ يَقُودُهُ، وَلَنْ يَقُودَهُ طَبْعُهُ إِلَّا إِلَى النَّارِ وَبِئْسَ الْقَرَارُ!
إِذَنْ؛ يَأْتِي الصَّوْمُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُخْرِجَ الْإِنْسَانَ مِنْ دَاعِيَةِ طَبْعِهِ، وَلِيُقَوِّمَ مَا اعْوَجَّ هُنَالِكَ مِنْ سُلُوكِهِ، وَلِكَيْ يُقِيمَ قَدَمَهُ مُرَاقِبًا لِذَاتِهِ وَنَفْسِهِ، مُطَّلِعًا عَلَى ضَمِيرِهِ وَفَحْوَى قَلْبِهِ.
يَأْتِي الصِّيَامُ بِهَذَا الْوَصْفِ كُلِّهِ، وَيَأْتِي النَّبِيُّ ﷺ بِاللَّبِنَاتِ لَبِنَةً مِنْ بَعْدِ لَبِنَةٍ، يُؤَسِّسُ لَنَا ﷺ بُنْيَانًا فِي فِقْهِ الْأَرْوَاحِ وَفِي تَقْوَى الْقُلُوبِ، سَامِقًا عَالِيَ الْجَنَبَاتِ، إِذَا مَا أَرَادَ الْمَرْءُ أَنْ يَنْظُرَ أَعْلَى سَنَامِهِ مَا اسْتَطَاعَ يَوْمًا؛ لِأَنَّهُ هُنَالِكَ عِنْدَ سَاقَةِ الْعَرْشِ، سَاجِدٌ فِي الْقَلْبِ، وَالْمَرْءُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- يَسْجُدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَدْ لَا يَسْجُدُ قَلْبُهُ، قِيلَ: أَوَلِلْقَلْبِ سَجْدَةٌ؟!!
قَالَ: نَعَمْ، سَجْدَةُ الْقَلْبِ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ لَا يَرْفَعُ مِنْهَا إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَإِذَا سَجَدَ الْقَلْبُ لِلهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَانْسَجَمَ مَعَ الْكَوْنِ الْعَابِدِ فِي عِبَادَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ نَشَازًا، وَلَمْ يَكُنْ خُرُوجًا عَنْ كَوْنٍ عَابِدٍ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذَا الْإِنْسَانُ يَظْلِمُ وَيَجْهَلُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، يَوْمَ تَحَمَّلَ الْأَمَانَةَ إِنَّمَا تَحَمَّلَهَا بِظُلْمِهِ وَجَهْلِهِ، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]، لَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ كَانَ ظَالِمًا جَاهِلًا، وَإِنَّمَا أَتَى بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ مِنِ اسْمِ الْفَاعِلِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
فَبِهَذَا الظُّلْمِ وَهَذَا الْجَهْلِ لَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ، وَلَا يَسْتَنْقِذُ مِنَ النَّارِ رُوحَهُ، وَإِنَّمَا يُوَرِّطُ نَفْسَهُ فِي الْمَزَالِقِ وَلَا يَلْتَفِتُ، يَسِيرُ وَلَا يَتَوَقَّفُ، وَالْمَرْءُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ وَلَوْ حِينًا؛ لِأَنَّ فِي الصِّيَامِ -فِي الصِّيَامِ خَاصَّةً- مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي الْعَظِيمَةِ، حَتَّى إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ -أَيْ يَتْرُكَ- طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)) .
وَانْظُرْ إِلَى أَقْوَامٍ تَمُرُّ عَلَيْهِمْ سَحَابَةُ النَّهَارِ، بَلْ يَمُرُّ عَلَيْهِمُ النَّهَارُ بِطُولِهِ، بَلْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ مُنْذُ إِمْسَاكِهِمْ إِلَى حِينِ إِفْطَارِهِمْ، وَمَا هُمْ بِمُمْسِكِينَ، وَلَا هُمْ بِمُفْطِرِينَ فِطْرًا شَرْعِيًّا صَحِيحًا، تَمُرُّ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْفَتْرَةُ مِنْ فَتَرَاتِ الصِّيَامِ وَهُمْ وَالِغُونَ فِي أَعْرَاضِ الْخَلْقِ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً فِي الظَّهْرِ، مَعَ تَسْمِيَتِهِ بِفَاسِقٍ، وَرَدِّ شَهَادَتِهِ فَلَا تُقْبَلُ أَبَدًا.
يَلَغُونَ فِي الْأَعْرَاضِ، وَلَا يُرَاقِبُونَ فِي مُؤْمِنٍ وَلَا يَرْقُبُونَ فِيهِ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً!!
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِيهِ مَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ عَلَى قَلْبِ الْعَبْدِ وَعَلَى دِينِهِ، وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الَّتِي لَا تُغْفَرُ، وَهُوَ حَقٌّ لِلهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، مُعَلَّقٌ بِهِ حَدٌّ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْجَلْدِ فِي الظَّهْرِ مَعَ التَّجْرِيسِ؛ لِكَيْ يَشْهَدَ هَذَا الْأَمْرَ بِالْعَذَابِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ مَنْ هُنَالِكَ لِيَتَّعِظَ.
وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ مِنَ الْمَذْهَبِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى مِصْرَ -حَفِظَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ- كَانَ الشَّافِعِيُّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إِلَى مِصْرَ يَمْضِي فِي فِقْهِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي عِرْضِ نِسَاءِ بَلْدَةٍ أَوْ رِجَالِهَا، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ بِعَدَدِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ يَعْنِي لَوْ أَنَّهُ رَمَى أَهْلَ بَلَدٍ بِفِسْقٍ فَاسْتَوْجَبَ حَدًّا بِشُرُوطِهِ، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ بِعَدَدِ مَنْ هُنَالِكَ وَكَانَ قَاطِنًا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ سَاكِنًا.
وَانْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَيَظَلُّ الدَّهْرَ كُلَّهُ إِلَى أَنْ يُفْضِيَ بِرُوحِهِ إِلَى رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا- فَيُعِيدُهَا الْمَلَائِكَةُ إِلَى أَسْفَلَ سَافِلِينَ، ثُمَّ تَكُونُ فِي سِجِّينَ.. انْظُرْ إِلَى هَذَا الْوَالِغِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَعْرَاضِ بَلَدٍ جَمِيعِهَا، ثُمَّ إِنَّهُ يَسْتَوْجِبُ حُدُودًا بِعَدَدِهَا، لَوْ طُبِّقَتْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سَيُمْضِي عُمُرَهُ كُلَّهُ -وَلَنْ يَكْفِيَ- فِي تَعَرُّضٍ لِلْجَلْدِ كُلَّ حِينٍ عِنْدَمَا يَبْرَأُ أَدِيمُ جِلْدِهِ مِنْ ضَرْبٍ سَابِقٍ، ثُمَّ يُؤْتَى بِهِ لِكَيْ يُنَفَّذَ فِيهِ حَدٌّ لَاحِقٌ، وَهَكَذَا حَتَّى يَمْضِيَ إِلَى رَبِّهِ -وَلَنْ يُوَفِّيَ-.
وَالْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي هَذَا اللِّسَانِ الَّذِي إِذَا مَا انْطَلَقَ كَانَ وَحْشًا كَاسِرًا لَا يُرَدُّ، ثُمَّ إِنَّهُ يَعُودُ أَوَّلَ مَا يَعُودُ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يُوَرِّطَهُ بِالْمَهَالِكِ، وَحَتَّى يَقْتَحِمَ بِهِ نَارَ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ!!
هَذَا اللِّسَانُ إِنَّمَا يُضْبَطُ ضَبْطًا صَحِيحًا فِي هَذَا الْمِحْضَنِ، فِي هَذَا الشَّهْرِ؛ رِقَابَةً لَهُ، وَرِقَابَةً عَلَيْهِ؛ مِنْ أَجْلِ اسْتِقَامَتِهِ عَلَى أَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
مَا الصَّوْمُ إِلَّا تَغْيِيرٌ لِلنَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَإِخْرَاجٌ لَهَا عَمَّا اعْتَادَتْهُ وَعَمَّا أَلِفَتْهُ، هُوَ إِخْرَاجٌ لَهَا بِتَغْيِيرٍ لِحَنَايَاهَا وَثَنَايَاهَا وَتَصَوُّرَاتِهَا وَعَادَاتِهَا وَفِكْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ هَذَا التَّغْيِيرُ فَكَبِّرْ عَلَى الصَّائِمِينَ أَرْبَعًا، فَلَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ!!
((دِينُ الْعَمَلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ))
عَلَيْنَا -عِبَادَ اللهِ- أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمُبَارَكَ هُوَ شَهْرُ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ وَالْعَمَلِ، فَلَا يَقِلُّ جُهْدُنَا وَعَمَلُنَا فِي رَمَضَانَ مُقَارَنَةً بِغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ تَحْتَ دَعَاوَى الْإِرْهَاقِ وَالتَّعَبِ، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَرْكَنُونَ إِلَى الْخُمُولِ وَالْكَسَلِ، وَيُكْثِرُونَ مِنَ النَّوْمِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، مِمَّا يَتَسَبَّبُ فِي تَعْطِيلِ مَصَالِحِ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِغَايَةِ الصِّيَامِ الَّتِي شُرِعَ مِنْ أَجْلِهَا؛ وَهِيَ التَّقْوَى؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
فَالتَّقْوَى لَا تَتَحَقَّقُ بِالْكَسَلِ وَالْخُمُولِ، وَإِنَّمَا بِمَزِيدٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالْعَمَلِ، وَالْإِخْلَاصِ وَمُرَاقَبَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- .
لَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى فَضْلِ الِاكْتِسَابِ؛ فَفِي الِاكْتِسَابِ وَالْعَمَلِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ:
* فِيهِ: مَعْنَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
* وَفِيهِ: طَلَبُ الْفَضْلِ مِنْهُ؛ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
* وَأَيْضًا، يُسْتَعَانُ بِالِاكْتِسَابِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267].
* وَبِالِاكْتِسَابِ يَتَعَفَّفُ الْإِنْسَانُ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .
* وَفِي الِاكْتِسَابِ: الِانْشِغَالُ عَنِ الْبَطَالَةِ وَاللَّهْوِ، قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ- : ((وَمِنْ فَضْلِ الْعَمَلِ بِالْيَدِ الشُّغُلُ بِالْأَمْرِ الْمُبَاحِ عَنِ الْبَطَالَةِ وَاللَّهْوِ، وَفِيهِ كَسْرُ النَّفْسِ بِذَلِكَ)).
* وَمِنْ فَضَائِلِ الِاكْتِسَابِ: أَنَّ فِي الْعَمَلِ قُوَّةً لِلْأُمَّةِ لِكَثْرَةِ إِنْتَاجِهَا، وَإِغْنَاءِ أَفْرَادِهَا؛ فَيَعُودُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ، وَالرِّعَايَةِ الصِّحَّيَّةِ، وَاسْتِغْنَائِهَا عَنْ أَعْدَائِهَا، وَالْمَهَابَةِ لَهَا فِي أَعْيُنِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ وَالْفَوَائِدِ الَّتِي تَعُودُ عَلَى الْأُمَّةِ.
* الْعَمَلُ سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ:
((إِنَّ الْعَمَلَ سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهُوَ سُنَّةُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-، فَالِاحْتِرَافُ وَالتَّكَسُّبُ قَامَ بِهِ خَيْرُ الْخَلْقِ وَهُمْ أَنْبِيَاءُ اللهِ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ-، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ أَصْحَابُ نَبِيِّنَا ﷺ وَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
وَقَدْ تَكَاثَرَتِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي بَيَانِ ذَلِكَ؛ قَالَ -تَعَالَى- عَنْ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: 80].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: 10].
وَعَنِ الْمِقْدَامِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)) - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)).
وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ -كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((أَنَّ نَبِيَّ اللهِ زَكَرِيَّا كَانَ نَجَّارًا)).
وَعَمِلَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَجِيرًا عَشْرَ سِنِينَ؛ كَمَا قَالَ اللهُ -تَعَالَى- حِكَايَةً عَنِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: 27-28].
وَقَدْ تَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَالِ خَدِيجَةَ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ سِيرَتِهِ ﷺ-، وَسُئِلَ ﷺ: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟
قَالَ: ((وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .
وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، فَكَانَ يَكُونُ لَهُمْ أَرْوَاحٌ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ)). هَذَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .
وَمَعْنَى ((أَرْوَاحٌ))؛ أَيْ: لَهُمْ رَوَائِحُ؛ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ وَعَرَقِهِمْ.
وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((قَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَؤُونَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ)). هَذَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) .
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ صَاحِبَ حِرْفَةٍ يَكْتَسِبُ مِنْهَا، فَلَمَّا وُلِّيَ الْخِلَافَةَ شُغِلَ عَنْ حِرْفَتِهِ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَفَرَضَ لَهُ حَاجَتَهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ وَآلُهُ.
وَقَوْلُهُ: ((وَأَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ))؛ أَيْ: أَنْظُرُ فِي أُمُورِهِمْ وَتَمْيِيزِ مَكَاسِبِهِمْ وَأَقْوَاتِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ -وَكَأَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ مَشْغُولًا-، فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى...)) الْحَدِيثَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ فِي سُنَّةِ الِاسْتِئْذَانِ، وَفِيهِ قَالَ عُمَرُ: ((أَخَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ!!))؛ يَتَعَجَّبُ مِنْ حَالِهِ.
ثُمَّ قَالَ: ((أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ))؛ يَعْنِي: الْخُرُوجَ إِلَى التِّجَارَةِ.
الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا.
فَعُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ إِنَّهُ كَانَ يُتَاجِرُ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْأَسْوَاقِ، فَلَمَّا فَاتَتْهُ هَذِهِ السُّنَّةُ مِنْ سُنَنِ الِاسْتِئْذَانِ صَارَ يَتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِ نَفْسِهِ، قَالَ: ((أَخَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ!! أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ)).
وَعَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ: ((سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ الصَّرْفِ)).
فَقَالَا: ((كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ نَسِيئًا فَلَا يَصْلُحُ). هَذَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .
وَ((الصَّرْفُ)): مُبَادَلَةُ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ، يُعْرَفُ الْآنَ بِبَيْعِ الْعُمْلَةِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَقُولُونَ: مَا بَالَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ...)).
قَالَ مُعَلِّلًا: ((وَإِنَّ إِخْوَانِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَانِي مِنَ الْأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: ((إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ))، فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ)).
هَذَا الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .
وَفِيهِ: أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلٌ فِي أَمْوَالِهِمْ، فِي زُرُوعِهِمْ وَفِي بَسَاتِينِهِمْ.
وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ.
قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ.. فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-...)).
وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: ((كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ.
فَقُلْتُ: لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ تُبْعَثُ.
قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ!!
فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 77-78])). هَذَا الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .
وَ((الْقَيْنُ)): الْحَدَّادُ؛ فَكَانَ يَعْمَلُ بِهَذِهِ الْحِرْفَةِ، وَكَانَ يَتَّخِذُ هَذَا الْعَمَلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((كَانَتْ زَيْنَبُ -تَعْنِي بِنْتَ جَحْشٍ، رَضِي اللهُ عَنْهَا وَعَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ- امْرَأَةً صَنَاعَ الْيَدِ؛ فَكَانَتْ تَدْبُغُ وَتَخْرُزُ وَتَتَصَدَّقُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ)) .
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عَمَلِهِمْ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُمْ-)).
عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ بِهِ إِلَى الْعَمَلِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى السَّعْيِ وَالتَّكَسُّبِ، فَهُوَ دِينٌ يُؤَكِّدُ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالْحَيَوِيَّةِ، وَيَذُمُّ الْكَسَلَ وَالْخُمُولَ وَالِاتِّكَالِيَّةَ؛ إِذْ لَا مَكَانَ فِيهِ لِلِاسْتِرْخَاءِ وَالْبَطَالَةِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْآخَرِينَ وَاسْتِجْدَائِهِمْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ.
فَالْإِسْلَامُ دِينُ عِبَادَةٍ وَعَمَلٍ، يَحُثُّ الْجَمِيعَ عَلَى الْإِنْتَاجِ وَالْإِبْدَاعِ، وَيَهِيبُ بِفِئَاتِ الْمُجْتَمَعِ كَافَّةً أَنْ تَنْهَضَ وَتَعْمَلَ بِإِتْقَانٍ، وَيَقُومَ كُلٌّ بِدَوْرِهِ الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ فِيهِ؛ لِنَفْعِ الْأُمَّةِ وَإِفَادَتِهَا.
وَلَمْ يُحَدِّدِ الْإِسْلَامُ الْعَمَلَ فِي شَهْرٍ دُونَ آخَرَ، بَلْ حَثَّ عَلَيْهِ فِي الشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ كُلِّهَا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ إِلَى الصِّيَامِ عَلَى أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِضَعْفِ قُوَى الْإِنْسَانِ وَخُمُولِ نَشَاطِهِ قَدْ أَخْطَؤُوا فِي تِلْكَ النَّظْرَةِ الْعَقِيمَةِ الَّتِي جَاءَتْ سَطْحِيَّةً دُونَ تَأَمُّلٍ وَلَا نَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ!
فَالصَّائِمُ حِينَ يَتْبَعُ الْمَنْهَجَ النَّبَوِيَّ فِي إِمْسَاكِهِ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ، وَتَنْظِيمِ غِذَائِهِ فَتْرَةَ الْإِفْطَارِ، وَيَبْتَعِدُ عَنِ الْإِفْرَاطِ فِي الشِّبَعِ، وَيَهْجُرُ النَّوْمَ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ مُعْظَمَ نَهَارِهِ.. الصَّائِمُ الَّذِي يُرَاعِي هَذِهِ الْجَوَانِبَ، يُدْرِكُ أَنَّ الصِّيَامَ عِلَاجُ الْكَسَلِ وَالِاسْتِرْخَاءِ، وَالتَّقَاعُسِ وَالْخُمُولِ، وَهُوَ مَبْعَثُ النَّشَاطِ وَالْحَيَوِيَّةِ لِأَعْضَاءِ الْجِسْمِ وَأَنْسِجَتِهِ وَخَلَايَاهُ وَمُجَدِّدُ حَرَكَتِهَا وَانْتِعَاشِهَا.
إِنَّ الْخُمُولَ الَّذِي يَحْصُلُ أَثْنَاءَ الصِّيَامِ عِنْدَ بَعْضِ الصَّائِمِينَ مَبْعَثُهُ التُّخَمَةُ وَالشِّبَعُ؛ حَيْثُ يَمْلَؤُونَ بُطُونَهُمْ بِوَجَبَاتٍ دَسِمَةٍ يَنْتُجُ عَنْهَا ثِقَلُ أَبْدَانِهِمْ، وَفُتُورُ قُوَاهُمْ، وَمِنْ ثَمَّ يُخَيِّمُ عَلَيْهِمُ النَّوْمُ وَالْخُمُولُ.
وَلَوْ لَزِمُوا جَانِبَ الِاعْتِدَالِ وَالتَّوَسُّطِ فِي وَجْبَتَيِ الْإِفْطَارِ وَالسُّحُورِ لَسَلِمُوا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ فَالبِّطْنَةُ تُذْهِبُ الْفِطْنَةَ ، وَتَدْعُو إِلَى الْخُمُولِ وَالتَّقَاعُسِ وَالْكَسَلِ، وَالصِّيَامُ يُنَشِّطُ الْفِكْرَ، فَتَصْفُو بِهِ النَّفْسُ، وَتَنْشَطُ بِهِ الْجَوَارِحُ لِلطَّاعَاتِ.
وَلَنَا فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفِي صَحَابَتِهِ الْكِرَامِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَعْظَمُ قُدْوَةٍ وَخَيْرُ أُسْوَةٍ؛ فَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي أَعْمَالِهِمْ بَيْنَ أَيَّامِ الصِّيَامِ وَغَيْرِهَا، بَلْ كَانَتْ حَيَاتُهُمْ كُلُّهَا جِدًّا وَاجْتِهَادًا، وَعَمَلًا وَحَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا.
((أَيَّامُ اللهِ فِي رَمَضَانَ))
لَقَدْ شَهِدَ شَهْرُ رَمَضَانَ العَديدَ مِنَ الأَحْدَاثِ الفَارِقَةِ فِي مَسِيرَةِ التَّارِيخِ الإِنْسَانِيِّ عَامَّةً، وَالإِسْلَامِيِّ خَاصَّةً، وَمِنْ ذَلِكَ:
* بَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَنُزُولُ الْوَحْيِ فِي رَمَضَانَ:
إنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ الْأَحْدَاثِ الْجِسَامِ وَالْانْتِصَارَاتِ الْعِظَامِ، وَمِنْ أَكْبَرِ الْأَحْدَاثِ الَّتِي شَهِدَهَا الْعَالَمُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْبَرَهَا: بَدْءُ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَقَدْ بَدَأَ ذَلِكَ النُّزُولُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِ اعْتَادَ فِي رَمَضَانَ مِنْ كُلِّ عَامٍ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى غَارِ حِرَاءٍ بِمَكَّةَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَحَنَّثَ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَكَانَ يَأْخُذُ مَعَهُ ﷺ مَا تَيَسَّرَ مِنْ زَادٍ.
فَإِذَا قَضَى ﷺ وَطَرَهُ مِنْ تِلْكَ الْخَلْوَةِ فِي الْغَارِ، وَنَفِدَ مَا مَعَهُ مِنَ الزَّادِ؛ نَزَلَ إِلَى أَهْلِهِ بِمَكَّةَ؛ لِيَتَزَوَّدَ مَرَّةً أُخْرَى، حَتَّى أَذِنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَبْدَأَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيه ﷺ، وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ؛ وَنُبِّئَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْرَأ﴾، وَكَانَ أَمْرًا عَظِيمًا لَمْ يَشْهَدْهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا هُوَ بِالْمَعْهُودِ فِي حَيَاةِ النَّاسِ.
وَفُوجِئَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الوَحْيِ وَالمَلَكِ، وَنَزَلَ مِنَ الْغَارِ تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهُ، وَهَوَّنَتْ خَدِيجَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- الطَّاهِرَةُ الْبَرَّةُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ مَا كَانَ، مُقْسِمَةً بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ اللهَ لَا يُخْزِيهِ أَبَدًا، مُسْتَدِلَّةً عَلَى ذَلِكَ بِمَا كَانَ مِنْ كَرِيمِ الْخِصَالِ وَعَظِيمِ الْفَعَالِ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ، وَمِمَّا كَانَ يَأْتِي بِهِ ﷺ مِنَ الْمَكْرُمَاتِ، حَيْثُ قَالَتْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «وَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا».
ثُمَّ أَخَذَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلَى ابْنِ عَمِّهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَصَّ الرَّسُولُ ﷺ عليه مَا كَانَ، فَقَالَ وَرَقَةُ -وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، وَقَرَأَ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَانَ مُنْتَظِرًا مَقْدِمَ النَّبِيِّ الْخَاتَمِﷺ-، فَلَمَّا قَصَّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ مَا كَانَ، قَالَ: «قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، إِنَّهُ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ فِيهَا جَذَعًا، أَمَا إِنِّي لَوْ كُنْتُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ؛ لَنَصَرْتُكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا».
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟».
فَقَالَ: «مَا جَاءَ أَحَدٌ قَوْمَهُ بِمِثْلِ مَا أَتَيْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ».
ثُمَّ لَمْ يَنْشِبْ أَنْ مَاتَ، وَمَضَى الْوَحْيُ مُتَتَابِعًا.
فَأَنْزَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَبَدَأَ الْوَحْيُ الْمَعْصُومُ الَّذِي غَيَّرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَدْيِهِ الدُّنْيَا كُلَّها، وَأَخْرَجَ بِهِ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، بَدَأَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185].
وَ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: 1].
فَهَذَانِ مَوْضِعَانِ دَلَّ فَيهِمَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَدْءًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهَذَا الْحَدَثُ الْفَرِيدُ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا كَانَ فَارِقًا بَيْنَ عَهْدَيْنِ؛ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْوَحْيِ الْمُنَزَّلِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رِسَالَةَ الرَّسُولِ ﷺ هِيَ آخِرُ رِسَالَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ.
وَالرَّسُولُ ﷺ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً فِي عُمُومِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَإِلَى الْجِنِّ كَذَلِكَ، فَهَذَا حَدَثُ الْأَحْدَاثِ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ؛ نُبِّئَ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﷺ، وَبَدَأَ نُزُولُ الْوَحْيِ فِي رَمَضَانَ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْبَعْثَةِ؛ تُوُفِّيَ عَمُّهُ، وَتُوُفِّيَتْ زَوْجُهُ خَدِيجَةُ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهَا-، وَضَاقَتْ مَكَّةُ بِالدَّعْوَةِ، وَأَجْمعَ أَهْلُهَا عَلَى الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَمُعَادَاةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَلَمَّسُ مَجَالًا جَدِيدًا لِتَفْتَحَهُ الدَّعْوَةُ بِنُورِهَا، وَلتُنْشَرَ فِيهِ هِدَايَةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ؛ وَعُظْمُ أَهْلِهَا مِنْ ثَقِيفٍ، وَعَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ الدَّعْوَةَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ سَادَتِهَا؛ وَهُمْ: عَبْدُ يَالِيلَ بْنُ عَمْروٍ ،وأَخَوَاهُ حَبِيبٌ وَمَسْعُودٌ، فَكَانُوا بَيْنَ مُكَذِّبٍ وَسَاخِرٍ.
قَالَ أَحَدُهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّهُ يُمَزِّقُ أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ أَرْسَلَهُ».
وَقَالَ الْآخَرُ: «إِنْ كَانَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ أَرْسَلَكَ؛ فَأَنْتَ أَجَلُّ فِي عَيْنِي مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَأَنْتَ أَقَلُّ مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ، فَلَا أُكَلِّمُكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ».
وَأَمَّا الثَّالِثُ؛ فَقَالَ لِلرَّسُولِ ﷺ: «أَلَمْ يَجِدِ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- غَيْرَكَ لِيُرْسِلَهُ؟!!».
وَأَبَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَقَدْ سَلَّطُوا عَلَيْهِ الْغِلْمَانَ وَالسُّفَهَاءَ، فَقَذَفُوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دُمِّيَتْ عَقِبُهُ ﷺ.
وَالْتَجَأَ إِلَى ظِلِّ حَائِطٍ لِعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَلَدَيْ رَبِيعَةَ وَقَدْ عَطَفَتْهُمَا عَلَيْهِ الرَّحِمُ، فَأَرْسَلَا عَدَّاسًا -وَكَانَ غُلَامًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا- بِقِطْفٍ مِنْ عِنَبٍ، وَأَبَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَّا أَنْ يَقَعَ الْاعْتِذَارُ لِلرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُبَارِحَ، فَذَهَبَ عَدَّاسٌ بِالْعِنَبِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا أَهْوَى إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ؛ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ».
فَقَالَ عَدَّاسٌ: هَذَا شَيْءٌ لَمْ أَسْمَعْهُ قَطُّ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «مِنْ أَيْنَ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟».
فَقَالَ: مِنْ نِيْنَوَى.
قَالَ: «مِنْ بَلَدِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بنِ مَتَّى؟».
فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ بِيُونُسَ؟
قَالَ: «هُوَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا، وَأَنَا نَبِيٌّ ﷺ».
فَأَهْوَى عَدَّاسٌ عَلَى رَأْسِهِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ مُقَبِّلًا، وَعَاَد إِلَى سَيِّدَيْهِ؛ فَقَالَا: وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ؛ مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتَ مَعَ الرَّجُلِ؟
قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ﷺ.
فَهَكَذا كَذَّبَتْ ثَقِيفٌ، وَقَدْ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ دَاعِيًا؛ فَلَقِيَتْهُ بِكُلِّ سُوءٍ؛ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- لِلنَّبِيِّ ﷺ: ((هَلْ وَجَدْتَ مِنْ قَوْمِكَ يَوْمًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْكَ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟)).
قَالَ ﷺ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَأَشَدُّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لَمَّا ذَهَبْتُ إِلَى الطَّائِفِ لِدَعْوَةِ ثَقِيفٍ إِلَى دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَكَانَ مِنْهُمْ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، قَالَ: فَذَهَبْتُ مَغْمُومًا، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَسَمِعْتُ حِسًّا فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ جِبْرِيلُ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ؛ إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ عَلِمَ مَا قَالَ لَكَ قَوْمُكَ وَمَا صَنَعُوا، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ فَعَلَ.
فَقَالَ ﷺ: لَا، اللَّهُمَّ اِهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».
* غَزْوَةُ بَدْرٍ فِي رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ:
وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ: نَمَا إِلَى عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ فِي عِيرٍ عَظِيمَةٍ، وَقَافِلَةٍ كَبِيرَةٍ، وَمَالٍ وَفِيرٍ، ورِزْقٍ غَزِيرٍ قَدْ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فخَرَجَ النّبِيُّ ﷺ أَوْ أَرْسَلَ، فَلَمْ يُدْرِكْ.
ثُمَّ نَمَا إِلَى عِلْمِهِ ﷺ بَعْدُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَافِلٌ بِالْقَافِلَةِ، فَأَرَادَ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَسْتَطْلِعَ الْأَمْرَ، وَأَرْسَلَ رَجُلَيْنِ عَلَى بَعِيرَيْنِ مِمَّا يُعْلَفُ بِعَلَائِفِ يَثْرِبَ، فخَرَجَا.
وَأَمَّا أَبُو سُفْيَانَ؛ فَقَدْ كَانَ أَرِيبًا حَصِيفًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فذَهَبَ إِلَى مَجْدِيٍّ، فَسَأَلَهُ: هَلْ رَأَيْتَ مَا يُرِيبُ؟
قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ قَدْ أَنَاخَا بَعِيرَيْهِمَا في هَذَا المَوْضِعِ.
فَذَهَبَ أَبُو سُفْيَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَفَتَّ البَعْرَ؛ فوَجَدَ النَّوَى -نَوَى يَثْرِبَ-، فَقَالَ: هَذِهِ واللهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا لَنَا لَبِالْمِرْصَادِ، وَأَرْسَلَ إِلَى قُرَيْشٍ أَنْ أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ، وخَالَفَ هُوَ إِلَى سَاحِلِ البَحْرِ فَنَجَى.
وَنَدَبَ الرَّسُولُ ﷺ أَصْحَابَهُ لِلْخُرُوجِ لِلْعِيرِ لَا لِلنَّفِيرِ، فَخَرَجَ مَعَهُ ثَلَاثُمِئَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، جُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ فِي الخُرُوجِ، وَمَا ظَنَّ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَجِدُ قِتَالًا، وَلَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ وَاحِدٌ، وَلَفَدَوْهُ بِأَرْوَاحِهِمْ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.
خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَتَعَرَّضَ لِلْعِيرِ؛ لِيَرُدَّ بَعْضَ ما سُلِبَ مِمَّا نَهَبَتْ قُرَيْشٌ وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُبْقِ لِأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ شَيْئًا من مالٍ أو متاعٍ؛ حَتَّى قَالَ الرَّسُولُ ﷺ لَمَّا نَزَلَ مَكَّةَ فَاتِحًا، فَلَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَنْزِلُ فيهِ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: فَلْتَنْزِلْ في دَارِكَ وَدَارِ أَبِيكَ.
فقال ﷺ: «وهَلْ أَبْقَى لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟!».
فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بِمَكَّةَ دَارٌ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-، فَنَزَلَ عِنْدَ أُمِّ هَانِئٍ.
إِذَنْ، النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا خَرَجَ لِيَرُدَّ بَعْضَ مَا سُلِبَ مِنْ ثَرْوَاتِ قُرَيْشٍ الَّتِي نَهَبَتْ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَمَا كَانَ فِي هَذَا مِنْ عَابٍ، وَمَا عَلَى المُسْلِمِينَ فِي فِعْلِهِ مِنْ تَثْرِيبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ رَدٌّ لِبَعْضِ الحَقِّ السَّلِيبِ.
وَأَبَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَّا أَنْ يَلْقَى ﷺ النَّفِيرَ، وأَلَّا يَلْقَى العِيرَ وَمَعَهُ هَذِهِ الثُّلَّةُ المُبَارَكَةُ مِنْ أَصْحَابِهِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-.
نَزَلَ النّبِيُّ ﷺ بَدْرًا، وَأَمَّا قُرَيْشٌ؛ فَإِنَّهَا أَعَدَّتْ عُدَّتَها، وجَاءَتْ لِلِقَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فأَدْرَكَهُمُ البَشِيرُ؛ أَرْسَلَهُ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَّ اللهَ قَدْ نَجَّى عِيرَكُمْ، وحَفِظَ عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ؛ فَلَا تَخْرُجُوا لِلِقَاءِ مُحَمَّدٍ وَحِزْبِهِ ﷺ.
فَقَالَ فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو جَهْلٍ: «وَاللهِ لَا نَعُودُ حَتَّى نَنْزِلَ بَدْرًا، حَتَّى نُوقِدَ النِّيرَانَ، ونَنْحَرَ الجُزُرَ، وتَعْزِفَ عَلَيْنَا القِيَانُ، وحَتَّى تَسْمَعَ بِنَا العَرَبُ، فَمَا يَزَالُونَ فِي هَيْبَةٍ مِنَّا أَبَدًا».
وَأَبَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَّا أَنْ تَسْمَعَ بِهِمُ العَرَبُ؛ بَلْ أَبَى اللهُ إِلَّا أَنْ تَسْمَعَ بِهِمُ الدُّنْيَا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وَبَدَلَ أَنْ يَنْحَرُوا الجُزُرَ؛ نُحِرُوا هُمْ، وَبَدَلَ أَنْ تَعْزِفَ عَلَيْهِمُ القِيَانُ؛ نَاحَتْ عَلَيْهِمُ النَّوَائِحُ، وَبَدَلَ أَنْ يُوقِدُوا النِّيرَانَ؛ أُوقِدَتْ لَهُمُ النِّيرَانُ: ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
أَبَوْا أَنْ يَعُودُوا، وَعَلِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا كَانَ، وَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَتَكَلَّمَ المُهَاجِرُونَ فَأَحْسَنُوا، وَهُوَ يَقُولُ ﷺ: «أَلَا تُشِيرُونَ عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ؟».
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَقَالَ: «كَأَنَّكَ تَعْنِينَا يَا رَسُولَ اللهِ»؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي بَيْعَةِ العَقَبَةِ، لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ حِمَايَتَهُ خَارِجَ المَدِينَةِ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَوْثِقَ، وَكَانَ عِبْءُ المَعْرَكَةِ إِنْ وَقَعَتْ سَيَكُونُ عَلَى كَوَاهِلِ الْأَنْصَارِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ لِكَثْرَةِ العَدَدِ، ثُمَّ هُمْ لَمْ يُعْطُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي البَيْعَةِ بِحِمَايَتِهِ خَارِجَ مَدِينَتِهِ ﷺ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَوْثِقَ.
فَقَامَ سَعْدٌ، فَقَالَ: «كَأَنَّكَ تَعْنِينَا يَا رَسُولَ اللهِ».
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَجَلْ».
فَقَالَ سَعْدٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا البَحْرَ فخُضْتَهُ؛ لَخُضْنَاهُ خَلْفَكَ، اِمْضِ لِمَا تُحِبُّ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَوَاللهِ إِنَّا لَصُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَوَاللهِ إِنَّا لَشُجْعَانٌ فِي الحُرُوبِ... إِلَى آخِرِ مَا قَالَ»، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكانَتْ مَعرَكَةً حَاسِمَةً فَاصِلَةً فِي تَارِيخِ المُسلِمِينَ، وسُمِّيَتْ بِيَومِ الفُرْقَانِ؛ حَيْثُ فَرَقَتْ بَينَ زَمَنِ الاسْتِضْعَافِ، وَزَمَنِ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ، فَرَقَتْ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَلا ضَيرَ فَهِيَ فِي شَهرِ رَمَضانَ، شَهْرِ الفُرْقَانِ.
وَدَائِمًا تَكُونُ الْأَحْدَاثُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ: فَسَادٌ يَسْتَشْرِي فِي الْعَالَمِ، وَمُفْسِدُونَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَى أَقْوَاتِ النَّاسِ وَأَرْزَاقِهِمْ، وَعَلَى مُسْتَقْبَلِهِمْ وَحَيَاتِهِمْ، يُبَدِّلُونَ وَجْهَ الحَيَاةِ المُشْرِقَ، وَيَسْتَعْبِدُونَ الخَلْقَ مِنْ دُونِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَرْكَبُونَ أَكْتَافَ النَّاسِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلَا حَقٍّ، ثُمَّ تَأْتِي إِرَادَةُ التَّغْيِيرِ، لَا إِرَادَةُ التَّدْمِيرِ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
وَكَانَتْ فُرْقَانًا فِي تَارِيخِ العَالَمِ كُلِّهِ، فُرْقَانًا بَيْنَ عَهْدٍ مَضَى وَعَهْدٍ بَقِيَ، لَا يَعْلَمُ إِلَّا اللهُ مَتَى يَنْقَضِي!
كَانَتْ فُرْقَانًا كَمَا وَصَفَهَا اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ وَوَصَفَ يَوْمَهَا، فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَدَارَتْ رَحَى الحَرْبِ الضَّرُوسِ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ ثَلَاثُمِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَمَا مَعَهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ الظَّهْرِ، فَكَانَ الثَّلَاثَةُ وَالْأَكْثَرُ يَتَعَاقَبُونَ عَلَى البَعِيرِ الوَاحِدِ مَرْحَلَةً وَمَرْحَلَةً وَمَرْحَلَةً، ثُمَّ فَلْيَمْضِ البَعِيرُ هَانِئًا مَرْحَلَةً؛ رَحْمَةً وَشَفَقَةً وَعَدْلًا لَا جَوْرَ فِيهِ وَلَا ظُلْمَ يَلْحَقُهُ، وَبِهِ يَنْصُرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ النَّاسَ.
دَارَتْ رَحَى المَعْرَكَةِ بَيْنَ هَذِهِ الثُّلَّةِ المُبَارَكَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَلْفٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، خَرَجُوا لِلِقَاءِ، وَخَرَجُوا لِلنِّزَالِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّمَا خَرَجُوا لِلْعِيرِ، وَلَمْ يَخْرُجُوا لِلنَّفِيرِ، وَمَا اتَّخَذُوا لِلْأَمْرِ عُدَّةً، وَمَا أَعَدُّوا لَهُ أُهْبَةً، وَإِنَّمَا خَرَجُوا خُرُوجًا يَسِيرًا لَمْ يَعْزِمْ فِيهِ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا، وَلَا أَنْ يَكُونُوا عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِحَرْبٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ نَصَرَهُمُ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ نَاصِرٌ حِزْبَهُ، وَهُوَ الَّذِي يُعْلِي كَلِمَتَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَرْفَعُ رَايَةَ الحَقِّ، وَهُوَ الَّذِي يُعِزُّ مَنْ نَصَرَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَاصِرٌ مَنْ نَصَرَهُ، وَالرَّسُولُ ﷺ يَضْرَعُ إِلَى رَبِّهِ، وَيَتَوَجَّهُ مُبْتَهِلًا إِلَى اللهِ رَبِّ العَالمَيِنَ بِالدُّعَاءِ: «اللهم إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةُ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ-؛ فَلَنْ تُعْبَدَ فِي الأَرْضِ».
وَالكُفَّارُ يَسْتَفْتِحُونَ: «اللَّهُمَّ عَلَى أَقْطَعِنَا لِلرَّحِمِ، وَعَلَى مَنْ آتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُ، وَعَلَى أَبْعَدِنَا مِنَ الحَقِّ دِينًا»، يَسْتَفْتِحُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ الكَافِرُونَ، وَيَسْتَفْتِحُ بِهِ فِرْعْوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَكَ أَنْ تَعْجَبَ الْعَجَبَ كُلَّهُ مِنْ هَذَا الَّذِي يَقُولُ هَذَا الرَّجُلُ!!
فَمَنِ الَّذِي قَطَعَ الرَّحِمَ؛ أَهُوَ أَمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟!
وَمَنِ الَّذِي هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا وَأَقْوَمُ قِيلًا؛ أَهُوَ أَمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟!
وَمَنْ هُوَ الَّذِي هُوَ أَسَدُّ دِعَايَةً، وَالَّذِي هُوَ أَقْوَمُ سَبِيلًا؛ أَهُوَ أَمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟!
نَصَرَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ جُنْدَهُ، وَأَعَزَّ حِزْبَهُ، وَنَصَرَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، فَذَبَحُوهُمْ ذَبْحًا، وَأَسَرُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ، وعَادُوا ظَافِرِينَ مُظَفَّرِينَ، وَعَادَتْ قُرَيْشٌ تَنْدِبُهَا نَوَادِبُهَا، وَتَنُوحُ عَلَيْهَا نَوَائِحُهَا، وَتَبْكِي دَمًا، وَأَعَزَّ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ نَبِيَّهُ ﷺ وَالمُسْلِمِينَ مَعَهُ
* فَتْحُ مَكَّةَ وَتَحْطِيمُ الْأَصْنَامِ فِي رَمَضَانَ:
وَمِنَ الأَحْدَاثِ الفَاصِلَةِ فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ، وَالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ: فَتحُ مَكَّةَ.
مَرَّتِ الْأَيَّامُ فِي طَرِيقِهَا، وَفَتَحَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَكَّةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ ظَافِرًا وَمُنْتِصَرًا، وَعَابِدًا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَاشِعًا وَمُنِيبًا، وَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَكَانَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ صَنَمٌ لِقُرَيْشٍ مِنْ عَقِيقٍ أَحْمَرَ، وَقَدْ كُسِرَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى؛ فَجَعَلُوا مَكَانَهَا يَدًا مِنْ ذَهَبٍ، وَكَانَ كَبِيرَ آلِهَتِهِمْ، وَهُوَ هُبَلُ.
فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْأَصْنَامِ، فَجُمِعَتْ خَارِجَ الْبَيْتِ بَعْدَ أَنْ طَافَ ﷺ وَمَعَهُ رُمْحٌ قَصِيرٌ، فَكَانَ يَطْعَنُ بِرُمْحِهِ ﷺ فِي أَعْيُنِ الْأَصْنَامِ وَفِي أَوْجُهِهَا؛ فَتَخِرُّ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ﷺ، وَكَانَ فِي رَمَضَانَ هَذَا الْحَدَثُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ تَحْطِيمُ الْأَصْنَامِ.
حُطِّمَتِ الْأَصْنَامُ فِي رَمَضَانَ، أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا، فَأُخْرِجَتْ خَارِجَ الْبَيْتِ، ثُمَّ أُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ، وَفِي السَّنَةِ نَفْسِهَا أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ هَدَمَ مَنَاةَ وَالْعُزَّى وَسُوَاعًا.
فالنَّبِيُّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي رَمَضَانَ فَاتِحًا وَظَافِرًا ﷺ، وَعَلَا صَوْتُ اَلْأَذَانِ يُعْلِنُ أَنَّ اللهَ أَكْبَرُ، أَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَأَكْبَرُ مِنَ الْأَعْرَافِ وَالتَّقَالِيدِ، وَأَكْبَرُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، يُعْلِنُهَا بِلَالٌ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ- فَوْقَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ.
فَتَحَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَكَّةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ مَعَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحُطِّمَتِ الْأَصْنَامُ، ثُمَّ أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مَنْ هَدَمَ اللَّاتَ، وَخَلَتِ الْجَزِيرَةُ مِنْ شِرْكِهَا، وَأَقْفَرَتِ الدِّيَارُ مِنْ أَصْنَامِهَا، وَعُبِدَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
* حَفْرُ النَّبِيِّ ﷺ الْخَنْدَقَ فِي رَمَضَانَ:
فَفِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ؛ اسْتِعَدَادًا لِمَا يَكُونُ مِنْ قُدُومِ قُرَيْشٍ وَأَحْلَافِهَا غَازِيَةً مَدِينَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَمَّا غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ نَفْسُهَا؛ فَقَدْ وَقَعَتْ فِي شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ عَيْنِهَا.
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْاسْتِعَدَادِ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ، وَالرَّسُولُ يَحْمِلُ فِي ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى عَاتِقِهِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ خَلْقِ اللهِ، وَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ ﷺ؛ حِيَاطَةً لِدِينِهِ، وَنُصْرَةً لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَنَصَرَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَكانَ يُرَدَّدُ:
وَاللهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ يُحَفِّزُهُمْ إِلَى الْحَقِّ وَعَمَلِ الْخَيْرِ؛ حَتَّى رَدَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كَيْدَ الْمُشْرِكِينَ فِي نُحُورِهِمْ، وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ؛ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
ففِي شَهْرِ رَمَضَانَ المُباركِ وَقَعَتْ أَحْدَاثٌ جِسَامٌ، وَمِنْ أَهَمِّهَا: فَتْحُ الْأَنْدَلُسِ، ذلكَ الْفِرْدَوسُ المَفْقُودُ.
* فَتْحُ الْأَنْدَلُسِ فِي رَمَضَانَ:
وَفِي السَّنَةِ الْحَادِيَةِ وَالتِّسْعِينَ من هجرة الرسول الأكرم ﷺ: فَتَحَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْأَنْدَلُسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ -رَحِمَهُ اللهُ- مُرْسَلًا مِنْ قِبَلِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، فَفَتَحَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَتْحَهُ.
وَكَانَتْ خُطَّةُ الْمُسْلِمِينَ: أَنْ يَكُونَ الْبَحْرُ الْأَبْيَضُ الْمُتَوَسِّطُ بُحَيْرَةً إِسْلَامِيَّةً، فَذَهَبُوا غَازِينَ إِلَى قُبْرَصَ، ثُمَّ كَانُوا مُرِيدِينَ عَلَى نِيِّةِ الْإِصْعَادِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونُوا ذَاهِبِينَ فِي غَرْبِ أُورُبَّة، ثُمَّ فَلْيَلْقَهُمْ مَنْ يَأْتِي مُشَرِّقًا مِنْ قِبَلِ الْأَنْدَلُسِ بَعْدَ غَزْوِ فَرَنْسَا، وَكَانُوا عَلَى مَشَارِفِ جَنُوبِهَا؛ إِلَّا أَنَّ اللهَ لَمْ يَشَأْ لَهَا الْهِدَايَةَ، فَظَلَّتْ سَادِرَةً فِي كُفْرِهَا، وَفِي عَمَايَتِهَا، وَفِي ضَلَالِهَا وشِرْكِهَا، ولَمْ يَأْذَنْ لَهَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِخَيْرٍ.
فَتَحَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَفْرِيقِيَّةَ فِي شَمَالِهَا جَمِيعِهِ؛ حَتَّى جَازُوا الْعُدْوَةَ إِلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، فَفَتَحُوهَا بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، كَلِمَةِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)).
وَمِنَ الْأَحْدَاثِ الْجِسَامِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: مَوْقِعَةُ مَرْجِ الصُّفَّرِ، وَمَوْقِعَةُ عَينِ جَالُوتَ.
* مَوْقِعَتَا مَرْجِ الصُّفَّرِ، وَعَيْنِ جَالُوتَ فِي رَمَضَانَ:
فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِمَئَةٍ مِنْ هِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ: كَانَتْ «مَوْقِعَةُ مَرْجِ الصُّفَّر» أَوْ «مَوْقِعَةُ شَقْحَب» الَّتِي كَانَ فِيهَا النَّاصِرُ مُحَمَّدُ بْنُ قَلَاوونٍ، وَالْخَلِيفَةُ الْمُسْتَكْفِي بِاللهِ، وَكَانَ مَعَهُمَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ الله تَعَالَى رَحْمَةً وَاسِعَةً-، فَبَدَّدُوا جُمُوعَ التَّتَارِ، وَمَزَّقُوهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَنَصَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُسْلِمِينَ نَصْرًا عَزِيزًا مُؤَزَّرًا.
وَقَبْلَ ذَلِكَ فَتَحَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَتْحًا عَظِيمًا، فِي «عَيْنِ جَالُوتَ» نَصَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّتَارِ؛ فَانْحَسَرَتْ مَوْجَةُ الْهَمَجِيَّةِ وَالْفَوْضَى عَلَى صَخْرَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمَةِ بِجُنْدِ الشَّامِ وَجُنْدِ مِصْرَ، فَبَدَّدُوهُمْ كُلَّ مُبَدَّدٍ، وَشَتَّتُوهُمْ كُلَّ مُشَتَّتٍ، وَمَزَّقُوهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَمَنْ نَجَا مِنَ الْقَتْلِ أُسِرَ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ عَبْدًا ذَلِيلًا، فَحَسَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تِلْكَ الْمَوْجَةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ وَاقِعًا فِي رَمَضَانَ تَحْتَ رَايَةِ الْإِسْلَامِ.
لَمْ يُنْصَرِ الْمُسْلِمُونَ قَطُّ إِلَّا تَحْتَ رَايَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى فِي هَذَا كُلِّهِ: أَنَّهُ إِذَا تَسَلَّطَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفْسِدِينَ... مِنَ الْمُشْرِكِينَ الضَّالِينَ عَلَى مَقَالِيدِ الْأَمْرِ فِي الْأُمَّةِ؛ أَنْ تَصِيرَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا مِنَ الْمُفْسِدِينَ الْمُجْرِمِينَ الضَّالِينَ، بَلْ كَانَتِ الْأُمَّةُ تُحَافِظُ عَلَى نَقَائِهَا، ثُمَّ يَذْهَبُ هَذَا الْخَبَثُ بَعِيدًا إِذَا مَا عَلَا صَوْتُ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا مَا رُفِعَتْ رَايَةُ التَّوْحِيدِ، وَكَذَلِكَ الشَّأْنُ دَائِمًا وَأَبَدًا.
* حَرْبُ الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ، آخِرُ انْتِصَارَاتِ المُسْلِمِينَ:
حَتَى فِي آخِرِ مَا شَهِدَ المُسْلِمُونَ فِي هَذَا العَصْرِ: فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِين وَثَلَاثِ مِئةٍ وَأَلْف مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَيَامِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي العَاشِرِ مِنْهُ: (10 مِنْ رَمَضَان 1393هـ)، وَهُوَ مُوافِقٌ لِلسَّادِسِ مِنَ الشَّهْرِ العَاشِرِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَتِسْعِ مِئةٍ وَأَلْف مِنَ التَّارِيخِ النَّصْرَانيِّ (6/10/1973): لمَّا رُفِعَت رَايَةُ التَّوْحِيدِ، وَعَلَتْ كَلِمَةُ التَّكْبِيرِ؛ نَصَرَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ المُسْلِمِينَ.
وَلَم يُنْصَرُوا إِلَّا بِالإِسْلَامِ العَظِيم، وَلَنْ يُنْصَرَ المُسْلِمُونَ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الأَرْضِ، وَلا فِي أَيِّ زَمَانٍ مِنَ الأَزْمِنَةِ، وَلنْ تَكُونَ لَهُم شَوْكَةٌ، وَلَنْ تُسمَعَ لهُم كَلِمَةٌ، وَلَنْ تُرْفَعَ لَهُم رَايَةٌ إِلَّا بِالإِسْلَامِ العَظِيمِ، وَبِالتَّوْحِيدِ الكَرِيمِ.
فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَيَّامِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِ مِئةٍ وَأَلْف مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ «فِي 10 مِنْ رَمَضَان 1393هـ»: رَدَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى المُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَعَلَى المِصْرِيِّينَ وَجُنْدِ الشَّامِ خَاصَّةً بَعْضَ الكَرَامَةِ السَّلِيبَةِ، وَأَعَزَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- دِينَهُ، وَنَصَرَ جُنْدَهُ لمَّا فَاءَ النَّاسُ إِلَى الحَقِّ وَرَجَعُوا إِلَيْهِ.
الْأَسْبَابُ الْحَقِيقِيَّةُ لِنَكْسَةِ عام (1967م):
لَقَدْ كَانَ الَّذِينَ عَلَى الأَمْرِ قَبْلُ قَدْ عَاثُوا فِي الأَرْضِ فَسَادًا، وَتَحَوَّلَت سِهَامُهُمْ إِلَى نُحُورِ أَبْنَاءِ شَعْبِهِم، فَسَامُوهُم الخَسْفَ، وَأَذَلُّوهُم، وَشَرَّدُوهُم كُلَّ مُشَرَّدٍ، وَأَنْزَلُوا بِهِم سُوءَ العَذَابِ، أَبَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَّا أَنْ يُرِيَهُم بَعْضَ الَّذِي وَعَدَهُم، وَأَوْعَدَهُم بِهِ فِي هَذِهِ الحَيَاة.
أَبَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إلَّا أَنْ يَشْرَبُوا كَأْسًا مُتْرَعَةً مِنَ الذُّلِّ فِي الحَيَاةِ، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَكَانُوا لِسُوءِ التَّدْبِيرِ قَدْ صَاحُوا بِكُلِّ فَجٍّ أَنَّهُم سَوْفَ يُلْقُونَ اليَهُودَ فِي البَحْرِ، وَأَنَّهَا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مُسْتَضْعَفَةٌ لَا يُؤْبَهُ لَهَا، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ عَلَى النَّفْخِ لَا عَلَى الجِلَادِ وَالحَرْبِ.
ثُمَّ دُفِعَ بِالجِيشِ المَصْرِيِّ وَجُنْدِهِ مِنْ خَيْرِ أَجْنَادِ الأَرْضِ؛ مَا هُزِمُوا مِنْ خَوَرٍ وَلَا ضَعْفٍ، وَإِنَّمَا يُؤْتَونَ بِالغَدْرِ وَيُؤْخَذُونَ بِالخِيَانَةِ، كَانُوا قَدْ دَفَعُوا بِالجِيشِ البَاسِلِ إِلَى الصَّحَرَاءِ المَكْشُوفَةِ، كَأَنَّمَا يُرْهَبُونَ عَدُوَّهُم، وَكَأَنَّمَا يَسْتَدِرُّونَ العَطْفَ مِنْ أُمَمِ الأَرْضِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَحِيقَ بِالشِّرْذِمَةِ الطَّاغِيَةِ مِنْ يَهُودٍ سُوءُ العَذَابِ، هَكَذَا قَدَّرُوا؛ لِأَنَّ الغِوَايَةَ كَانَتْ سَادِرَةً، وَلِأَنَّ تَحْوِيلَ المُجْتَمَعِ مِنْ دِينِهِ، وَمِنْ هُويَّتِهِ الْأَصِيلَةِ كَانَ مُرَتَّبًا وَمُنَظَّمًا -أَلَا سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ-.
عِنْدَمَا تَحِيدُ الأُمَّةُ عَنْ مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، عِنْدَمَا يَصِيرُ المُجْتَمَعُ مُسْتَنْقَعًا كَبِيرًا تَرْتَعُ فِيهِ نَوَازِعُ الرَّذِيلَةِ، وَتَنْطَلِقُ فِيهِ الشَّهَوَاتُ مِنْ عُقُلِهَا، وَلَا تَجِدُ فِيهِ مَكَانًا تَحْمِي فِيهِ سَمْعَك وَبَصَرَك، وَلَا تَحْمِي فِيهِ مِنَ الفِتَنِ نَفْسَكَ؛ حَتَّى المَسَاجِدَ أَفْسَدُوهَا، وَعَدَوْا عَلَيْهَا فَخَرَّبُوهَا، وَجَعَلُوا فِيهَا مِنْ أَهْلِ الجَهْلِ مَنْ جَهَّلُوا، وَمِنْ أَهْلِ الحِزْبِيَّةِ مَنْ أَفْسَدُوا عَلَى النَّاسِ دِينَهُم، فَصَارَتْ كَمَسَاجِدِ ضِرَارٍ، لَا يَجِدُ المَرْءُ فِيهَا بُغْيَتَهُ، وَلَا يَلْقَى فِيهَا سَكِينَتَهُ، وَلَا تَسْتَقِرُّ فِيهَا رُوحُهُ عَلَى قَرَارٍ!!
وَقَعَ مَا وَقَعَ؛ مِنْ تَغْيِيبٍ لِدِينِ الإِسْلَامِ العَظِيمِ، ثُمَّ أَرَادَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالنَّكْبَةِ أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ مِنْ نِدَاءِ بَاطِلٍ بِقَوْلِ قَائِلِهِم: «أَمْجَاد! يَا عَرَب! أَمْجَاد»!! إِلَى قَوْلِ: «اللَّهُ أَكْبَرُ»؛ فبِهَا نُنْصَرُ إِذَا مَا حَقَّقْنَاهَا فِي النُّفُوسِ وَالضَّمَائِرِ وَالقُلُوبِ، وَكَانَتْ وَاقِعًا يُعَاشُ فِي الحَيَاةِ.
نَصْرُ الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَشِعَارُ «اللهُ أَكْبَرُ»:
أَبَى اللهُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَ عَلَى أَرْضِ الكِنَانَةِ دِينَهَا، وَعَلَى أَبْنَائِهِم إِسْلَامَهُم، وَأَنْ يُعِزَّهُم اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِدِينِ الإِسْلَامِ العَظِيمِ، وَتَحَطَّمَتِ الأُسْطُورَةُ أُسْطُورَةُ الشَّعْب الَّذِي يَدُهُ طُولَى، فَمَهْمَا أَرَادَ أَنْ يَصِلَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ وَصَلَ.
أَرَادَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُحَطِّمَ أُسْطُورَةَ الجَيْشِ الَّذِي لَا يُقْهَرُ، فَسِيمَ العَذَابَ، وَسَارَ كَالدَّجَاجِ لَا يَجِدُ مَأْوَى، وَقَدْ عَدَتْ عَلَيْهِ السِّبَاعُ، وَنَصَرَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ المِصْرِيِّينَ، وَجُنْدَ الشَّام نَصْرًا مُؤزَّرًا، وَحَاقَ بِيَهُودٍ مَا كَانُوا يُوْعَدُونَ، وَلهَا أَخَوَاتٌ إِذَا عَادَ المُسْلِمُونَ إِلَى دِينِ الحَقِّ، وَفَاءُوا إِلَى طَرِيقِ الرُّشْدِ، وَرَفَعُوا رَايَةَ التَّوْحِيدِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُول اللهِ».
وَكَذَبَ مَنْ قَالَ: «إِنَّ يَهُودَ لَمْ تَكُنْ تَخْشَى المُسْلِمِينَ بَعْدَ النَّكْبَةِ»، فَهَذَا وَهْمُ وَاهِمٍ وَخَيَالُ عَابِث، إِنَّمَا كَانُوا مِنْهُم عَلَى الرَّهْبَةِ، وَالدَّلِيلُ: مَا كَانَ، فَهَذَا مَانِعٌ مَائِيٌّ عَظِيمٌ؛ سُلِّطَتْ عَلَيْهِ أَنَابِيبُ النَّابَالْمِ، حَتَّى إِذَا مَا بَدَأَ المِصْرِيُّونَ فِي العُبُورِ لِذَلِكَ المَانِعِ المَائِيِّ؛ اشْتَعَلَتِ القَنَاةُ نَارًا، فَأَعَدُّوا ذَلِكَ، ثُمَّ أَعَدُّوا السَّدَّ التُّرابيَّ، وَاجْتِيَازُهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بشِبْهِ مُعْجِزَةٍ تَأْتِي مِنْ قِبَلِ مَنْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ «خَطِّ بَارْلِيف».
وَوَضَعُوا العَسْكَرِيَّةَ عَلَى المَحَكِّ؛ لِيَنْظُرَ العَالَمُ كُلُّهُ إِلَى هَذَا الجُنْدِ المُسْلِمِ مِنْ أَرْضِ الكِنَانَةِ، وَقَدْ صَدَّ قَبْلُ أَمْوَاجَ الهَمَجِيَّةِ التَّتَرِيَّةِ، وَأَمْوَاجَ الفَوْضَى الصَّلِيبِيَّةِ، وَكُلَّ غَازٍ أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَ إِلَى دِيَارِ الإِسْلَامِ؛ تَحَطَّمَ عَلَى صَخْرَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ المُبَارَكَةِ، وَبِسَواعِدِ أَبْنَائِهَا، تُحَرِّكُهَا عَزَمَاتُ إِيمَانِهَا بِقُلُوبِهَا، بِأَنَّهُ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَأَنَّنَا إِنَّمَا نَدُورُ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ، وَهُمَا حُسْنَيَانِ مَعًا: إِمَّا النَّصْرُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ، فَجَازُوا تِلْكَ المَوَانِعَ كُلَّهَا، وَلَمْ يَقِفْ فِي وَجْهِهِم شَيْءٌ، وَلَا صَدَّهُمْ عَنْ بُغْيَتِهِمْ.
فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَيَّام نَصَرَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ جُنْدَهُ، وَصَارَ إِخْوَانُ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ كَعَجُوزٍ تَلْطِمُ مُوَلْوِلَةً، تَسْتَجْدِي أُمَمَ الكُفْرِ العَتَادَ وَالسِّلَاحَ وَالمَئُونَةَ، وَهَؤلَاءِ يَرْفَعُونَ شِعَارًا وَاحِدًا: «اللهُ أَكْبَرُ».
اللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
اللهُ أَكْبَرُ مِنْ مَوَانعِ المَاءِ، وَمِنْ مَوَانِعِ التُّرَابِ وَسَوَاتِرِهَا.
اللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ خَطِّ دِفَاعٍ.
اللهُ أَكْبَرُ مِنَ الطَّائِراتِ وَالدَّبَّابَاتِ، وَالمَدَافِعِ وَالصَّوَارِيخِ.
اللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ عَادٍ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ.
اللهُ أَكْبَرُ مِنْ أُمَمِ الكُفْرِ كُلِّهَا.
فَكَانَ النَّصْرُ، وَهُوَ دَرْسٌ مَطْرُوحٌ كَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَمَا زَالَ دَرْسًا مَطْرُوحًا إِلَى اليَوْمِ، وَسَيَظَلّ، فَهَلْ مِنْ مُسْتَفِيدٍ؟!
أَسْبَابُ نَصْرِ الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ:
كَانَتْ مَوْقِعَةً مِنَ المَوَاقِعِ الظَّافِرَةِ، تُعِيدُ إِلَى العَالَمِ نَسَائِمَ المَاضِي البَعِيدِ، نَسَائِمَ يَوْمِ بَدْرٍ، نَسَائِمَ يَومِ عَيْنِ جَالُوتَ، تُعِيدُ إِلَى الأُمَّةِ نَسَائِمَ تُرَطِّبُ القُلُوبَ، وَتَحْنُو عَلَى الأَفْئِدَةِ؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ أَحَدٌ وَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلَّابِ.
نَصَرَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ جُنْدَهُ، وَكَانَتِ الأُمَّةُ -وَكُنَّا حَاضِرِيهَا- عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَتَعْجَبُ: كَيْفَ زَالَتِ الأَحْقَادُ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ؟!!
كَيْفَ انْمَحَقَتِ الأَحْسَادُ فِي ثَانِيَةٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا؟!!
كَيْفَ صَارَ النَّاسُ قَلْبًا وَاحِدًا نَابِضًا يَضْرَعُ إِلَى اللهِ بِأَكُفِّ ضَرَاعَةٍ نَقِيَّةٍ تَقِيَّةٍ، لَا سَارِقَةٍ، وَلَا غَاصِبَةٍ، وَلَا مُرْتَشِيَةٍ، وَلَا مُلَوَّثَةٍ بِدِمَاءِ تَعْذِيبِ البَشَرِ، وَإِنَّمَا هِيَ خَاضِعَةٌ للهِ نَقِيَّةٌ، وَهِيَ ذَلِيلَةٌ للهِ تَقِيَّةٌ؟!!
كَيْفَ تَحَوَّلَ المُجْتَمَعُ كُلُّه فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى قَلْبٍ تَقِيٍّ نَابِضٍ بِالصِّدْقِ، وَرُوحٍ مُوَحِّدَةٍ نَاطِقَةٍ بِالحَقِّ؟!!
كَيْفَ تَكَاتَفَ النَّاسُ؟!!
كَيْفَ تَآزَرَ النَّاسُ؟!!
كَيْفَ َتَعَاوَنُوا وَتَعَاضَدُوا؟!!
كَيْفَ فَزِعُوا جَمِيعًا إِلَى اللهِ؛ لِيَنْصُرَ جُنْدَهُ؟!
وَكَانَ الجُنْدُ بَيْنَ النَّكْبَةِ وَالنَّصْرِ، قَدْ رُبُّوا عَلَى مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وَسَارَت فِيهِم دُعَاةٌ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ الهُدَى وَإِلَى دِينِ الحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَعَلَّمُوهُم مَعَانِيَ الجِهَادِ، وَعَرَفُوا مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَحَلَاوَةَ الاسْتِشْهَاد، وَلَمْ يَكُونُوا مِمَّن يُقَاتِلُ عَنْ أَرْضٍ بِلَا هُوِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْضٌ إِسْلَامِيَّةٌ، إِذَا مَاتَ مُدَافِعٌ عَنْهَا فَقَدْ مَاتَ شَهِيدًا، فَهِيَ أَرْضُ الإِسْلَامِ.
هِيَ هَذِهِ الكِنَانَةُ... كِنَانَةُ اللهِ فِي أَرْضِهِ.
تِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَتَحَطَّمُ عَلَيْهَا أَمْوَاجُ الغُزَاةِ بِفَضْلِ اللهِ.
وَهُمْ مِنْ أَرَقِّ النَّاسِ قُلُوبًا، ومِنْ أَخْشَعِهِم نُفُوسًا، وَمِنْ أَتْقَاهُمْ أَفْئِدَةً إِذَا عَرَفُوا الحَقَّ وَلَزِمُوهُ، وَقَدْ وَصَّى بِهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَاصًّا بِقُطْرٍ وَلَا شَعْبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِعُمومِ الأُمَّةِ بِجَمِيعِ أَجْنَاسِهَا، وَبِكُلِّ النَّاطِقِينَ بِلُغَتِهِمْ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، وَكَانَ نَصْرًا عَزِيزًا.
هُوَ دَرْسٌ يُسْتَلْهَمُ.
وَحَادَ مَنْ حَادَ بَعْدُ؛ حَتَّى حُرِقَ الحَرَمُ الإِبْرَاهِيمِيُّ، وَاُعْتُدِيَ عَلَى المُصَلِّينَ فِيهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَإنَّا للهِ وَإنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ!!
فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَجْعَلَ سِجِلَّيْنِ؛ وَاحِدًا لِلانْتِصَارَاتِ فِي رَمَضَانَ، وَآخَرَ لِلانْكِسَاراتِ فِي رَمَضَانَ؛ فَاصْنَعْ؛ وَلَكِنْ مَا هُوَ العَامِلُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ؟
هُوَ: إِذَا تَمَسَّكْتُمْ بِدِينِ اللهِ نُصِرْتُمْ، وَإِذَا خَفَّتْ قَبْضَتُكُمْ عَلَى دِينِ رَبِّكُم كُسِرْتُمْ وَهُزِمْتُم.
وَلَنْ يَعُودَ إِلَيْكُم مَجْدُكُم وَلَنْ يَحْتَرِمَكُم العَالَمُ إلا بِتَمَسُّكِكُمْ بِدِينِكُمْ.
وَاِحْتِرَامُ العَالمِ لَكُم مَطْلُوبٌ؛ لِأَنَّهُم إِنْ لَمْ يَحْتَرِمُوكُمْ؛ فَلَنْ يَسْمَعُوا دَعْوَتَكُم، وَأَنْتُم أُمَّةٌ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّوْحِيدِ، إِلَى الإِسْلَامِ العَظِيمِ، لَيْسَ لَكُم قِيمَةٌ إِلَّا بِهِ، فَقِيمَتُكُم بِإِسْلَامِكُم.
قِيمَتُكُم بِدِينِكُم!
قِيمَتُكُم بِتَوْحِيدِكُم!
فَإِذَ نَظَرْتَ فِي السِّجِلَّيْنِ مَعًا؛ وَجَدْتَ العَامِلَ المُشْتَرَكَ.
وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَحْدَاثِ الَّتِي مَرَّتْ إِلَّا قَلِيلًا إِلَّا المَعْنَى القَائِم؛ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى أَنْ تَكُونَ طُهْمَةٌ فَاجِرَةٌ... وَأَنْ تَكُونَ جَمَاعَةٌ نَاكِرَةٌ... وَأَنْ تَكُونَ عِصَابَةٌ مُفْسِدَةٌ قَدْ تَحَكَّمَتْ فِي شَيْءٍ؛ لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَصِيرَ الأُمَّةُ كُلُّهَا فَاجِرَةً، وَأَنْ تَصِيرَ الأُمَّةُ كُلُّهَا فَاسِدَةً مُفْسِدَةً، وَإِنَّمَا تُحَافِظُ الأُمَّةُ عَلَى نَقَائِهَا؛ وَإِنْ فَسَدَ مَنْ فَسَدَ، وَإِنَّمَا يُفْرَزُ مِنَ الأُمَّةِ بَعْدُ مَنْ يُعْلِي اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ الرَّايَةَ، وَيُثَبِّتُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَنْ شَاءَ عَلَى الحَقِّ بِالحَقِّ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
أَسْأَلُ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- أَنْ يَرُدَّنَا وَالمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ إِلَى الحَقِّ رَدًّا جَمِيلًا.
اللَّهُمَّ رُدَّنَا وَالمُسْلِمِينَ جَمِيعًا إِلَى الحَقِّ رَدًّا جَمِيلًا، وَأَحْسِنْ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ أَحْسِنْ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ أَحْسِنْ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ جَنِّبْ وَطَنَنَا مِصْرَ، وَجَمِيعَ أَوْطَانِ المُسْلِمِينَ مُضِلَّاتِ الفِتَنِ؛ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَطَهِّرْ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ المُسْلِمِينَ مِنَ الكُفْرِ وَالكَافِرِينَ، وَالشِّرْكِ وَالمُشْرِكِينَ، وَالخِيَانَةِ وَالخَائِنِينَ، وَالفَسَادِ وَالمُفْسِدِينَ، وَالبِدْعَةِ وَالمُبْتَدِعِينَ يَا رَبَّ العَالمِينَ، وَيَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ، وَيَا ذَا القُوَّةِ المَتِين.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
***
((مُسَاعَدَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي مِيزَانِ الشَّرِيعَةِ))
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((الْأُسْرَةُ سَكَنٌ وَمَوَدَّةٌ))
إِنَّ الْأُسْرَةَ أَسَاسُ الْمُجْتَمَعِ وَنَوَاةُ بِنَائِهِ، وَبِتَمَاسُكِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا يَكُونُ تَمَاسُكُ الْمُجْتَمَعِ وَاسْتِقْرَارُهُ؛ لِذَلِكَ عُنِيَ الْإِسْلَامُ بِبِنَاءِ الْأُسْرَةِ عِنَايَةً كَبِيرَةً بِمَا يُحَقِّقُ السَّكَنَ وَالْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ بَيْنَ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ النِّسَاءِ: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1]: مِنْ جِنْسِكُمْ؛ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقِيلَ: خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} أَيْ: وُدًّا وَتَرَاحُمًا وَشَفَقَةً، فَجَعَلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ، فَهُمَا يَتَوَادَّانِ وَيَتَرَاحَمَانِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ رَحِمٍ بَيْنَهُمَا؛ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فِي عَظَمَةِ اللهِ وَفِي قُدْرَتِهِ.
وَمِنْ نِعْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: أَنْ جَعَلَ اللهُ الزَّوْجَةَ سَكَنًا وَمَأْوًى لِزَوْجِهَا، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا الْأُنْسَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189].
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ- مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ؛ وَهِيَ آدَمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَجَعَلَ مِنْ نَوْعِ هَذِهِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ زَوْجَهَا، تُشَارِكُهُ فِي الْخَصَائِصِ وَالطَّبَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ؛ لِيَأْنَسَ بِهَا وَيَأْوِيَ إِلَيْهَا.
وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالزَّوَاجِ سِتْرًا وَدِفْئًا وَحِفْظًا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، قَالَ تَعَالَى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187].
هُنَّ كَاللِّبَاسِ السَّاتِرِ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ كَاللِّبَاسِ السَّاتِرِ لَهُنَّ؛ لِمَا يَكُونُ بَيْنَكُمَا -أَيُّهَا الزَّوْجَانِ- مِنْ مُبَاشَرَةِ الْجَسَدِ بِالْجَسَدِ وَتَلَاصُقِهِمَا وَتَدَاخُلِهِمَا، وَإِحَاطَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَطُولِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ، مَعَ مَا فِي كُلٍّ مِنْكُمَا لِصَاحِبِهِ مِنْ سَتْرٍ وَدِفْءٍ وَحِفْظٍ.
إِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي مَجَالِ الْأُسْرَةِ: تَحْقِيقَ السَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189].
وَكَذَلِكَ نَبَّهَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُطَهَّرَةُ إِلَى أَنَّ مِنْ مَقَاصِدِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ: أَنْ يَسْكُنَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ وَتَآلُفٌ، وَتَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
فَاهْتَمَّتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُطَهَّرَةُ أَيَّمَا اهْتِمَامٍ بِتَحْقِيقِ هَذَا الْمَقْصِدِ وَتَفْعِيلِهِ فِي حَيَاةِ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيرُكُم خَيرُكُم لِأَهلِهِ، وَأَنَا خَيرُكُم لِأَهلِي».
وَقَالَ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُهُمْ خِيَارُهُمْ لِنِسَائِهِمْ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلبَانِيُّ.
وَقَالَ ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ؛ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُلَاطَفَةُ النِّسَاءِ وَالْإِحسَانُ إِلَيْهِنَّ، وَالصَّبْرُ عَلَى عِوَجِ أَخْلَاقِهِنَّ، وَاحْتِمَالُ ضَعْفِ عُقُولِهِنَّ، وَكَرَاهِيَةُ طَلَاقِهِنَّ بِلَا سَبَبٍ، وَأنَّهُ لَا يُطْمَعُ بِاسْتِقَامَتِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ».
وَقَالَ ﷺ: «لا يَفْرِكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ». رَوَاهُ مُسلِمٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «أَيْ: يَنْبَغِي أَلَّا يُبْغِضَهَا؛ لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يَكْرَهُهُ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يَرْضَاهُ، بِأَنْ تَكُونَ شَرِسَةَ الأَخلَاقِ؛ لَكِنَّهَا دَيِّنَةٌ، أَوْ عَفِيفَةٌ، أَوْ رَفِيقَةٌ بِهِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ».
كُلُّ هَذِهِ الْآدَابِ الرَّاقِيَةِ وَالتَّوْجِيهَاتِ النَّبَوِيَّةِ السَّامِيَةِ تَهْدُفُ إِلَى تَحْقِيقِ عَلَاقَةٍ شَفِيفَةٍ تَتَحَقَّقُ بِهَا الْمَوَدَّةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَالسَّكَنُ وَالِاطْمِئْنَانُ بَيْنَهُمَا، فَهَذَا مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي تَكْوِينِ الْأُسْرَةِ، وَإِقَامَةِ بُنْيَانِهَا عَلَى أَسَاسٍ مُحْكَمٍ؛ حَتَّى تَتَمَكَّنَ مِنَ الْقِيَامِ بِمُهِمَّةِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّنْشِئَةِ فِي ظِلَالٍ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالْأَمَانِ.
((حُسْنُ الْعِشْرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ))
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ تَحْقِيقِ السَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ فِي الْأُسْرَةِ: حُسْنَ الْعِشْرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ فَـ((بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ بَابٌ عَظِيمٌ تَجِبُ الْعِنَايَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ تَطْبِيقَهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ تَطْبِيقَهُ تَدُومُ بِهِ الْمَوَدَّةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلِأَنَّ تَطْبِيقَهُ يَحْيَا بِهِ الزَّوْجَانِ حَيَاةً سَعِيدَةً.
وَلِأَنَّ تَطْبِيقَهُ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَسُنَتِ الْعِشْرَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ازْدَادَتِ الْمَحَبَّةُ، وَإِذَا ازْدَادَتِ الْمَحَبَّةُ ازْدَادَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْجِمَاعِ، وَبِالْجِمَاعِ يَكُونُ الْأَوْلَادُ، فَالْمُعَاشَرَةُ أَمْرُهَا عَظِيمٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: (( ((عِشْرَةُ النِّسَاءِ)): الْمُرَادُ بِالْعِشْرَةِ هُنَا: الْمُعَامَلَةُ وَالِالْتِئَامُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
«النِّسَاءِ»: الْمُرَادُ بِالنِّسَاءِ هُنَا: الزَّوْجَاتُ، وَلَيْسَ عُمُومَ الْإِنَاثِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} أَيْ: الزَّوْجَاتِ، {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] أَيْ: الزَّوْجَاتِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 24]، فَالْمُرَادُ بِالنِّسَاءِ هُنَا: الْإِنَاثُ، وَعَلَى هَذَا فَكَلِمَةُ «النِّسَاءِ» تَارَةً يُرَادُ بِهَا: الزَّوْجَاتُ، وَتَارَةً يُرَادُ بِهَا: عُمُومُ النِّسَاءِ، عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ.
اعْلَمْ أَنَّ مُعَامَلَتَكَ لِزَوْجَتِكَ يَجِبُ أَنْ تُقَدِّرَ كَأَنَّ رَجُلًا زَوْجًا لِابْنَتِكَ؛ كَيْفَ يُعَامِلُهَا؟
فَهَلْ تَرْضَى أَنْ يُعَامِلَهَا بِالْجَفَاءِ وَالْقَسْوَةِ؟
الْجَوَابُ: لَا.
إِذَنْ؛ لَا تَرْضَ أَنْ تُعَامِلَ بِنْتَ النَّاسِ بِمَا لَا تَرْضَى أَنْ تُعَامَلَ بِهِ ابْنَتُكَ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَهَا كُلُّ إِنْسَانٍ.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((الْمُسْنَدِ)): ((أَنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا!
فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟».
قَالَ: لَا.
قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟».
قَالَ: لَا.
قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟».
قَالَ: لَا.
قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟».
قَالَ: لَا.
قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟».
قَالَ: لَا.
قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ».
قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»،... الْحَدِيثَ.
فَهَذَا مِقْيَاسٌ عَقْلِيٌّ وَاضِحٌ جِدًّا، فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَرْضَى أَنْ تَكُونَ ابْنَتُهُ تَحْتَ رَجُلٍ يُقَصِّرُ فِي حَقِّهَا وَيُهِينُهَا، وَيَجْعَلُهَا كَالْأَمَةِ يَجْلِدُهَا جَلْدَ الْعَبْدِ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُعَامِلَ زَوْجَتَهُ بِهَذَا، لَا بِالصَّلَفِ وَالِاسْتِخْدَامِ الْخَارِجِ عَنِ الْعَادَةِ.
وَعَلَى الزَّوْجَةِ -أَيْضًا- أَنْ تُعَامِلَ زَوْجَهَا مُعَامَلَةً طَيِّبَةً أَطْيَبَ مِنْ مُعَامَلَتِهِ لَهَا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228].
وَلِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- سَمَّى الزَّوْجَ سَيِّدًا، فَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي سُورَةِ يُوسُفَ: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25].
وَلِأَنَّ النَّبِيَّﷺ سَمَّى الزَّوْجَةَ أَسِيرَةً، فَقَالَ: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ».
«وَعَوَانٌ»: جَمْعُ عَانِيَةٍ، وَهِيَ الْأَسِيرَةُ.
فَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ الْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَحْيَا حَيَاةً سَعِيدَةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً أَنْ يُعَاشِرَ زَوْجَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ.
وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا؛ وَإِلَّا ضَاعَتِ الْأُمُورُ، وَصَارَتِ الْحَيَاةُ شَقَاءً، ثُمَّ هَذَا -أَيْضًا- يُؤَثِّرُ عَلَى الْأَوْلَادِ؛ فَالْأَوْلَادُ إِذَا رَأَوُا الْمَشَاكِلَ بَيْنَ أُمِّهِمْ وَأَبِيهِمْ؛ سَوْفَ يَتَأَلَّمُونَ وَيَنْزَعِجُونَ، وَإِذَا رَأَوُا الْأُلْفَةَ فَسَيُسَرُّونَ، فَعَلَيْكَ -أَيُّهَا الْأَخُ الْحَبِيبُ- بِالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وَهَذَا أَمْرٌ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].
فَأَثْبَتَ أَنَّ عَلَيْهِنَّ عِشْرَةً، فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ.. كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُعَاشِرَ الْآخَرَ بِالْمَعْرُوفِ.
«بِالْمَعْرُوفِ» يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: مَا عَرَفَهُ الشَّرْعُ وَأَقَرَّهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ وَعَرَفُوهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، مَا عَرَفَهُ الشَّارِعُ وَأَقَرَّهُ، وَمَا اعْتَادَهُ النَّاسُ وَعَرَفُوهُ، فَلَوِ اعْتَادَ النَّاسُ أَمْرًا مُحَرَّمًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ؛ وَلَوْ كَانَ عَادَةً؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُقِرُّهُ.
وَمَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّرْعُ وَلَكِنَّ الْعُرْفَ يُلْزِمُ بِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ، إِذِ الْعُقُودُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ النَّاسِ تَتَضَمَّنُ كُلَّ مَا يَسْتَلْزِمُهُ هَذَا الْعَقْدُ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا.
وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ فِي مُعَاشَرَتِهِ لِزَوْجَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ أَلَّا يَقْصِدَ السَّعَادَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ وَالْأُنْسَ وَالْمُتْعَةَ فَقَطْ، بَلْ يَنْوِي مَعَ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- بِفِعْلِ مَا يَجِبُ، وَهَذَا أَمْرٌ نَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرًا، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي مُعَاشَرَتِهِ لِزَوْجَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ قَصْدُهُ أَنْ تَدُومَ الْعِشْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَيَغِيبُ عَنْ ذِهْنِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَهَذَا كَثِيرًا مَا نَنْسَاهُ، يُنْسِينَا إِيَّاهُ الشَّيَاطِينُ.
وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَنْوِيَ بِهَذَا أَنَّكَ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللهِ: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، فَهَذَا أَمْرٌ، وَأَنْتَ إِذَا عَاشَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّكَ تَكُونُ مُمْتَثِلًا لِهَذَا الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ الْكَرِيمِ، وَإِذَا نَوَيْتَ ذَلِكَ حَصَلَ لَكَ الْأَمْرُ الثَّانِي، وَهُوَ دَوَامُ الْعِشْرَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالْمُعَامَلَةِ الطَّيِّبَةِ، وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ.
وَكَذَا كُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ فِعْلِهِ أَنْ يَنْوِيَ امْتِثْالَ الْأَمْرِ؛ لِيَكُونَ عِبَادَةً، فَفِي الْوُضُوءِ -مَثَلًا-: إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَتَوَضَّأَ نَقْصِدُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، لَا بُدَّ مِنَ الْقِيَامِ بِهِ، وَنَسْتَحْضِرُ أَنَّنَا نَقُومُ بِأَمْرِ اللهِ -تَعَالَى- فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6].
قَدْ نَذْكُرُ ذَلِكَ أَحْيَانًا؛ وَلَكِنَّنَا نَنْسَاهُ كَثِيرًا، وَهَلْ عِنْدَمَا نَفْعَلُ هَذَا نَشْعُرُ بِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَأَنَّهُ أَمَامَنَا، وَأَنَّنَا نَقْتَدِي بِهِ، فَنَكُونَ بِذَلِكَ مُتَّبِعِينَ؟!
هَذَا قَدْ نَفْعَلُهُ أَحْيَانًا؛ وَلَكِنَّهُ يَفُوتُنَا كَثِيرًا، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ حَازِمًا لَا تَفُوتُهُ الْأُمُورُ وَالْأُجُورُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْغَفْلَةِ.
فَإِذَا عَاشَرَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ طَاعَةَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي قَوْلِهِ وَأَمْرِهِ: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.
وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى الزَّوْجَةِ وَلَوْ رَأَى مِنْهَا مَا يَكْرَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
مَا أَبْلَغَ الْقُرْآنَ! لَمْ يَقُلْ -جَلَّ وَعَلَا-: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوهُنَّ، بَلْ قَالَ: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} أَيَّ شَيْءٍ يَكُونُ، فَقَدْ يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَيْتِ صَاحِبِهِ، وَيَجْعَلُ اللهُ فِي هَذَا الذَّهَابِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَقَدْ يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا، وَيَشْتَرِي هَذَا الشَّيْءَ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.
وَكَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ».
وَنَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ: «لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا».
وَالْمَرْأَةُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- نَاقِصَةُ عَقْلٍ وَدِينٍ، وَقَرِيبَةُ الْعَاطِفَةِ، كَلِمَةٌ مِنْكَ تُبْعِدُهَا عَنْكَ بُعْدَ الثُّرَيَّا، وَكَلِمَةٌ تُدْنِيهَا مِنْكَ حَتَّى تَكُونَ إِلَى جَنْبِكَ؛ فَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُرَاعِيَ هَذِهِ الْأَحْوَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ.
وَلَكِنْ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ-؛ الْآنَ لَمَّا كَانَ عِنْدَ النَّاسِ شَيْءٌ مِنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ؛ صَارَ أَقَلُّ شَيْءٍ يُوجَدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَأَقَلُّ غَضَبٍ؛ وَلَوْ عَلَى أَتْفَهِ الْأَشْيَاءِ تَجِدُهُ يَغْضَبُ، وَيُطَلِّقُ.
كُلُّ هَذَا مِنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ، وَقِلَّةِ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَلَّا يَغْضَبَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قُصُورٌ، حَتَّى الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ مُقَصِّرٌ، وَلَيْسَ صَحِيحًا أَنَّهُ كَامِلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهِيَ -أَيْضًا- أَوْلَى بِالتَّقْصِير.
وَأَيْضًا: يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَقِيسَ الْمَسَاوِئَ بِالْمَحَاسِنِ، فَبَعْضُ الزَّوْجَاتِ إِذَا مَرِضَ زَوْجُهَا قَدْ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ، وَتُطِيعُهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ إِذَا فَارَقَهَا فَمَتَى يَجِدُ زَوْجَةً؟!!
وَإِذَا وَجَدَ؛ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَسْوَأَ مِنَ الْأُولَى؛ لِهَذَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُقَدِّرَ الْأُمُورَ؛ حَتَّى يَكُونَ سَيْرُهُ مَعَ أَهْلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَالْإِنْسَانُ إِذَا عَوَّدَ نَفْسَهُ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ انْضَبَطَ، وَبِذَلِكَ يَسْتَرِيحُ.((
((مُسَاعَدَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ))
إِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُسَاعِدَ زَوْجَتَهُ؛ عِنْدَ تَعَبِهَا، أَوْ ضَعْفِهَا، أَوْ كَثْرَةِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهَا، بِحَيْثُ لَا تَسْتَطِيعُ الزَّوْجَةُ أَنْ تَقُومَ وَحْدَهَا بِهَذَا الْأَمْرِ، خَاصَّةً عِنْدَ كَثْرَةِ الْأَوْلَادِ وَكَثْرَةِ حَاجَاتِهِمْ وَحَاجَاتِ الْبَيْتِ، فَعَلَى الزَّوْجِ -عِنْدَئِذٍ- أَنْ يُسَاعِدَ زَوْجَتَهُ، وَهَذَا مُسْتَمَدٌّ مِنْ شَرِيعَتِنَا السَّمْحَةِ.
قَالَ ﷺ: «خَيرُكُم خَيرُكُم لِأَهلِهِ، وَأَنَا خَيرُكُم لِأَهلِي».
وَقَالَ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُهُمْ خِيَارُهُمْ لِنِسَائِهِمْ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلبَانِيُّ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ حَسَنَ الْعِشْرَةِ مَعَ أَزْوَاجِهِ، وَهُوَ الْقَائِلُ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».
وَمُسَاعَدَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي بَعْضِ مَهَامِّهَا أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدٍ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَلَهُ مَرْدُودٌ حَسَنٌ جِدًّا عَلَى الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَهُوَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ عَظِيمَةٌ عَاشَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَذَا الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مِنْ بَعْدِهِ.
وَمَعَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ وُجُوبِ قِيَامِ الْمَرْأَةِ بِخِدْمَةِ زَوْجِهَا مَا اسْتَطَاعَتْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يُكَلِّفَهَا مَا لَا تُطِيقُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفُقَ بِهَا، وَأَنْ يُعِينَهَا عَلَى شُؤُونِ بَيْتِهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ ؛ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، وَكَانَ يَخْدُمُ نَفْسَهُ؛ فَعَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ؟!
قَالَتْ: ((كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ)).
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، سَأَلَهَا رَجُلٌ: ((هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟!)).
قَالَتْ: ((نَعَمْ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ مَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ)).
وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- بِلَفْظٍ آخَرَ، قَالَتْ: ((كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ؛ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ)).
((يَفْلِي ثَوْبَهُ))؛ أَيْ: يُفَتِّشُهُ؛ لِيُخْرِجَ مِنْهُ مَا عَلَقَ بِهِ؛ مِنْ شَوْكٍ، أَوْ قَذًى.
((قِيلَ لَهَا)) وَالْقَائِلُ لَهَا لَمْ يُعَيَّنْ.
((مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟))، قَالَتْ: ((كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ))، وَمَهَّدَتْ بِذَلِكَ لِمَا يَأْتِي: ((يَفْلِي ثَوْبَهُ)) يَعْنِي: يُفَتِّشُهُ، لِيَلْتَقِطَ مَا فِيهِ مِمَّا عَلَقَ فِيهِ مِنْ نَحْوِ شَوْكٍ وَغَيْرِهِ، أَوْ لِيُرَقِّعَ مَا فِيهِ مِنْ نَحْوِ خِرْقٍ.
((وَيَحْلُبُ شَاتَهُ)) (بِضَمِّ اللَّامِ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا) (وَيَحْلِبُ شَاتَهُ).
((يَعْمَلُ مَا يَعْمَلُ الرِّجَالُ فِي بُيُوتِهِمْ))، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((يَعْمَلُ عَمَلَ الْبَيْتِ))، وَأَكْثَرُ مَا يَعْمَلُ: الْخِيَاطَةُ، يُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، فَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ خِدْمَةُ نَفْسِهِ، وَخِدْمَةُ أَهْلِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ التَّكَبُّرِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: خِدْمَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ.
وَفِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى تَوَاضُعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَدَمِ تَرَفُّعِهِ وَتَكَبُّرِهِ، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الدُّنْيَا، وَأَهْلُ الْجَاهِ وَالْمَنَاصِبِ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ علَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعلَى آلِهِ وَأصحَابِهِ أَجمَعِين.
المصدر: أَيَّامُ اللهِ فِي رَمَضَانَ