كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ؟

كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ؟

((كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ؟))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ))

((فَإِنَّ اللهَ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي رَحْمَتِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَى خَلْقِهِ بِأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، وَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ بِصُنُوفِ النِّعَمِ، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، وَأَوْسَعَ كُلَّ مَخْلُوقٍ نِعْمَةً وَفَضْلًا؛ فَوَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَوَسِعَتْ نِعْمَتُهُ كُلَّ حَيٍّ، وَعَمَّ إِحْسَانُهُ الْبَرَايَا، وَوَصَلَ جُودُهُ إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ؛ فَلَا تَسْتَغْنِي عَنْ إِحْسَانِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْهَا، فَبَلَغَتْ رَحْمَتُهُ حَيْثُ بَلَغَ عِلْمُهُ؛  قَالَ رَبُّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]، فَبَلَغَتْ رَحْمَتُهُ حَيْثُ بَلَغَ عِلْمُهُ.

وَأَخْبَرَنَا -سُبْحَانَهُ- أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ؛ فَكَانَ صَاحِبَ الرَّحْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الْوَاسِعَةِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} [الأنعام: 133].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} [الأنعام: 147].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58].

فَلَا مَخْلُوقَ إِلَّا وَقَدْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَغَمَرَهُ فَضْلُهُ -تَعَالَى- وَإِحْسَانُهُ)).

وَسَمَّى -جَلَّ وَعَلَا- نَفْسَهُ (( ((الرَّحْمَنَ))، وَهَذَا الِاسْمُ دَالٌّ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعُمُومِ إِحْسَانِهِ، وَجَزِيلِ بِرِّهِ، وَوَاسِعِ فَضْلِهِ)).

((وَ((الرَّحْمَنُ)): دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ -سُبْحَانَهُ-.

وَ((الرَّحِيمُ)): دَالٌّ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْحُومِ، فَـ((الرَّحْمَنُ)) لِلْوَصْفِ، وَ((الرَّحِيمُ)) لِلْفِعْلِ.

فَـ((الرَّحْمَنُ)): دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَتُهُ، وَ((الرَّحِيمُ)): دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117]، وَلَمْ يَجِئْ قَطُّ رَحْمَنٌ بِهِمْ؛ فَعُلِمَ أَنَّ ((الرَّحْمَنَ)): هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وَ((الرَّحِيمَ)): هُوَ الرَّاحِمُ بِرَحْمَتِهِ))؛ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، عَظِيمُهَا، بَلِيغُهَا وَوَاسِعُهَا.

وَرَحْمَةُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ.

فَأَمَّا الْعَامَّةُ: فَهِيَ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، فَكُلُّ الْخَلْقِ مَرْحُومُونَ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَلَوْ لَا رَحْمَةُ اللهِ مَا أَكَلُوا وَمَا شَرِبُوا، وَمَا اكْتَسَوْا وَمَا سَكَنُوا؛ وَلَكِنَّ اللهَ رَحِمَهُمْ؛ فَهَيَّأَ لَهُمْ مَا تَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمْ مِنَ الْمَعِيشَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَهَذِهِ هِيَ الرَّحْمَةُ الْعَامَّةُ.

وَأَمَّا رَحْمَتُهُ الْخَاصَّةُ: فَهِيَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَسْتَمِرُّ رَحْمَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَفِي الدُّنْيَا رَحِمَهُمُ اللهُ -تَعَالَى- بِحُصُولِ مَا تَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمْ، وَفِي الْآخِرَةِ رَحِمَهُمُ اللهُ -تَعَالَى- بِحُصُولِ مَا تَقُومُ بِهِ أَدْيَانُهُمْ.

((وَرَحْمَتُهُ -سُبْحَانَهُ- مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ؛ كَعِلْمِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَحَيَاتِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَإِحْسَانِهِ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.

وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَضَبُهُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَلَا يَكُونُ غَضْبَانًا دَائِمًا غَضَبًا لَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُهُ، بَلْ يَقُولُ رُسُلُهُ وَأَعْلَمُ الْخَلْقِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي ((حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ)) -وَهُوَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))-: ((قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ)).

كَذَا يَقُولُ الْأَنْبِيَاءُ فِي الْمَوْقِفِ عِنْدَمَا يَطْلُبُ الْخَلْقُ مِنْهُمُ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِبَدْءِ الْحِسَابِ؛ فَيَقُولُ كُلٌّ: ((إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ)).

فَالْغَضَبُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَلَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَصِفَةُ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، صِفَاتُ الْفِعْلِ هِيَ الَّتِي إِذَا شَاءَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَتَى بِهَا، وَإِذَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، فَهَذِهِ صِفَاتُ الْفِعْلِ، وَمِنْهَا: الْغَضَبُ، وَمِنْهَا: الضَّحِكُ، وَمِنْهَا: الرِّضَا، وَمِنْهَا: النُّزُولُ، وَمِنْهَا: الِاسْتِوَاءُ؛ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، فَكُلُّ صِفَةٍ تَعَلَّقَتْ بِالْمَشِيئَةِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ.

وَأَمَّا صِفَاتُ الذَّاتِ: فَهِيَ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا اتِّصَافُ الذَّاتِ بِهَا، وَلَا تَنْفَكُّ هِيَ عَنِ الذَّاتِ، صِفَاتُ الذَّاتِ لَا تَنْفَكُّ عَنْ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِحَالٍ، فَهِيَ مُلَازِمَةٌ لِلذَّاتِ، وَمِنْهَا: صِفَةُ الرَّحْمَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَأَمَّا صِفَةُ الْغَضَبِ فَهَذِهِ صِفَةُ فِعْلٍ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، فَإِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا وَغَضِبَ الرَّبُّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَهَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، لَا يَكُونُ غَضْبَانًا دَائِمًا غَضَبًا لَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُهُ؛ بَلْ ((إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ)).

رَحْمَةُ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَغَضَبُهُ لَمْ يَسَعْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وَلَمْ يَكْتُبْ عَلَى نَفْسِهِ الْغَضَبَ، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، وَلَمْ يَسَعْ كُلَّ شَيْءٍ غَضَبًا وَانْتِقَامًا))، -سُبْحَانَهُ- هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.

وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ اللَّيِّقُ بِشَأْنِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ، وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَكُنَّا جَمِيعًا خَاسِرِينَ هَالِكِينَ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَمِنْ سَخَطِهِ، وَمِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَرْجُو رَحْمَتَهُ، وَكَرَمَهُ، وَفَضْلَهُ، وَلُطْفَهُ.

فَسُبْحَانَ رَبِّيَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَوَسِعَتْ جَمِيعَ الْخَلْقِ فِي كُلِّ الْآنَاتِ وَاللَّحَظَاتِ، وَسَعَةُ رَحْمَتِهِ  تَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَا يَهْلِكُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ تَوْحِيدِهِ وَمَحَبَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ وَاسِعُ الرَّحْمَةِ، لَا يَخْرُجُ عَنْ دَائِرَةِ رَحْمَتِهِ إِلَّا الْأَشْقِيَاءُ الْمَحْرُومُونَ، وَلَا أَشْقَى مِمَّنْ لَمْ تَسَعْهُ رَحْمَتُهُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.

يَكْفِيكَ مَنْ وَسِعَ الْخَلَائِقَ رَحْمَةً   =    وَكِفَايَةً ذُو الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- -وَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ-: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54].

وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَلَا يُخْلِفُ الْوَعْدَ، وَهُوَ خَبَرٌ مِنْهُ لِعِبَادِهِ، وَهُوَ صَادِقُ الْمَقَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، إِنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَخَيْرُ الرَّاحِمِينَ، وَرَحْمَتُهُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، أَرْحَمُ بِنَا مِنْ كُلِّ رَاحِمٍ، أَرْحَمُ بِنَا مِنْ آبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا، وَأَوْلَادِنَا، وَأَنْفُسِنَا.

((فَكُلُّ رَاحِمٍ  لِلْعَبْدِ فَاللهُ أَرْحَمُ بِهِ مِنْهُ؛ إِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، لَوْ جُمِعَتْ رَحَمَاتُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ لَكَانَتْ رَحْمَةُ اللهِ أَشَدَّ وَأَعْظَمَ، وَمَا تَبْلُغُ هَذِهِ الرَّحْمَاتُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ وَمَعَهُ صَبِيٌّ، فَجَعَلَ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ؛ رَحْمَةً بِهِ وَحَنَانًا وَبِرًّا.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَتَرْحَمُهُ؟)).

قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: ((فَاللهُ أَرْحَمُ بِكَ مِنْكَ بِهِ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

أَرْحَمُ مَا يَكُونُ مِنَ الْخَلْقِ بِالْخَلْقِ: الْأُمُّ بِوَلَدِهَا؛ فَإِنَّ رَحْمَةَ الْأُمِّ وَلَدَهَا لَا يُسَاوِيهَا شَيْءٌ مِنْ رَحْمَةِ النَّاسِ أَبَدًا؛ حَتَّى الْأَبُ لَا يَرْحَمُ أَوْلَادَهُ مِثْلَ أُمِّهِمْ فِي الْغَالِبِ.

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَحْلِبُ تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟)).

قُلْنَا: لَا -وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَلَّا تَطْرَحَهُ-.

فَقَالَ: ((اللهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَأَيْنَ تَقَعُ رَحْمَةُ الْوَالِدَةِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؟! فَهُوَ أَرْحَمُ بِالْعَبْدِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا الرَّفِيقَةِ بِهِ فِي حَمْلِهِ، وَرَضَاعِهِ، وَفِصَالِهِ.

كُلُّ الرَّاحِمِينَ إِذَا اجْتَمَعَتْ رَحَمَاتُهُمْ كُلِّهِمْ؛ فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ عِنْدَ رَحْمَةِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَيَدُلُّكَ عَلَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ -وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))- قَالَ ﷺ: ((جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ؛ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ)) )).

هَذِهِ هِيَ الرَّحْمَةُ الَّتِي هِيَ صِفَةُ فِعْلٍ.

وَأَمَّا الرَّحْمَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صِفَةُ ذَاتٍ؛ فَإِنَّهَا لَا تَنْقَسِمُ، فَالرَّحْمَةُ صِفَةُ ذَاتٍ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِالذَّاتِ؛ حَيْثُ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ، وَلَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الذَّاتُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الرَّحْمَةِ بِالْمَشِيئَةِ، وَإِعْمَالُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ لِمَنْ يَرْحَمُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؛ فَهَذِهِ صِفَةُ فِعْلٍ، فَهِيَ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ.

 هُنَاكَ صِفَاتٌ تَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ بِاعْتِبَارٍ وَصِفَةَ فِعْلٍ بِاعْتِبَارٍ:

صِفَةُ الْخَلْقِ: صِفَةُ ذَاتٍ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِالذَّاتِ، فَذَاتُ الرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ الْخَلْقِ وَلَا مَخْلُوقَ، فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ، وَلَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ الْعَظِيمَةُ، وَأَمَّا عِنْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ وَبَرْئِهِمْ، وَتَعَلُّقِ هَذِهِ الصِّفَةِ بِالْمَشِيئَةِ بِخَلْقِهِمْ؛ فَهِيَ -حِينَئِذٍ- تَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ.

كَذَلِكَ صِفَةُ الْكَلَامِ: فَذَاتُ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَوْصُوفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَأَمَّا إِذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ -جَلَّ وَعَلَا- وَبِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرٍ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-؛ فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ؛ لِتَعَلُّقِ الصِّفَةِ بِالْمَشِيئَةِ.

هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي مَعَنَا: فِيهِ انْقِسَامُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ إِلَى مِائَةِ جُزْءٍ، جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ؛ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.

صِفَةُ الْفِعْلِ: هِيَ الَّتِي تَقْبَلُ هَذِهِ الْقِسْمَةَ.

وَأَمَّا صِفَةُ الذَّاتِ؛ فَهِيَ مَوْصُوفٌ بِهَا الذَّاتُ، لَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ، وَلَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الذَّاتُ.

((رَجَاءُ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَعَدَمُ الْقُنُوطِ مِنْهَا))

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا} [الإسراء: 28].

((الْأَمْرُ بِإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْغِنَى، أَمَّا مَعَ الْعُدْمِ أَوْ تَعَسُّرِ النَّفَقَةِ الْحَاضِرَةِ؛ فَأَمَرَ -تَعَالَى- أَنْ يُرَدُّوا رَدًّا جَمِيلًا، فَقَالَ: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا} أَيْ: تُعْرِضْ عَنْ إِعْطَائِهِمْ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ تَرْجُو فِيهِ مِنَ اللهِ تَيْسِيرَ الْأَمْرِ.

{فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} أَيْ: لَطِيفًا بِرِفْقٍ وَوَعْدٍ بِالْجَمِيلِ عِنْدَ سُنُوحِ الْفُرْصَةِ، وَاعْتِذَارٍ بِعَدَمِ الْإِمْكَانِ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ؛ لِيَنْقَلِبُوا عَنْكَ مُطْمَئِنَّةً خَوَاطِرُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى}.

وَهَذَا -أَيْضًا- مِنْ لُطْفِ اللهِ -تَعَالَى- بِالْعِبَادِ؛ أَمْرُهُمْ بِانْتِظَارِ الرَّحْمَةِ وَالرِّزْقِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَ ذَلِكَ عِبَادَةٌ، وَكَذَلِكَ وَعْدُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ عِنْدَ التَّيَسُّرِ عِبَادَةٌ حَاضِرَةٌ؛ لِأَنَّ الْهَمَّ بِفِعْلِ الْحَسَنَةِ حَسَنَةٌ؛ وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَنْوِي فِعْلَ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ؛ لِيُثَابَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّ اللهَ يُيَسِّرُ لَهُ بِسَبَبِ رَجَائِهِ)).

فِي الْآيَةِ: الْحَثُّ عَلَى تَعْلِيقِ الْقَلْبِ وَالرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ بِاللهِ، وَصَرْفِ التَّعَلُّقِ بِالْمَخْلُوقِينَ، فَالْمُوَفَّقُ فِي حَالِ الْوُجُودِ وَالْغِنَى قَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِحَمْدِ اللهِ وَشُكْرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، لَا يَنْسَى وَلَا يَبْطُرُ النِّعْمَةَ، وَفِي حَالِ الْفَقْدِ وَالْفَقْرِ صَابِرٌ رَاضٍ، رَاجٍ مِنَ اللهِ فَضْلَهُ وَخَيْرَهُ وَرَحْمَتَهُ، وَهَذَا مِنْ أَجَلِّ عِبَادَاتِ الْقُلُوبِ الْمُقَرِّبَةِ إِلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ.

وَلَقَدْ نَدَبَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الْمُؤْمِنِينَ إِلَى طَلَبِ الرَّحْمَةِ، فَقَالَ: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 109].

((جَمَعُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ الْمُقْتَضِي لِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ، وَالدُّعَاءِ لِرَبِّهِمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّوَسُّلِ إِلَيْهِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَمِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ، وَالْإِخْبَارِ بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعُمُومِ إِحْسَانِهِ، وَفِي ضِمْنِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خُضُوعِهِمْ وَخُشُوعِهِمْ وَانْكِسَارِهِمْ لِرَبِّهِمْ، وَخَوْفِهِمْ وَرَجَائِهِمْ؛ فَهَؤُلَاءِ سَادَاتُ النَّاسِ وَفُضَلَاؤُهُمْ)).

((إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُوَحِّدَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ مُلَازِمٌ لِلْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ وَهُوَ النَّافِعُ، وَبِهِ تَحْصُلُ السَّعَادَةُ، وَيُخْشَى عَلَى الْعَبْدِ مِنْ خُلُقَيْنِ رَذِيلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الْخَوْفُ حَتَّى يَقْنُطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَرَوْحِهِ.

الثَّانِي: أَنْ يَتَجَارَى بِهِ الرَّجَاءُ حَتَّى يَأْمَنَ مَكْرَ اللهِ وَعُقُوبَتَهُ؛ فَمَتَى بَلَغَتْ بِهِ الْحَالُ إِلَى هَذَا فَقَدْ ضَيَّعَ وَاجِبَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَكْبَرِ أُصُولِ التَّوْحِيدِ وَوَاجِبَاتِ الْإِيمَانِ.

وَلِلْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَالْيَأْسِ مِنْ رَوْحِهِ سَبَبَانِ مَحْذُورَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْرِفَ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَتَجَرَّأَ عَلَى الْمَحَارِمِ فَيُصِرَّ عَلَيْهَا، وَيُصَمِّمَ عَلَى الْإِقَامَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَيَقْطَعَ طَمَعَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي تَمْنَعُ الرَّحْمَةَ.

فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ لَهُ هَذَا وَصْفًا وَخُلُقًا لَازِمًا، وَهَذَا غَايَةُ مَا يُرِيدُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْعَبْدِ، وَمَتَى وَصَلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ؛ لَمْ يُرْجَ لَهُ خَيْرٌ إِلَّا بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ وَإِقْلَاعٍ قَوِيٍّ.

الثَّانِي: أَنْ يَقْوَى خَوْفُ الْعَبْدِ بِمَا جَنَتْ يَدَاهُ مِنَ الْجَرَائِمِ، وَيَضْعُفَ عِلْمُهُ بِمَا لِلهِ مِنْ وَاسِعِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَيَظُنُّ بِجَهْلِهِ أَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ وَلَا يَرْحَمُهُ وَلَوْ تَابَ وَأَنَابَ، وَتَضْعُفَ إِرَادَتُهُ فَيَيْأَسَ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهَذَا مِنَ الْمَحَاذِيرِ الضَّارَّةِ النَّاشِئَةِ مِنْ ضَعْفِ عِلْمِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ وَمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَمِنْ ضَعْفِ النَّفْسِ وَعَجْزِهَا وَمَهَانَتِهَا.

فَلَوْ عَرَفَ هَذَا رَبَّهُ وَلَمْ يَخْلُدْ إِلَى الْكَسَلِ؛ لَعَلِمَ أَنَّ أَدْنَى سَعْيٍ يُوصِلُهُ إِلَى رَبِّهِ وَإِلَى رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ.

وَلِلْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللهِ -أَيْضًا- سَبَبَانِ مُهْلِكَانِ:

أَحَدُهُمَا: إِعْرَاضُ الْعَبْدِ عَنِ الدِّينِ، وَغَفْلَتُهُ عَنْ مَعْرِفَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَتَهَاوُنُهُ بِذَلِكَ، فَلَا يَزَالُ مُعْرِضًا غَافِلًا مُقَصِّرًا عَنِ الْوَاجِبَاتِ، مُنْهَمِكًا فِي الْمُحَرَّمَاتِ، حَتَّى يَضْمَحِلَّ خَوْفُ اللهِ مِنْ قَلْبِهِ، وَلَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَحْمِلُ عَلَى خَوْفِ اللهِ وَخَوْفِ عِقَابِهِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ.

وَالسَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَابِدًا جَاهِلًا، مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ، مَغْرُورًا بِعَمَلِهِ، فَلَا يَزَالُ بِهِ جَهْلُهُ حَتَّى يُدِلَّ بِعَمَلِهِ وَيَزُولَ الْخَوْفُ عَنْهُ، وَيَرَى أَنَّ لَهُ عِنْدَ اللهِ الْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةَ؛ فَيَصِيرَ آمِنًا مِنْ مَكْرِ اللهِ مُتَّكِلًا عَلَى نَفْسِهِ الضَّعِيفَةِ الْمَهِينَةِ، وَمِنْ هُنَا يُخْذَلُ وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْفِيقِ؛ إِذْ هُوَ الَّذِي جَنَى عَلَى نَفْسِهِ.

وَهَذِهِ الْأُمُورُ مِنَ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَمِنَ الْيَأْسِ مِنْ رَوْحِهِ، وَالْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَتِهِ.. هَذِهِ الْأُمُورُ مُنَافِيَةٌ لِتَوْحِيدِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَتِهِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَعَظَائِمِ الْإِثْمِ)).

قَالَ الْمُنَاوِيُّ: ((الْيَأْسُ: الْقَطْعُ بِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ، وَالْيَأْسُ ضِدُّ الرَّجَاءِ)).

وَقَالَ الْعِزُّ: ((الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ: هُوَ اسْتِصْغَارٌ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَلِمَغْفِرَتِهِ، وَذَلِكَ ذَنْبٌ عَظِيمٌ وَتَضْيِيقٌ لِفَضَاءِ جُودِهِ)).

الْيَأْسُ: انْقِطَاعُ الرَّجَاءِ.

وَقَالَ الرَّاغِبُ: ((هُوَ انْتِفَاءُ الطَّمَعِ)).

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ((الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَتَحَصَّلُ لِتَحَقُّقِ فَوَاتِهِ))؛ فَهَذَا هُوَ الْيَأْسُ.

((وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْيَأْسَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الْقُنُوطُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].

وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْيَأْسِ عَنِ الْقُنُوطِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوطَ ثَمَرَةُ الْيَأْسِ.

الثَّانِي: الْيَأْسُ: الْعِلْمُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [الرعد: 31]؛ أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمُوا؟!)).

وَقَدْ عَدَّ ابْنُ حَجَرٍ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَتِهِ -تَعَالَى- مِنَ الْكَبَائِرِ؛ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].

وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَدَدًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُبَشِّرَةِ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ: ((عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ)) .

فَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَمِنْ عَظَائِمِ الذُّنُوبِ.

الْقُنُوطُ: مَصْدَرُ قَوْلِهِمْ قَنَطَ يَقْنُطُ؛ إِذَا يَئِسَ يَأْسًا شَدِيدًا.

((قَالَ تَعَالَى: {فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ} [الحجر: 55]؛ أَيْ: الْيَائِسِينَ مِنَ الْوَلَدِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ (سلم) قَدْ يَئِسَ مِنَ الْوَلَدِ لِفَرْطِ الْكِبَرِ)).

الْقُنُوطُ: أَشَدُّ الْيَأْسِ، يُقَالُ: قَنِطَ يِقْنَطُ قُنُوطًا وَقَنَاطَةً، وَهُوَ انْقِطَاعُ الْأَمَلِ، وَفَقْدُ الرَّجَاءِ، وَانْتِفَاءُ الطَّمَعِ، وَهَذِهِ الْحَالُ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- كَانَتْ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً وَاعْتِقَادًا بَاطِلًا؛ لِأَنَّهَا تَنِمُّ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتُشِيرُ إِلَى نِسْبَةِ الْعَجْزِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ، لِذَلِكَ نَهَى عَنْهُ الدِّينُ، وَأَخْبَرَ الْقُرْآنُ أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].

وَرَوْحُ اللهِ هُنَا: رَحْمَتُهُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ مِنْهَا مَوْقِفَ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ مَهْمَا اشْتَدَّتْ بِالْإِنْسَانِ الْمِحَنُ وَتَكَالَبَتْ عَلَيْهِ الرَّزَايَا؛ لِأَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْفَرَجِ، وَتَفْرِيجِ الْكَرْبِ، وَتَبْدِيدِ الْخُطُوبِ، وَالشَّكُّ فِي ذَلِكَ مَدْعَاةٌ لِنِسْبَةِ النَّقْصِ وَالْعَجْزِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَاعْتِقَادُ ذَلِكَ بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- كُفْرٌ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ.

وَلَقَدْ نَهَى اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنْ هَذَا الْيَأْسِ وَذَلِكَ الْقُنُوطِ مَهْمَا كَانَتِ الْحَالُ الَّتِي وَصَلَ إِلَيْهَا الْعَبْدُ وَاسْتَقَرَّتْ فِيهَا الشِّدَّةُ.

قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: 28].

لَقَدْ ذَكَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَحْوَالًا لِعِبَادِهِ بَلَغَ فِيهَا بَعْضُهُمْ مَبْلَغَ الْحَرَجِ، وَكَادُوا فِيهَا أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لِلْيَأْسِ، فَجَاءَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَرَجُ، وَأَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِتَبْدِيدِ الشَّدَائِدِ وَإِزَالَةِ الْكُرَبِ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

بَعْدَ هَذَا الزِّلْزَالِ الَّذِي مَلَأَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَعْدَ تِلْكَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ الَّتِي رَكِبَتْهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ جَاءَ نَصْرُ اللهِ، وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

فَأَمَامَ هَذِهِ الْقُدْرَةِ الرَّبَّانِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَسَرَّبَ إِلَى النُّفُوسِ الْيَأْسُ وَلَا أَنْ يَسْتَحْكِمَ فِيهَا الْقُنُوطُ مَا دَامَتْ قُدْرَةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَقْوَى مِنْ كُلِّ الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ، وَمَا دَامَ سُلْطَانُهُ فَوْقَ كُلِّ هَذَا الْوُجُودِ؛ {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

((يُخْبِرُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَمْتَحِنَ عِبَادَهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْمَشَقَّةِ، لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الِامْتِحَانِ كَمَا فَعَلَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ؛ فَهِيَ سُنَّتُهُ الْجَارِيَةُ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَغَيَّرُ؛ أَنَّ مَنْ قَامَ بِدِينِهِ وَشَرْعِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَبْتَلِيَهُ، فَإِنْ صَبَرَ عَلَى أَمْرِ اللهِ وَلَمْ يُبَالِ بِالْمَكَارِهِ الْوَاقِفَةِ فِي سَبِيلِهِ؛ فَهُوَ الصَّادِقُ الَّذِي قَدْ نَالَ مِنَ السَّعَادَةِ كَمَالَهَا، وَمِنَ السِّيَادَةِ آلَتَهَا.

وَمَنْ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ؛ بِأَنْ صَدَّتْهُ الْمَكَارِهُ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَثَنَتْهُ الْمِحَنُ عَنْ مَقْصِدِهِ؛ فَهُوَ الْكَاذِبُ فِي دَعْوَى الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي، وَلَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَمُجَرَّدِ الدَّعَاوَى حَتَّى تُصَدِّقَهُ الْأَعْمَالُ أَوْ تُكَذِّبَهُ.

فَقَدْ جَرَى عَلَى الْأُمَمِ الْأَقْدَمِينَ مَا ذَكَرَ اللهُ عَنْهُمْ: {مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ}؛ أَيِ: الْفَقْرُ وَالْأَمْرَاضُ فِي أَبْدَانِهِمْ، {وَزُلْزِلُوا} بِأَنْوَاعِ الْمَخَاوِفِ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ، وَالنَّفْيِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَحِبَّةِ، وَأَنْوَاعِ الْمَضَارِّ حَتَّى وَصَلَتْ بِهِمُ الْحَالُ وَآلُ بِهِمُ الزِّلْزَالُ إِلَى أَنِ اسْتَبْطَئُوا نَصْرَ اللهِ مَعَ يَقِينِهِمْ بِهِ، وَلَكِنْ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ وَضِيقِهِ قَالَ: {الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ}، فَلَمَّا كَانَ الْفَرَجُ عِنْدَ الشِّدَّةِ -وَكُلَّمَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ- قَالَ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.

فَهَكَذَا كُلُّ مَنْ قَامَ بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ يُمْتَحَنُ، فَكُلَّمَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ وَصَعُبَتْ، إِذَا صَبَرَ وَثَابَرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ انْقَلَبَتِ الْمِحْنَةُ فِي حَقِّهِ مِنْحَةً، وَالْمَشَقَّاتُ رَاحَاتٍ، وَأَعْقَبَهُ ذَلِكَ الِانْتِصَارُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَشِفَاءُ مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الدَّاءِ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142].

وَهِيَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1-3].

فَعِنْدَ الِامْتِحَانِ يُكْرَمُ الْمَرْءُ أَوْ يُهَانُ)) .

وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ الْحَالَ الَّتِي أَدْرَكَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حَاصَرَهُمُ الْأَحْزَابُ فِي الْمَدِينَةِ، وَهُمْ عِنْدَ الْخَنْدَقِ الَّذِي حَفَرُوهُ لِلدِّفَاعِ عَنْ وُجُودِهِمْ وَحِمَايَةِ بَلَدِهِمْ مِنْ تَأَلُّبِ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهِمْ، وَبَيَّنَ لَوَامِعَ الْبِشْرِ وَمَسَالِكَ النَّصْرِ الَّذِي آتَاهُمُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10-11].

قَالَ اللهُ -تَعَالَى- فِي تَبْدِيدِ هَذِهِ الْمَخَاوِفِ وَكَسْرِ عَصَا هَذِهِ الْجُمُوعِ: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9].

وَقَالَ -أَيْضًا- فِي هَذَا الشَّأْنِ: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 25-27].

فَالزَّلْزَلَةُ وَالِاضْطِرَابُ وَالْخَوْفُ وَبُلُوغُ الرُّعْبِ وَالشِّدَّةِ قُلُوبَ الْعِبَادِ جَائِزٌ عَلَى الْعِبَادِ، أَمَّا الْيَأْسُ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَمِنْ إِدْرَاكِ عِبَادِهِ بِالْفَرَجِ فَحَرَامٌ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ حَالَ الْعَبْدِ غَيْرُ حَالِ الرَّبِّ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَمَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْعِبَادُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ خَالِقُهُمْ، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْقَادِرُ الْقَدِيرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103].

إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- قَدْ أَمَرَ عِبَادَهَ بِأَلَّا يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَتِهِ، عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَمِّلُوا فِي رَوْحِ اللهِ، وَأَلَّا يَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا مِنْ وَسِيعِ رَحْمَتِهِ.

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

((يُخْبِرُ اللهُ عِبَادَهُ الْمُسْرِفِينَ بِسَعَةِ كَرَمِهِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْإِنَابَةِ قَبْلَ أَلَّا يُمْكِنَهُمْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ} يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ وَمَنْ قَامَ مَقَامَهُ مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- مُخْبِرًا لِلْعِبَادِ عَنْ رَبِّهِمْ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} بِاتِّبَاعِ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالسَّعْيِ فِي مَسَاخِطِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ، {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ}: لَا تَيْأَسُوا مِنْهَا فَتُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَتَقُولُوا: قَدْ كَثُرَتْ ذُنُوبُنَا وَتَرَاكَمَتْ عُيُوبُنَا، فَلَيْسَ لَهَا طَرِيقٌ يُزِيلُهَا وَلَا سَبِيلٌ يَصْرِفُهَا، فَتَبْقُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُصِرِّينَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُتَزَوِّدِينَ مَا يُغْضِبُ عَلَيْكُمُ الرَّحْمَنَ، وَلَكِنِ اعْرِفُوا رَبَّكُمْ بِأَسْمَائِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَرَمِهِ وَجُودِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا مِنَ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالرِّبَا وَالظُّلْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ.

{إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}؛ أَيْ: وَصْفُهُ الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ وَصْفَانِ لَازِمَانِ ذَاتِيَّانِ لَا تَنْفَكُّ ذَاتُهُ عَنْهُمَا أَبَدًا، وَلَمْ تَزَلْ آثَارُهُمَا سَارِيَةً فِي الْوُجُودِ، مَالِئَةً لِلْمَوْجُودِ، تَسُحُّ يَدَاهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَيُوَالِي النِّعَمَ عَلَى الْعِبَادِ وَالْفَوَاضِلَ فِي السِّرِّ وَالْجَهَارِ، وَالْعَطَاءُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْمَنْعِ، وَالرَّحْمَةُ سَبَقَتِ الْغَضَبَ وَغَلَبَتْهُ)).

((مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ نَبِيِّنَا وَأُمَّتِهِ ﷺ الرَّحْمَةُ))

الرَّحْمَةُ هِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَصَفْوُهُ وَرَحْمَتُهُ لِلْخَلْقِ، وَزَوَالُ قَسْوَتِهِ وَغِلْظَتِهِ، وَهُوَ مِنْ أَخْلَاقِ صَفْوَةِ الْخَلْقِ.

قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .

فَرَأْفَتُهُ ﷺ وَرَحْمَتُهُ لَا يُقَارِبُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ، وَهَذِهِ الرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ ظَهَرَتْ آثَارُهَا فِي مُعَامَلَتِهِ لِلْخَلْقِ، وَلَا تُنَافِي هَذِهِ الرَّحْمَةُ قُوَّةَ الْقَلْبِ وَصَبْرَهُ، فَقَدْ كَانَ ﷺ أَصْبَرَ الْخَلْقِ وَأَشْجَعَهُمْ وَأَقْوَاهُمْ قَلْبًا مَعَ كَمَالِ رَحْمَتِهِ.

فَقُوَّةُ الْقَلْبِ مِنْ آثَارِهَا الصَّبْرُ وَالْحِلْمُ وَالشَّجَاعَةُ الْقَوْلِيَّةُ وَالْفِعْلِيَّةُ، وَالْقِيَامُ التَّامُّ بِأَمْرِ اللهِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَرَحْمَةُ الْقَلْبِ مِنْ آثَارِهَا: الشَّفَقَةُ وَالْحُنُوُّ وَالنَّصِيحَةُ، وَبَذْلُ الْإِحْسَانِ الْمُتَنَوِّعِ، فَأَيُّ أَخْلَاقٍ تُقَارِبُ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ السَّامِيَةَ الْجَلِيلَةَ؟!!

فَقُوَّةُ الْقَلْبِ وَشَجَاعَتُهُ تَنْفِي الضَّعْفَ وَالْخَوَرَ، وَرَحْمَتُهُ تَنْفِي الْقَسْوَةَ وَالْغِلْظَةَ وَالشَّرَاسَةَ.

وَهَذِهِ الْأَخْلَاقُ الْجَمِيلَةُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ عِلْمِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّرْبِيَةِ عَلَى أَحْسَنِهَا؛ فَإِنَّهَا -أَيْضًا- دَاخِلَةٌ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ، كَمَا دَخَلَ فِيهِ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَالدُّعَاءُ وَغَيْرُهَا.

فَهِيَ مِنْ جِهَةِ التَّعَبُّدِ للهِ -تَعَالَى- بِهَا وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ دَاخِلَةٌ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ.

وَمِنْ جِهَةِ تَكْمِيلِهَا لِلْعَبْدِ وَتَرْقِيَتِهَا لِأَخْلَاقِهِ وَتَهْذِيبِ النُّفُوسِ وَتَزْكِيَتِهَا دَاخِلَةٌ فِي عِلْمِ الْأَخْلَاقِ.

وَهَذَا أَعْظَمُ الْبَرَاهِينِ عَلَى رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالدِّينِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا رُقِيَّ وَلَا عُلُوَّ وَلَا كَمَالَ وَلَا سَعَادَةَ إِلَّا بِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْهُدَى الْعِلْمِيُّ الْإِرْشَادِيُّ، وَالْهُدَى الْعَمَلِيُّ، وَالتَّرْبِيَةُ النَّافِعَةُ.

إنَّ مَنْ سَبَرَ أَحْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ فَإِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الرَّحْمَةَ وَصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ-، وَمَنْ سَبَرَ أَحْوَالَهُمْ؛ وَجَدَ الرَّحْمَةَ مِنْ أَخَصِّ أَوْصَافِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي كَانَتْ تَغْلِبُ غَضَبَهُ، وَلَهُ مِنْهَا الْحَظُّ الْأَوْفَى.

فَإِنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ لِذَلِكَ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]

وَلَقَدْ تَوَاتَرَتِ النُّصُوصُ مِنْ سِيرَتِهِ وَسُنَّتِهِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، وَمَا جَاءَ عَنْهُ مِنَ الْأَمْرِ بِهَا، وَالْحَثِّ عَلَى امْتِثَالِهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ يَعْسُرُ حَصْرُهُ وَاسْتِقْصَاؤُهُ؛ لِذَلِكَ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْدَانُ، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

وَقَدْ شَهِدَ لَهُ ﷺ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ شَهِدَوا لَهُ بِأَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ؛ فعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: «خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ -يَعْنِي: فِي صِبَاهُ- فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ.

قَالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ العَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟

فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ العَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ حَجَرٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ». الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «صَحِيحِ السِّيرَةِ».

لَقَدِ اسْتِقْرَتِ الرَّحْمَةُ فِي نَفْسِهِ ﷺ، حَتَّى كَانَتْ دَيْدَنَهُ فِي الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ، وَلِكَمَالِ رَحْمَتِهِ وَلِينِهِ وَرِفْقِهِ؛ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُ الْعِبَادِ وَالْتَفَّتْ حَوْلَهُ أَبْدَانُهُمْ، وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ مِنْ أَذَى النَّاسِ الشَّيْءَ الْعَظِيمَ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَنْتَقِمُ، بَلْ وَلَا يَضْجَرُ، فَرَحْمَتُهُ تَسْبِقُ غَضَبَهُ ﷺ.

فَهُوَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ، وَدِينُهُ دِينُ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ دَاعٍ إِلَى الرَّحْمَةِ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

يَا مَنْ لَهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ مَا تَهْوَى الْعُلَا=مِنْهَا وَمَا يَتَعَشَّقُ الْكُبَراءُ

فَإِذَا سَخَوْتَ بَلَغْتَ بِالْجُودِ الْمَدَى=وَفَعَلْتَ مَا لَا تَفْعَلُ [الْبُذَلَاءُ]

وَإِذَا عَفَوْتَ فَقادِرًا وَمُقَدَّرًا=لَا يَستَهِينُ بِعَفْوِكَ الْجُهَلَاءُ

وَإِذَا رَحِمْتَ فَأَنْتَ أُمٌّ أَوْ أَبٌ=هَذَانِ فِي الدُّنْيَا هُمَا الرُحَماءُ

إِنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ مُهِمَّةٌ، مَحْبُوبَةٌ عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى-، اتَّصَفَ بِهَا بِكَمَالِهَا الرَّسُولُ الْأَمِينُ ﷺ.

وَالصِّفَةُ الْبَارِزَةُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ هِيَ الرَّحْمَةُ، كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]؛ فَهِيَ صِفَةٌ بَارِزَةٌ مِنْ صِفَاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

وَالْقَسَاوَةُ لَا يُحِبُّهَا اللهُ -تَعَالَى-، وَهِيَ عُقُوبَةٌ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- لَا يُحِبُّ الْقُلُوبَ الْقَاسِيَةَ، وَأَبْعَدُ الْقُلُوبِ عَنِ اللهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22].

أَبْعَدُ الْقُلُوبِ عَنِ اللهِ -تَعَالَى- الْقَلْبُ الْقَاسِي، وَأَحَبُّ الْقُلُوبِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- الْقَلْبُ السَّلِيمُ؛ وَهُوَ الْقَلْبُ الْمُوَحِّدُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِصِفَاتِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَمِنْ أَعْظَمِ ذَلِكَ: صِفَةُ الرَّحْمَةِ.

وَمِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ، وَمِنْ سُوءِ حَظِّهِ وَشَقَاوَتِهِ الْحِرْمَانُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ الْجَلِيلَةِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.

قَوْلُهُ: «لَا تُنْزَعُ»: بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ؛ أَيْ: لَا تُسْلَبُ الشَّفَقَةُ، وَأَصْلُ النَّزْعِ: الْجَذْبُ وَالْقَلْعُ.

النَّبْيُّ ﷺ يُبَيِّنُ أَنَّ الرَّحْمَةَ فِي الْخَلْقِ هِيَ رِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ، وَرِقَّةُ الْقَلْبِ عَلَامَةُ الْإِيمَانِ، وَمَنْ لَا رِقَّةَ لَهُ فِي قَلْبِهِ فَلَا إِيمَانَ لَهُ، وَمَنْ لَا إِيمَانَ لَهُ شَقِيٌّ، فَمَنْ لَمْ يُرْزَقِ الرِّقَّةَ فِي الْقَلْبِ وَالرَّحْمَةَ فِي الْفُؤَادِ شَقِيَ.

وَحَقِيقَةُ الرَّحْمَةِ إِرَادَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِذَا ذَهَبَتْ إِرَادَتُهَا مِنْ قَلْبِهِ شَقِيَ بِإِرَادَةِ الْمَكْرُوهِ لِغَيْرِهِ؛ فَذَهَبَ عَنْهُ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ.

قَوْلُهُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ»: هَلِ الْمُرَادُ فِيهِ: تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ رَحْمَةٌ؟

لِأَنَّ حَقِيقَةَ النَّزْعِ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ مَكَانٍ كَانَ فِيهِ، فَهَلِ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ ذَلِكَ؟ أَوِ الْمُرَادُ: لَمْ يُجْعَلْ فِي قَلْبِهِ رَحْمَةٌ أَصْلًا ويَكُونُ كَقَوْلِهِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ»؟.

وَالْمُرَادُ: شَقَاءُ الْآخِرَةِ أَوِ الدُّنْيَا أَوِ الدَّارَيْنِ مَعًا.

«الرَّحْمَةُ»: رِقَّةٌ وَحُنُوٌّ يَجِدُ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مُبْتَلًى أَوْ صَغِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ، يَحْمِلُهُ مَا يَجِدُهُ عَلَى الْإِحْسَانِ لَهُ، وَاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ بِهِ، وَالسَّعْيِ فِي كَشْفِ مَا بِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ، يَعْطِفُ الْحَيَوانُ عَلَى نَوْعِهِ وَوَلَدِهِ، وَيُحْسِنُ عَلَيْهِ حَالَ ضَعْفِهِ وَصِغَرِهِ.

وَحِكْمَتُهَا: تَسْخِيرُ الْقَوِيِّ لِلضَّعِيفِ.

وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ فِي الْقُلُوبِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي ثَمَرَتُهَا الْمَصْلَحَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي هِيَ حِفْظُ النَّوْعِ رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مِئَةٍ ادَّخَرَهَا اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللهُ فِي قَلْبِهِ الرَّحْمَةَ الْحَامِلَةَ عَلَى الرِّفْقِ وَكَشْفِ ضُرِّ الْمُبْتَلَى فَقَدْ رَحِمَهُ اللهُ بِذَلِكَ فِي قَلْبِهِ بِمَا جعَلَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى رَحْمَتِهِ إِيَّاهُ فِي الْمَآلِ، فَمَنْ سَلَبَهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَابْتَلَاهُ بِنَقِيضِهِ مِنَ الْقَسْوَةِ وَالْغِلْظَةِ وَالْفَظَاظَةِ، وَلَمْ يَلْطُفْ بِضَعِيفٍ، وَلَا أَشْفَقَ عَلَى مُبْتَلًى فَقَدْ أَشْقَاهُ حَالًا، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَمًا عَلَى شِقْوَتِهِ مَآلًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ»: مِنْ كَافِرٍ أَوْ فَاجِرٍ أَوْ عَاصٍ، فَيَتْعَبُ فِي الدُّنْيَا وَيُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ: «إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ»: وَالْمُرَادُ بِالشَّقِيِّ: مَنْ كَانَ شَقِيًّا فِي الْآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ يُشْقِي نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ فِي الدُّنْيَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124].

فِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ مِنَ الصِّفَاتِ الْعَظِيمَةِ؛ لِذَا وَصَفَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالرَّحْمَةِ؛ لِجَلَالَةِ قَدْرِهَا، وَلِعِظَمِ شَأْنِهَا؛ فَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128]، فَوَصَفَهُ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ.

إِذَنْ: فَهُمَا مِنْ صِفَاتِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ وَمَنْ تَأَسَّى بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَالرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، وَالَّذِي لَا تُوجَدُ فِيهِ رَحْمَةٌ فَهَذَا مِنَ الْأَشْقِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ خِصَالِهِ الْحَمِيدَةِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ رَحْمَةٍ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْحَمَ، فَالْكَبِيرُ يَرْحَمُ الصَّغِيرَ، وَالْقَوِيُّ يَرْحَمُ الضَّعِيفَ، وَالصَّحِيحُ يَرْحَمُ الْمَرِيضَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.

فَالْمَقْصُودُ أَنَّ الرَّحْمَةَ مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ، وَمِنَ الْخِصَالِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنَ الْأَشْقِيَاءِ، وَالْأَشْقِيَاءُ غَيْرُ السُّعَدَاءِ.

((الرَّحْمَةُ مِنْ أَسْمَى غَايَاتِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِّيَّةِ))

الرَّحْمَةُ خُلُقٌ ثَابِتٌ وَمُتَأَصِّلٌ فِي النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ قِيَمِ السُّلُوكِ الْفَاضِلِ فِي التَّعَامُلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمِنْ هُنَا كَانَتِ الرَّحْمَةِ مِنْ أَسْمَى أَهْدَافِ وَأَعْظَمِ غَايَاتِ وَأَجَلِّ مَقَاصِدِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِّيَّةِ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِ اللهِ لِنَبِيِّهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

((أَثْنَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى رَسُولِهِ، الَّذِي جَاءَ بِالْقُرْآنِ فَقَالَ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}؛ فَهُوَ رَحْمَتُهُ الْمُهْدَاةُ لِعِبَادِهِ، فَالْمُؤْمِنُونَ بِهِ قَبِلُوا هَذِهِ الرَّحْمَةَ، وَشَكَرُوهَا، وَقَامُوا بِهَا، وَغَيْرُهُمْ كَفَرُوهَا، وَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كَفْرًا، وَأَبَوْا رَحْمَةَ اللَّهِ وَنِعْمَتَهُ)).

((يُخْبِرُ -تَعَالَى- أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ؛ أَيْ: أَرْسَلَهُ رَحْمَةً لَهُمْ كُلِّهِمْ، فَمَنْ قَبِلَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ وَشَكَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ سَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ رَدَّهَا وَجَحَدَهَا خَسِرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [ إِبْرَاهِيمَ: 28-29]، وَقَالَ اللَّهُ -تَعَالَى- فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [ فُصِّلَتْ: 44].

وَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ)).

قَالَ: ((إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْهُ -أَيْضًا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ)))).

وَتَأْيِيدًا لِهَذَا فَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُؤَكِّدُ هَذَا الْمَفْهُومَ وَهَذِهِ الْقِيمَةَ الْعَظِيمَةَ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ تَكَرَّرَ مَفْهُومُ الرَّحْمَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، هَذَا التَّأْكِيدُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْعَلَ قِيمَةَ الرَّحْمَةِ حَاضِرَةً بِاسْتِمْرَارٍ فِي وَعْيِ النَّاسِ؛ حَتَّى يَكُونَ التَّعَامُلُ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَائِمًا عَلَى هَذَا الْأَسَاسِ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَنَبَّهَ النَّبِيُّ إِلَى أَنَّ الرَّاحِمُونَ يَسْتَحِقُّونَ رَحْمَةَ اللهِ، وَحَصَرَ الرَّحْمَةَ فِيهِمِ، فَقَدْ جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّما يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)).

وَالرَّحْمَةُ هِيَ ثَوَابٌ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، قَالَ -تَعَالَى-: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157].

(({أُولَئِكَ} الْمَوْصُوفُونَ بِالصَّبْرِ الْمَذْكُورِ {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ} أَيْ: ثَنَاءٌ وَتَنْوِيهٌ بِحَالِهِمْ {وَرَحْمَةٌ} عَظِيمَةٌ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ أَنْ وَفَّقَهُمْ لِلصَّبْرِ الَّذِي يَنَالُونَ بِهِ كَمَالَ الْأَجْرِ، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} الَّذِينَ عَرَفُوا الْحَقَّ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِلْمُهُمْ بِأَنَّهُمْ لِلَّهِ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَعَمِلُوا بِهِ وَهُوَ هُنَا صَبْرُهُمْ لِلهِ)).

وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ يُوصِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالرَّحْمَةِ، وَوَعَدَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- مَنِ اتَّصَفَ بِالرَّحْمَةِ وَوَصَّى بِهَا غَيْرَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ جَنَّةَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [البلد: 17-18].

(({ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ؛ أَيْ: آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ بِمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِجَوَارِحِهِمْ، فَدَخَلَ فِي هَذَا كُلُّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ، {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَعَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَعَلَى أَقْدَارِهِ الْمُؤْلِمَةِ بِأَنْ يَحُثَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى الِانْقِيَادِ لِذَلِكَ، وَالْإِتْيَانِ بِهِ كَامِلًا مُنْشَرَحًا بِهِ الصَّدْرُ، مُطَمْئِنَّةٌ بِهِ النَّفْسُ.

{وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} لِلْخَلْقِ؛ مِنْ إِعْطَاءِ مُحْتَاجِهِمْ، وَتَعْلِيمِ جَاهِلِهِمْ، وَالْقِيَامِ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَمُسَاعَدَتِهِمْ عَلَى الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، {أُولَئِكَ} الَّذِينَ قَامُوا بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ، الَّذِينَ وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِاقْتِحَامِ هَذِهِ الْعَقَبَةِ {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}؛ لِأَنَّهُمْ أَدَّوْا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ حُقُوقِهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَتَرَكُوا مَا نَهَوْا عَنْهُ، وَهَذَا عُنْوَانُ السَّعَادَةِ وَعَلَامَتُهَا)).

((سُبُلُ اسْتِمْطَارِ رَحَمَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِذَا فَتَحَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى الْعَبْدِ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ نَالَهُ كُلُّ خَيْرٍ، وَأَدْرَكَ بِهِ كُلُّ بِرٍّ، {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2].

((يَقُولُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ-: مَفَاتِيحُ الْخَيْرِ وَمَغَالِقُهُ كُلُّهَا بِيَدِهِ؛ فَمَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ خَيْرٍ فَلَا مُغْلِقَ لَهُ، وَلَا مُمْسِكَ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرُهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَمْرَهُ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ مَا يُغْلِقُ مِنْ خَيْرٍ عَنْهُمْ فَلَا يَبْسُطُهُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَفْتَحُهُ لَهُمْ، فَلَا فَاتِحَ لَهُ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَيْهِ وَلَهُ)).

((ذَكَرَ انْفِرَادَهُ -تَعَالَى- بِالتَّدْبِيرِ وَالْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ فَقَالَ: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ} مِنْ رَحْمَتِهِ عَنْهُمْ {فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ}؛ فَهَذَا يُوجِبُ التَّعَلُّقَ بِاللَّهِ -تَعَالَى-، وَالِافْتِقَارَ إِلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَأَلَّا يُدْعَى إِلَّا هُوَ، وَلَا يُخَافَ وَيُرْجَى إِلَّا هُوَ، {وَهُوَ الْعَزِيزُ} الَّذِي قَهَرَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا {الْحَكِيمُ} الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا وَيُنْزِلُهَا مَنَازِلَهَا)).

 فَتَعَرَّضُوا لِرَحْمَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، سَلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ، خُذُوا بِأَسْبَابِ الْفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ، فَقَدْ بَيَّنَهَا لَكُمْ فِي كِتَابِهِ، وَبَيَّنَهَا لَكُمْ رَسُولُهُ فِي سُنَّتِهِ، بِقَدْرِ مَا يَكُونُ مَعَكَ مِنْ أَسْبَابِ الرَّحْمَةِ يَكُونُ نَصِيبُكَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، فَالنَّاسُ بَيْنَ مُسْتَقَلٍّ وَمُسْتَكْثِرٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156].

(({وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَلَا مَخْلُوقَ إِلَّا وَقَدْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَغَمَرَهُ فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ، وَلَكِنَّ الرَّحْمَةَ الْخَاصَّةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَيْسَتْ لِكُلِّ أَحَدٍ)).

(({وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} آيَةٌ عَظِيمَةُ الشُّمُولِ وَالْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ إِخْبَارًا عَنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَمَنْ حَوْلَهُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غَافِر: 7].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلاَةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ: ((اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا)). فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: «لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا»؛ يُرِيدُ رَحْمَةَ اللهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنْ لِلهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنْهَا رَحْمَةٌ يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوُحُوشُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)))).

((مِنْ سُبُلِ اسْتِمْطَارِ رَحَمَاتِ اللهِ:

التَّوْبَةُ وَالدُّعَاءُ وَالتَّأَلُّهُ للهِ -جَلَّ وَعَلَا- ))

إِنَّ لِمَغْفِرَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَرَحْمَتِهِ وَنَيْلِهِمَا أَسْبَابًا؛ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا الْعَبْدُ فَقَدْ أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، أَعْظَمُهَا وَأَجَلُّهَا الْإِنَابَةُ إِلَى اللهِ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَالتَّأَلُّهِ وَالتَّعَبُّدِ، فَهَلُمَّ إِلَى هَذَا السَّبَبِ الْأَجَلِّ وَالطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ!

((وَلِهَذَا أَمَرَ -تَعَالَى- بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ؛ فَقَالَ: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} بِقُلُوبِكُمْ، {وَأَسْلِمُوا لَهُ} بِجَوَارِحِكُمْ، إِذَا أُفْرِدَتِ الْإِنَابَةُ دَخَلَتْ فِيهَا أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ، وَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا -كَمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ- كَانَ الْمَعْنَى كَمَا مَرَّ.

وَفِي قَوْلِهِ: {إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} دَلِيلٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَأَنَّهُ مِنْ دُونِ إِخْلَاصٍ لَا تُفِيدُ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ شَيْئًا، {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ} مَجِيئًا لَا يُدْفَعُ، {ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [الزمر: 54]، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: مَا هِيَ الْإِنَابَةُ وَالْإِسْلَامُ؟ وَمَا جُزْئِيَّاتُهَا وَأَعْمَالُهَا؟

فَأَجَابَ -تَعَالَى- بِقَوْلِهِ: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر: 55]، مِمَّا أَمَرَكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ؛ كَمَحَبَّةِ اللهِ وَخَشْيَتِهِ، وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ، وَالنُّصْحِ لِعِبَادِهِ، وَمَحَبَّةِ الْخَيْرِ لَهُمْ، وَتَرْكِ مَا يُضَادُّ ذَلِكَ، وَمِنَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا، فَالْمُتَتَبِّعُ لِأَوَامِرِ رَبِّهِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَنَحْوِهَا هُوَ الْمُنِيبُ الْمُسْلِمُ، {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الزمر: 55].  

وَكُلُّ هَذَا حَثٌّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ وَانْتِهَازِ الْفُرْصَةِ)).

وَقَدْ أَرْشَدَنَا اللهُ إِلَى أَنْ نَدْعُوَهُ أَنْ يَهَبَنَا مِنْ رَحْمَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10].

(({رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} أَيْ: هَبْ لَنَا مِنْ عِنْدِكَ رَحْمَةً تَرْحَمُنَا بِهَا وَتَسْتُرُنَا عَنْ قَوْمِنَا، {وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} أَيْ: وَقَدِّرْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا هَذَا رَشَدًا، أَيْ: اجْعَلْ عَاقِبَتَنَا رَشَدًا)).  

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118].

(({وَقُلْ} دَاعِيًا لِرَبِّكَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ {رَبِّ اغْفِرْ} لَنَا حَتَّى تُنْجِيَنَا مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَارْحَمْنَا؛ لِتُوصِلَنَا بِرَحْمَتِكَ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ {وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}، فَكُلُّ رَاحِمٍ لِلْعَبْدِ فَاللَّهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْهُ، أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، وَأَرْحَمُ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ)).

((مِنْ سُبُلِ اسْتِمْطَارِ رَحَمَاتِ اللهِ:

الْإِيمَانُ وَتَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ))

إِنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تُنَالُ بِهَا رَحْمَةُ اللهِ كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ، فَمَا عَلَى الْعَبْدِ إِلَّا أَنْ يَجْتَهِدَ فِي سُلُوكِ مَا اسْتَطَاعَ مِنْهَا لِيَنَالَ رَحْمَةَ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ اسْتِمْطَارِ رَحَمَاتِ اللهِ: الْإِيمَانُ وَتَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الجاثية: 30].

(({فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إِيمَانًا صَحِيحًا وَصَدَقُوا إِيمَانَهُمْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ وَاجِبَاتٍ وَمُسْتَحَبَّاتٍ {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ} الَّتِي مَحَلُّهَا الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالْعَيْشِ السَّلِيمِ، {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} أَيِ: الْمَفَازُ وَالنَّجَاةُ وَالرِّبْحُ وَالْفَلَاحُ الْوَاضِحُ الْبَيِّنُ الَّذِي إِذَا حَصَلَ لِلْعَبْدِ حَصَلَ لَهُ كُلُّ خَيْرٍ وَانْدَفَعَ عَنْهُ كُلُّ شَرٍّ)).

(({فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَوَحَّدُوهُ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ}: يَعْنِي فِي جَنَّتِهِ بِرَحْمَتِهِ.

{ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} يَقُولُ: دُخُولُهُمْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ -يَوْمَئِذٍ- هُوَ الظَّفَرُ بِمَا كَانُوا يَطْلُبُونَهُ، وَإِدْرَاكُ مَا كَانُوا يَسْعَوْنَ فِي الدُّنْيَا لَهُ، الْمُبِينُ غَايَتَهُمْ فِيهَا، أَنَّهُ هُوَ الْفَوْزُ)).

قَالَ ﷺ: ((حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ -تَعَالَى- أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَيَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ ابْنِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدْ ‏امْتَحشُوا ‏ ‏فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ)).

((مِنْ سُبُلِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ:

الْإِخْلَاصُ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-) ))

مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ بِهَا رَحَمَاتُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: الْإِخْلَاصُ لَهُ -سُبْحَانَهُ-، ((فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ تَزَيَّنَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ شَانَهُ اللَّهُ.

إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا خَلَصَتْ نِيَّتُهُ لِلَّهِ -تَعَالَى-، وَكَانَ قَصْدُهُ وَهَمُّهُ وَعَمَلُهُ لِوَجْهِهِ -سُبْحَانَهُ- كَانَ اللَّهُ مَعَهُ؛ فَإِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وَرَأْسُ التَّقْوَى وَالْإِحْسَانِ خُلُوصُ النِّيَّةِ لِلَّهِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ- لَا غَالِبَ لَهُ، فَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَغْلِبُهُ أَوْ يَنَالُهُ بِسُوءٍ؟!! فَإِنْ كَانَ اللَّهُ مَعَ الْعَبْدِ فَمَنْ يَخَافُ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَمَنْ يَرْجُو؟ وَبِمَنْ يَثِقُ؟ وَمَنْ يَنْصُرُهُ مِنْ بَعْدِهِ؟

فَإِذَا قَامَ الْعَبْدُ بِالْحَقِّ عَلَى غَيْرِهِ وَعَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا، وَكَانَ قِيامُهُ بِاللَّهِ وَلِلَّهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَادَتْهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ لَكَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَتَهَا، وَجَعَلَ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا)).

قَالَ تَعَالَى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2].

((مَا يَفْتَحُ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رِزْقٍ وَمَطَرٍ وَصِحَّةٍ وَعِلْمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ فَلَا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يُمْسِكَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ، وَمَا يُمْسِك مِنْهَا فَلَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرْسِلَهَا بَعْدَهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْقَاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْحَكِيمُ الَّذِي يُرْسِلُ الرَّحْمَةَ وَيُمْسِكُهَا وَفْقَ حِكْمَتِهِ)).

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36].

((أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ مُحَمَّدًا وَعِيدَ الْمُشْرِكِينَ وَكَيْدَهُمْ مِنْ أَنْ يَنَالُوهُ بِسُوءٍ؟ بَلَى إِنَّهُ سَيَكْفِيهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ، وَيُخَوِّفُونَكَ -أَيُّهَا الرَّسُولُ- بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا سَتُؤْذِيكَ، وَمَنْ يَخْذُلُهُ اللهُ فَيُضِلُّهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ يَهْدِيهِ إِلَيْهِ)).

((مِنْ سُبُلِ اسْتِمْطَارِ رَحَمَاتِ اللهِ:

اتِّبَاعُ كِتَابِ اللهِ وَالْعَمَلُ بِهِ))

مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُنَالُ بِهَا رَحْمَةُ اللهِ: اتِّبَاعُ كِتَابِ اللهِ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَالِاسْتِمَاعُ وَالْإِنْصَاتُ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155].

((وَهَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} أَيْ: فِيهِ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ وَالْعِلْمُ الْغَزِيرُ، وَهُوَ الَّذِي تُسْتَمَدُّ مِنْهُ سَائِرُ الْعُلُومِ، وَتُسْتَخْرَجُ مِنْهُ الْبَرَكَاتُ، فَمَا مِنْ خَيْرٍ إِلَّا وَقَدْ دَعَا إِلَيْهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، وَذَكَرَ الْحِكَمَ وَالْمَصَالِحَ الَّتِي تَحُثُّ عَلَيْهِ، وَمَا مِنْ شَرٍّ إِلَّا وَقَدْ نَهَى عَنْهُ وَحَذَّرَ مِنْهُ، وَذَكَرَ الْأَسْبَابَ الْمُنَفِّرَةَ عَنْ فِعْلِهِ وَعَوَاقِبَهَا الْوَخِيمَةَ، {فَاتَّبِعُوهُ} فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى، وَابْنُوا أُصُولَ دِينِكُمْ وَفُرُوعَهُ عَلَيْهِ، {وَاتَّقُوا} اللَّهَ -تَعَالَى- أَنْ تُخَالِفُوا لَهُ أَمْرًا {لَعَلَّكُمْ} إِنِ اتَّبَعْتُمُوهُ {تُرْحَمُونَ}؛ فَأَكْبَرُ سَبَبٍ لِنَيْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ اتِّبَاعُ هَذَا الْكِتَابِ عِلْمًا وَعَمَلًا)).

(({وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}: وَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ}: فَاجْعَلُوهُ إِمَامًا تَتَّبِعُونَهُ وَتَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ -أَيُّهَا النَّاسُ- {وَاتَّقُوا}: وَاحْذَرُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوا الْعَمَلَ بِمَا فِيهِ، وَتَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ، وَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَهُ، {لَعَلَّكُمْ تَرْحَمُونَ}: لِتُرْحَمُوا، فَتَنْجُوا مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَأَلِيمِ عِقَابِهِ)).

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204].

((يَقُولُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ- لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ، الْمُصَدِّقِينَ بِكِتَابِهِ، الَّذِينَ الْقُرْآنُ لَهُمْ هُدًى وَرَحْمَةٌ: {وَإِذَا قُرِئَ} عَلَيْكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- {الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ}: أَصْغُوا لَهُ سَمْعَكُمْ؛ لِتَتَفَهَّمُوا آيَاتِهِ، وَتَعْتَبِرُوا بِمَوَاعِظِهِ {وَأَنْصِتُوا} إِلَيْهِ لِتَعْقِلُوهُ وَتَتَدَبَّرُوهُ، وَلَا تَلْغُوا فِيهِ فَلَا تَعْقِلُوهُ {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون}: لِيَرْحَمَكُمْ رَبُّكُمْ بِاتِّعَاظِكُمْ بِمَوَاعِظِهِ، وَاعْتِبَارِكُمْ بِعِبَرِهِ، وَاسْتِعْمَالِكُمْ مَا بَيَّنَهُ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ فِي آيِهِ)).

(({وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}: هَذَا الْأَمْرُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ سَمِعَ كِتَابَ اللَّهِ يُتْلَى، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِمَاعِ لَهُ وَالْإِنْصَاتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ أَنَّ الْإِنْصَاتَ فِي الظَّاهِرِ بِتَرْكِ التَّحَدُّثِ أَوِ الِاشْتِغَالِ بِمَا يَشْغَلُ عَنِ اسْتِمَاعِهِ، وَأَمَّا الِاسْتِمَاعُ لَهُ فَهُوَ أَنْ يُلْقِيَ سَمْعَهُ، وَيُحْضِرَ قَلْبَهُ وَيَتَدَبَّرَ مَا يَسْتَمِعُ، فَإِنَّ مَنْ لَازَمَ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ حِينَ يُتْلَى كِتَابُ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنَالُ خَيْرًا كَثِيرًا وَعِلْمًا غَزِيرًا، وَإِيمَانًا مُسْتَمِرًّا مُتَجَدِّدًا، وَهُدًى مُتَزَايِدًا، وَبَصِيرَةً فِي دِينِهِ.

وَلِهَذَا رَتَّبَ اللَّهُ حُصُولَ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ تُلِيَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَلَمْ يَسْتَمِعْ لَهُ وَيُنْصِتْ أَنَّهُ مَحْرُومُ الْحَظِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، قَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ)).

وَعَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فَيَمَنْ عِنْدَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

لَقَدْ وَصَفَ اللهُ كِتَابَهُ بِأَوْصَافٍ جَلِيلَةٍ عَظِيمَةٍ تَنْطَبِقُ عَلَى جَمِيعِهِ، وَتَدُلُّ أَكْبَرَ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْأَسَاسُ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَالْفُنُونِ الْمُرْشِدَةِ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَصَفَهُ بِأَنَّهُ رَحْمَةٌ، وَهِيَ الْخَيْرُ الدِّينِيُّ وَالدُّنْيَوِيُّ وَالْأُخْرَوِيُّ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الِاهْتِدَاءِ بِالْقُرْآنِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْظَمَ اهْتِدَاءً بِهِ فَلَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ وَالْفَلَاحِ بِحَسَبِ ذَلِكَ.

 

((مِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ:

طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ هُنَاكَ طُرُقًا كَثِيرَةً وَأَسْبَابًا عَدِيدَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَجْلِبَ رَحْمَةَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمِنْ أَعْظَمِ وَأَجَلِّ تِلْكَ الْأَسْبَابِ: الْإِيمَانُ بِاللهِ، وَالتَّقْوَى، وَاتِّبَاعُ رَسُولِهِ ﷺ، وَطَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 156-157].

(({وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَلَا مَخْلُوقَ إِلَّا وَقَدْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَغَمَرَهُ فَضْلُهُ وَإِحْسَانُهُ، وَلَكِنَّ الرَّحْمَةَ الْخَاصَّةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَيْسَتْ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلِهَذَا قَالَ عَنْهَا: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الْمَعَاصِيَ صِغَارَهَا وَكِبَارَهَا، {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} الْوَاجِبَةَ مُسْتَحِقِّيهَا، {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.

وَمِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ بِآيَاتِ اللَّهِ مَعْرِفَةُ مَعْنَاهَا، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا، وَمِنْ ذَلِكَ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ.

{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} احْتِرَازٌ عَنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﷺ، وَالسِّيَاقُ فِي أَحْوَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ شَرْطٌ فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ الْمُتَّبِعِينَ هُمْ أَهْلُ الرَّحْمَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَوَصَفَهُ بِالْأُمِّيِّ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَرَبِ الْأُمَّةِ الْأُمِّيَّةِ، الَّتِي لَا تَقْرَأُ وَلَا تَكْتُبُ، وَلَيْسَ عِنْدَهَا قَبْلَ الْقُرْآنِ كِتَابٌ.

{الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ الَّتِي مِنْ أَعْظَمِهَا وَأَجَلِّهَا مَا يَدْعُو إِلَيْهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ كُلُّ مَا عُرِفَ حُسْنُهُ وَصَلَاحُهُ وَنَفْعُهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَهُوَ كُلُّ مَا عُرِفَ قُبْحُهُ فِي الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ.

فَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْجَارِ وَالْمَمْلُوكِ، وَبَذْلِ النَّفْعِ لِسَائِرِ الْخَلْقِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ، وَالْبِرِّ، وَالنَّصِيحَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَنْهَى عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وَقَتْلِ النُّفُوسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالزِّنَا، وَشُرْبِ مَا يُسْكِرُ الْعَقْلَ، وَالظُّلْمِ لِسَائِرِ الْخَلْقِ، وَالْكَذِبِ، وَالْفُجُورِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَأَعْظَمُ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ مَا دَعَا إِلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَأَحَلَّهُ وَحَرَّمَهُ، فَإِنَّهُ {يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَنَاكِحِ، {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَنَاكِحِ، وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.

{وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} أَيْ: وَمِنْ وَصْفِهِ أَنَّ دِينَهُ سَهْلٌ سَمْحٌ مُيَسَّرٌ، لَا إِصْرَ فِيهِ، وَلَا أَغْلَالَ، وَلَا مَشَقَّاتِ وَلَا تَكَالِيفَ ثِقَالًا.

{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ} أَيْ: عَظَّمُوهُ وَبَجَّلُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وَهُوَ الْقُرْآنُ، الَّذِي يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الشَّكِّ وَالْجَهَالَاتِ، وَيُقْتَدَى بِهِ إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَقَالَاتُ، {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الظَّافِرُونَ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالنَّاجُونَ مِنْ شَرِّهِمَا؛ لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِأَكْبَرِ أَسْبَابِ الْفَلَاحِ.

وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَذَا النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَيُعَزِّرْهُ، وَيَنْصُرْهُ، وَلَمْ يَتَّبِعِ النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)).

يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى- فِي آيَةٍ أُخْرَى فِي بَيَانِ مَنْ سَيَنَالُونَ رَحْمَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].

((وَأَمَّا {الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} وَهُمُ الْمُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَآيَاتِ كِتَابِهِ إِنَّ صِفَتَهُمْ: أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْصَارُ بَعْضٍ وَأَعْوَانُهُمْ {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ}: يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}: وَيُؤَدُّونَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}: وَيُعْطُونَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ أَهْلَهَا، {وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: فَيَأْتَمِرُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَيَاهُمْ عَنْهُ.

{أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ}: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمُ الَّذِينَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ، فَيُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِهِ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتَهُ، لَا أَهْلَ النِّفَاقِ وَالتَّكْذِيبِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، النَّاهُونَ عَنِ الْمَعْرُوفِ، الْآمِرُونَ بِالْمُنْكِرِ، الْقَابِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.

{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: إِنَّ اللَّهَ ذُو عِزَّةٍ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَكُفْرِهِ بِهِ، لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الِانْتِقَامِ مِنْهُ مَانِعٌ، وَلَا يَنْصُرُهُ مِنْهُ نَاصِرٌ {حَكِيمٌ} فِي انْتِقَامِهِ مِنْهُمْ وَفِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ)).

((إِنَّ تَرْكَ الْمَعَاصِي يُنْجِي مِنَ النَّارِ، وَيَقِي مِنْ سَخَطِ الْجَبَّارِ، وَأَفْعَالُ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ تُوجِبُ رِضَا الرَّحْمَنِ، وَدُخُولَ الْجِنَانِ، وَحُصُولَ الرَّحْمَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} بِفِعْلِ الْأَوَامِرِ امْتِثَالًا وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، فَطَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ الرَّحْمَةِ)).

تُنَالُ رَحْمَةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِتَقْوَاهُ كَمَا ذَكَرَ اللهُ: {وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 63].

((وَتَفْعَلُوا الْأَسْبَابَ الْمُنْجِيَةَ مِنَ اسْتِعْمَالِ تَقْوَى اللهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَبِذَلِكَ تَحْصُلُ عَلَيْهِمْ وَتَنْزِلُ رَحْمَةُ اللهِ الْوَاسِعَةِ)).

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28].

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا! امْتَثِلُوا أَوَامِرَ اللهِ وَاجْتَنِبُوا نَوَاهِيهِ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ؛ يُؤْتِكُمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ لِعِبَادِهِ، رَحِيمٌ بِهِمْ)).

رَحْمَةُ اللهِ تُنَالُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ ﷺ، فَلِلهِ كَمْ مِنَ الرَّحَمَاتِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ يَتْلُونَ كِتَابَهُ وَيَرْكَعُونَ لَهُ وَيَسْجُدُونَ، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56].

((يَأْمُرُ -تَعَالَى- بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ بِأَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا وَآدَابِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَبِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي اسْتَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعِبَادَ، وَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا، بِأَنْ يُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ لِمَصْرِفِ الزَّكَاةِ، فَهَذَانِ أَكْبَرُ الطَّاعَاتِ وَأَجَلُّهُمَا، جَامِعَتَانِ لَحَقِّهِ وَحَقِّ خَلْقِهِ، لِلْإِخْلَاصِ لِلْمَعْبُودِ وَلِلْإِحْسَانِ إِلَى الْعَبِيدِ.

ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِمَا الْأَمْرَ الْعَامَّ فَقَالَ: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ}: وَذَلِكَ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ {لَعَلَّكُمْ} حِينَ تَقُومُونَ بِذَلِكَ {تُرْحَمُونَ}؛ فَمَنْ أَرَادَ الرَّحْمَةَ فَهَذَا طَرِيقُهَا، وَمَنْ رَجَاهَا مِنْ دُونِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَإِطَاعَةِ الرَّسُولِ فَهُوَ مُتَمَنٍّ كَاذِبٌ، وَقَدْ مَنَّتْهُ نَفْسُهُ الْأَمَانِي الْكَاذِبَةَ)).

((مِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ:

الِاسْتِغْفَارُ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ تُكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل: 46].

(({قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} أَيْ: لِمَ تُبَادِرُونَ فِعْلَ السَّيِّئَاتِ وَتَحْرِصُونَ عَلَيْهَا قَبْلَ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ، الَّتِي بِهَا تَحْسُنُ أَحْوَالُكُمْ وَتَصْلُحُ أُمُورُكُمُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ؟ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا مُوجِبَ لَكُمْ إِلَى الذَّهَابِ لِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ.

{لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ} بِأَنْ تَتُوبُوا مِنْ شِرْكِكُمْ وَعِصْيَانِكُمْ، وَتَدْعُونَ أَنْ يَغْفِرَ لَكُمْ، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذُّنُوبِ هُوَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)).

وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90].

((يَقُولُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ- مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ شُعَيْبٍ لِقَوْمِهِ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ ذُنُوبِكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمُ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا مُقِيمُونَ؛ مِنْ عِبَادَةِ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ، وَبَخْسِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ، {ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ}: ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى طَاعَتِهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ}: هُوَ رَحِيمٌ بِمَنْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ أَنْ يُعَذِّبَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ {وَدُودٌ}: ذُو مَحَبَّةِ لِمَنْ أَنَابَ وَتَابَ إِلَيْهِ، يَوَدُّهُ وَيُحِبُّهُ)).

((مِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ:

الْإِحْسَانُ))

مِنْ أَسْبَابِ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: الْإِحْسَانُ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56].

(({إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، الْمُحْسِنِينَ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، فَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَكْثَرَ إِحْسَانًا كَانَ أَقْرَبَ إِلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ، وَكَانَ رَبُّهُ قَرِيبًا مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ، وَفِي هَذَا مِنَ الْحَثِّ عَلَى الْإِحْسَانِ مَا لَا يَخْفَى)).

((لَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ: الْإِحْسَانُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ النَّافِعِ.

وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: قَضَاءُ حَوَائِجِ النَّاسِ؛ مِنْ تَفْرِيجِ كُرُبَاتِهِمْ، وَإِزَالَةِ شِدَّاتِهِمْ، وَعِيَادَةِ مَرْضَاهُمْ، وَتَشْيِيعِ جَنَائِزِهِمْ، وَإِرْشَادِ ضَالِّهِمْ، وَإِعَانَةِ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا، وَالْعَمَلِ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَمَلَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنَ الْإِحْسَانِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ.

وَيَدْخُلُ فِي الْإِحْسَانِ -أَيْضًا-: الْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى)).

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].

وَأَحْسِنُوا الْعَمَلَ مَعَ اللهِ -تَعَالَى-؛ بِالْقِيَامِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ، وَصِدْقِ النِّيَّةِ.

وَأَحْسِنُوا الْعَمَلَ مَعَ خَلْقِ اللهِ؛ بِالْبِرِّ، وَالْعَفْوِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُكُمْ نَفَقَتُهُ.

إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَيُثِيبُهُمْ عَلَى إِحْسَانِهِمْ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّهُ اللهُ أَكْرَمَهُ، وَأَدْخَلَهُ فِي رَحْمَتِهِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].

وَالْإِحْسَانُ نَوْعَانِ:

*الْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ.

*وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِ.

فَالْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحِ))- فَقَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)).

وَأَمَّا الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِ؛ فَهُوَ إِيصَالُ النَّفْعِ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ إِلَيْهِمْ، وَدَفْعُ الشَّرِّ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ عَنْهُمْ.

فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُ جَاهِلِهِمْ، وَوَعْظُ غَافِلِهِمْ، وَالنَّصِيحَةُ لِعَامَّتِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ، وَالسَّعْيُ فِي جَمْعِ كَلِمَتِهِمْ، وَإِيصَالُ الصَّدَقَاتِ وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ إِلَيْهِمْ، عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَتَبَايُنِ أَوْصَافِهِمْ.

فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَذْلُ النَّدَى، وَكَفُّ الْأَذَى، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى، كَمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ الْمُتَّقِينَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ.

فَمَنْ قَامَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ؛ فَقَد قَامَ بِحَقِّ اللهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ.

((مِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ:

الْإِيمَانُ وَالْهِجْرَةُ وَالْجِهَادُ))

مِنْ أَسْبَابِ رَحْمَةِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ: الْإِيمَانُ وَالْهِجْرَةُ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218].

((هَذِهِ الْأَعْمَالُ الثَّلَاثَةُ هِيَ عُنْوَانُ السَّعَادَةِ وَقُطْبُ رَحَى الْعُبُودِيَّةِ، وَبِهَا يُعْرَفُ مَا مَعَ الْإِنْسَانِ مِنَ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ.

فَأَمَّا الْإِيمَانُ فَلَا تَسْأَلُ عَنْ فَضِيلَتِهِ، وَكَيْفَ تَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ هُوَ الْفَاصِلُ بَيْنَ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاوَةِ، وَأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ وَهُوَ الَّذِي إِذَا كَانَ مَعَ الْعَبْدِ قُبِلَتْ أَعْمَالُ الْخَيْرِ مِنْهُ، وَإِذَا عُدِمَ مِنْهُ لَمْ يُقْبَلْ لَهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَلَا فَرْضٌ وَلَا نَفْلٌ.

وَأَمَّا الْهِجْرَةُ: فَهِيَ مُفَارَقَةُ الْمَحْبُوبِ الْمَأْلُوفِ لِرِضَا اللَّهِ -تَعَالَى-، فَيَتْرُكُ الْمُهَاجِرُ وَطَنَهُ وَأَمْوَالَهُ وَأَهْلَهُ وَخُلَّانَهُ، تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ وَنُصْرَةً لِدِينِهِ.

وَأَمَّا الْجِهَادُ: فَهُوَ بَذْلُ الْجُهْدِ فِي مُقَارَعَةِ الْأَعْدَاءِ، وَالسَّعْيُ التَّامُّ فِي نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ وَقَمْعِ دِينِ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ ذُرْوَةُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَجَزَاؤُهُ أَفْضَلُ الْجَزَاءِ، وَهُوَ السَّبَبُ الْأَكْبَرُ لِتَوْسِيعِ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، وَخِذْلَانِ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ، وَأَمْنِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، فَمَنْ قَامَ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ الثَّلَاثَةِ عَلَى لَأْوَائِهَا وَمَشَقَّتِهَا كَانَ لِغَيْرِهَا أَشَدَّ قِيَامًا بِهِ وَتَكْمِيلًا.

فَحَقِيقٌ بِهَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الرَّاجُونَ رَحْمَةَ اللهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَتَوْا بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلرَّحْمَةِ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْقِيَامِ بِأَسْبَابِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا الرَّجَاءُ الْمُقَارِنُ لِلْكَسَلِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِالْأَسْبَابِ فَهَذَا عَجْزٌ وَتَمَنٍّ وَغُرُورٌ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ هِمَّةِ صَاحِبِهِ، وَنَقْصِ عَقْلِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَرْجُو وُجُودَ وَلَدٍ بِلَا نِكَاحٍ، وَوُجُودِ الْغَلَّةِ بِلَا بَذْرٍ وَسَقْيٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

وَفِي قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ وَلَوْ أَتَى مِنَ الْأَعْمَالِ بِمَا أَتَى بِهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهَا وَيُعَوِّلَ عَلَيْهَا، بَلْ يَرْجُوَ رَحْمَةَ رَبِّهِ، وَيَرْجُوَ قَبُولَ أَعْمَالِهِ وَمَغْفِرَةَ ذُنُوبِهِ وَسَتْرَ عُيُوبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَاللَّهُ غَفُورٌ} أَيْ: لِمَنْ تَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا {رَحِيمٌ} وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَعَمَّ جُودُهُ وَإِحْسَانُهُ كُلَّ حَيٍّ.

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَامَ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ الْمَذْكُورَةِ حَصَلَ لَهُ مَغْفِرَةُ اللَّهِ؛ إِذِ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، وَحَصَلَتْ لَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَإِذَا حَصَلَتْ لَهُ الْمَغْفِرَةُ انْدَفَعَتْ عَنْهُ عُقُوبَاتُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ آثَارُ الذُّنُوبِ الَّتِي قَدْ غُفِرَتْ وَاضْمَحَلَّتْ آثَارُهَا، وَإِذَا حَصَلَتْ لَهُ الرَّحْمَةُ حَصَلَ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بَلْ أَعْمَالُهُمِ الْمَذْكُورَةُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ، فَلَوْلَا تَوْفِيقُهُ إِيَّاهُمْ لَمْ يُرِيدُوهَا، وَلَوْلَا إِقْدَارُهُمْ عَلَيْهَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا، وَلَوْلَا إِحْسَانُهُ لَمْ يُتِمَّهَا وَيَقْبَلْهَا مِنْهُمْ، فَلَهُ الْفَضْلُ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَهُوَ الَّذِي مَنَّ بِالسَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ)).

((مِنْ سُبُلِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ:

خَشْيَةُ اللهِ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ))

مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِرَحْمَةِ اللهِ -تَعَالَى-: خَشْيَةُ اللهِ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَخَوْفُ اللهِ وَرَجَاؤُهُ يُورِثَانِ الْعَبْدَ فَضْلَ اللهِ وَرَحْمَتَهُ وَغُفْرَانَهُ، قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154].

(({وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} أَيْ: سَكَنَ غَضَبُهُ، وَتَرَاجَعَتْ نَفْسُهُ، وَعَرَفَ مَا هُوَ فِيهِ، اشْتَغَلَ بِأَهَمِّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ، فَـ{أَخَذَ الأَلْوَاحَ} الَّتِي أَلْقَاهَا، وَهِيَ أَلْوَاحٌ عَظِيمَةُ الْمِقْدَارِ، جَلِيلَةٌ {وَفِي نُسْخَتِهَا} أَيْ: مُشْتَمِلَةٌ وَمُتَضَمِّنَةٌ {هُدًى وَرَحْمَةٌ} أَيْ: فِيهَا الْهُدَى مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَيَانُ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَأَعْمَالُ الْخَيْرِ وَأَعْمَالُ الشَّرِّ، وَالْهُدَى لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، وَرَحْمَةٌ وَسَعَادَةٌ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا، وَعَلِمَ أَحْكَامَهَا وَمَعَانِيَهَا، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَقْبَلُ هُدَى اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ ذَلِكَ وَيَنْقَادُ لَهُ وَيَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ الَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ؛ أَيْ: يَخَافُونَ مِنْهُ وَيَخْشَوْنَهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ وَلَا الْمَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَزْدَادُ بِهَا إِلَّا عُتُوًّا وَنُفُورًا وَتَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةُ اللَّهِ فِيهَا)).

(({وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ}: لِلَّذِينِ يَخَافُونَ اللَّهَ وَيَخْشَوْنَ عِقَابَهُ عَلَى مَعَاصِيهِ)).

وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((أَنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ -أَيْ: رَزَقَهُ- اللَّهُ مَالًا، فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟

قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ.

قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ؛ فَإِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-.

فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ؟

قَالَ: مَخَافَتُكَ، فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ)).

((مِنْ أَسْبَابِ اسْتِمْطَارِ رَحَمَاتِ اللهِ:

الصَّبْرُ عِنْدَ الْبَلَاءِ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِرَحْمَةِ اللهِ -تَعَالَى-: الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157].

((أَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْتَلِيَ عِبَادَهُ بِالْمِحَنِ، لِيَتَبَيَّنَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَالْجَازِعُ مِنَ الصَّابِرِ، وَهَذِهِ سُنَّتُهُ -تَعَالَى- فِي عِبَادِهِ، لِأَنَّ السَّرَّاءَ لَوِ اسْتَمَرَّتْ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَعَهَا مِحْنَةٌ، لَحَصَلَ الِاخْتِلَاطُ الَّذِي هُوَ فَسَادٌ، وَحِكْمَةُ اللَّهِ تَقْتَضِي تَمْيِيزَ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ.

هَذِهِ فَائِدَةُ الْمِحَنِ، لَا إِزَالَةُ مَا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا رَدُّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ سَيَبْتَلِي عِبَادَهُ {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} مِنَ الْأَعْدَاءِ {وَالْجُوعِ} أَيْ: بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْهُمَا; لِأَنَّهُ لَوِ ابْتَلَاهُمْ بِالْخَوْفِ كُلِّهِ أَوِ الْجُوعِ لَهَلَكُوا، وَالْمِحَنُ تُمَحِّصُ لَا تُهْلِكُ.

{وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ}: وَهَذَا يَشْمَلُ جَمِيعَ النَّقْصِ الْمُعْتَرِي لِلْأَمْوَالِ مِنْ جَوَائِحَ سَمَاوِيَّةٍ، وَغَرَقٍ، وَضَيَاعٍ، وَأَخْذِ الظَّلَمَةِ لِلْأَمْوَالِ مِنَ الْمُلُوكِ الظَّلَمَةِ وَقَطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ {وَالأَنْفُسِ} أَيْ: ذَهَابُ الْأَحْبَابِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَصْحَابِ، وَمِنْ أَنْوَاعِ الْأَمْرَاضِ فِي بَدَنِ الْعَبْدِ، أَوْ بَدَنِ مَنْ يُحِبُّهُ، {وَالثَّمَرَاتِ} أَيِ: الْحُبُوبِ وَثِمَارِ النَّخِيلِ وَالْأَشْجَارِ كُلِّهَا وَالْخُضَرِ، بِبَرْدٍ أَوْ بَرَدٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ آفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ مِنْ جَرَادٍ وَنَحْوِهِ.

فَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ، لِأَنَّ الْعَلِيمَ الْخَبِيرَ أَخْبَرَ بِهَا، فَوَقَعَتْ كَمَا أَخْبَرَ، فَإِذَا وَقَعَتِ انْقَسَمَ النَّاسُ قِسْمَيْنِ: جَازِعِينَ وَصَابِرِينَ، فَالْجَازِعُ حَصَلَتْ لَهُ الْمُصِيبَتَانِ؛ فَوَاتُ الْمَحْبُوبِ، وَهُوَ وُجُودُ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ، وَفَوَاتُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا، وَهُوَ الْأَجْرُ بِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ بِالصَّبْرِ، فَفَازَ بِالْخَسَارَةِ وَالْحِرْمَانِ، وَنَقَصَ مَا مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَفَاتَهُ الصَّبْرُ وَالرِّضَا وَالشُّكْرَانُ، وَحَصَلَ لَهُ السَّخَطُ الدَّالُّ عَلَى شِدَّةِ النُّقْصَانِ.

وَأَمَّا مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِلصَّبْرِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الْمَصَائِبِ، فَحَبَسَ نَفْسَهُ عَنِ التَّسَخُّطِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَاحْتَسَبَ أَجْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَعَلِمَ أَنَّ مَا يُدْرِكُهُ مِنَ الْأَجْرِ بِصَبْرِهِ أَعْظَمُ مِنَ الْمُصِيبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ، بَلِ الْمُصِيبَةُ تَكُونُ نِعْمَةً فِي حَقِّهِ، لِأَنَّهَا صَارَتْ طَرِيقًا لِحُصُولِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْفَعُ مِنْهَا، فَقَدِ امْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ، وَفَازَ بِالثَّوَابِ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} أَيْ: بَشِّرْهُمْ بِأَنَّهُمْ يُوَفَّوْنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَالصَّابِرُونَ هُمُ الَّذِينَ فَازُوا بِالْبِشَارَةِ الْعَظِيمَةِ، وَالْمِنْحَةِ الْجَسِيمَةِ.

ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ}: وَهِيَ كُلُّ مَا يُؤْلِمُ الْقَلْبَ أَوِ الْبَدَنَ أَوْ كِلَيْهِمَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، {قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} أَيْ: مَمْلُوكُونَ لِلَّهِ، مُدَبَّرُونَ تَحْتَ أَمْرِهِ وَتَصْرِيفِهِ، فَلَيْسَ لَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا شَيْءٌ، فَإِذَا ابْتَلَانَا بِشَيْءٍ مِنْهَا، فَقَدْ تَصَرَّفَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ بِمَمَالِيكِهِ وَأَمْوَالِهِمْ، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، بَلْ مِنْ كَمَالِ عُبُودِيَّةِ الْعَبْدِ عِلْمُهُ بِأَنَّ وُقُوعَ الْبَلِيَّةِ مِنَ الْمَالِكِ الْحَكِيمِ الَّذِي هُوَ أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَيُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ، وَالشُّكْرَ لَهُ عَلَى تَدْبِيرِهِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لِعَبْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ، وَمَعَ أَنَّنَا مَمْلُوكُونَ لِلَّهِ فَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ يَوْمَ الْمَعَادِ، فَمَجَازٍ كُلُّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، فَإِنْ صَبَرْنَا وَاحْتَسَبْنَا وَجَدْنَا أَجْرَنَا مَوْفُورًا عِنْدَهُ، وَإِنْ جَزِعْنَا وَسَخِطْنَا لَمْ يَكُنْ حَظُّنَا إِلَّا السَّخَطَ وَفَوَاتَ الْأَجْرِ، فَكَوْنُ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَرَاجِعًا إِلَيْهِ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الصَّبْرِ.

{أُولَئِكَ} الْمَوْصُوفُونَ بِالصَّبْرِ الْمَذْكُورِ {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ} أَيْ: ثَنَاءٌ وَتَنْوِيهٌ بِحَالِهِمْ {وَرَحْمَةٌ} عَظِيمَةٌ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ أَنْ وَفَّقَهُمْ لِلصَّبْرِ الَّذِي يَنَالُونَ بِهِ كَمَالَ الْأَجْرِ، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} الَّذِينَ عَرَفُوا الْحَقَّ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِلْمُهُمْ بِأَنَّهُمْ لِلَّهِ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَعَمِلُوا بِهِ وَهُوَ هُنَا صَبْرُهُمْ لِلَّهِ.

وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَصْبِرْ، فَلَهُ ضِدُّ مَا لَهُمْ، فَحَصَلَ لَهُ الذَّمُّ مِنَ اللَّهِ وَالْعُقُوبَةُ وَالضَّلَالُ وَالْخَسَارُ، فَمَا أَعْظَمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَمَا أَقَلَّ تَعَبَ الصَّابِرِينَ، وَأَعْظَمَ عَنَاءَ الْجَازِعِينَ!

فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ عَلَى تَوْطِينِ النُّفُوسِ عَلَى الْمَصَائِبِ قَبْلَ وُقُوعِهَا لِتَخِفَّ وَتَسْهُلَ إِذَا وَقَعَتْ، وَبَيَانِ مَا تُقَابَلُ بِهِ إِذَا وَقَعَتْ وَهُوَ الصَّبْرُ، وَبَيَانِ مَا يُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ، وَمَا لِلصَّابِرِ مِنَ الْأَجْرِ، وَيَعْلَمُ حَالَ غَيْرِ الصَّابِرِ بِضِدِّ حَالِ الصَّابِرِ، وَأَنَّ هَذَا الِابْتِلَاءَ وَالِامْتِحَانَ سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَبَيَانِ أَنْوَاعِ الْمَصَائِبِ)).

((مِنْ سُبُلِ نَيْلِ رَحَمَاتِ الرَّحْمَنِ:

الْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ))

مِنْ سُبُلِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: الْقِيَامُ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].

((وَلَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ، بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَبِمَا بِهِ يَحْصُلُ التَّآلُفُ وَالتَّوَادُدُ، وَالتَّوَاصُلُ بَيْنَهُمْ، كُلُّ هَذَا تَأْيِيدٌ لِحُقُوقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَمِنْ ذَلِكَ: إِذَا وَقَعَ الِاقْتِتَالُ بَيْنَهُمُ الْمُوجِبُ لِتَفَرُّقِ الْقُلُوبِ وَتَبَاغُضِهَا وَتَدَابُرِهَا، فَلْيُصْلِحِ الْمُؤْمِنُونَ بَيْنَ إِخْوَانِهِمْ، وَلِيَسْعَوْا فِيمَا بِهِ يَزُولُ شَنَآنُهُمْ.

ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّقْوَى عُمُومًا، وَرَتَّبَ عَلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ وَبِتَقْوَى اللَّهِ الرَّحْمَةَ فَقَالَ: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} وَإِذَا حَصَلَتِ الرَّحْمَةُ، حَصَلَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَعْظَمِ حَوَاجِبِ الرَّحْمَةِ)).

((مِنْ سُبُلِ اسْتِمْطَارِ رَحَمَاتِ اللهِ:

رَحْمَةُ الْمَخْلُوقَاتِ))

إِنَّ مِنَ الْأَسْبَابِ الْعَظِيمَةِ وَالسُّبُلِ الْيَسِيرَةِ لِاسْتِمْطَارِ رَحَمَاتِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ: رَحْمَةَ الْمُسْلِمِ غَيْرَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَاعْمُرُوا قُلُوبَكُمْ بِالرَّحْمَةِ لِلْخَلْقِ، فَإِذَا أَرَدْتَ رَحْمَةَ الْخَالِقِ فَارْحَمِ الْخَلْقَ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ سَبَبَ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَرْحَمَ الْإِنْسَانُ خَلْقَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ»: بِالرَّأْفَةِ بِهِمْ وَالْعَطْفِ عَلَيْهِمْ فَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُغِيثُ الْمَلْهُوفَ، وَيُطْعِمُ الْجَائِعَ، وَيَكْسُو الْعُرْيَانَ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «فِيهِ الْحَضُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ؛ فَيَدْخُلُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبَهَائِمُ وَالْمَمْلُوكُ مَنْها وَغَيْرُ الْمَمْلُوكِ، وَيَدْخُلُ فِي الرَّحْمَةِ التَّعَاهُدُ بِالْإِطْعَامِ وَالسَّقْيِ، وَفِيهَا التَّخْفِيفُ فِي الْحِمْلِ وَتَرْكُ التَّعَدِّي بِالضَّرْبِ».

بَيَانُ أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ عِنْدَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَأُمِرَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا أَنْ تَكُونَ فِي قُلُوبِهِمْ رَحْمَةٌ لِإِخْوَانِهِمُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، لِذَا وَصَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعَزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54].

{أَذِلَّةٍ}: يَعْنِي مُتَوَاضِعِينَ وَرَاحِمِينَ لَهُمْ، وَعَاطِفِينَ عَلَيْهِمْ وَمُحِبِّينَ إِلَيْهِمْ، فَالْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِمْ رَحْمَةٌ بِإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَبَادَلًا وَمُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، مَنْ تَعَارَفُوا وَمَنْ لَمْ يَتَعَارَفُوا، أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَرْحَمُ بَعْضًا، وَيُوَقِّرُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَيَرْحَمُ كَبِيرُهُمْ صَغِيرَهُمْ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ مَثَلًا بِقَوْلِهِ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».

فَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَأْنُ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، أَنْ يَكُونَ مِنْ أَخْلَاقِهِمُ الرَّحْمَةُ وَالتَّقْدِيرُ وَالتَّوْقِيرُ، وَالتَّعَاطُفُ، وَالْمَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهَذِهِ صِفَاتُ أَهْلِ الْإِيمَانِ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: أَبْصَرَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ.

فَقَالَ: إِنَّ لِي مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةً مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنه مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ؛ يَعْنِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ».

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَغْفِرُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَرْحَمُ حَتَّى الْحَيَوَانَاتِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا -أَيْ: خُفَّهَا- فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ -أَيْ: بِالْخُفِّ-، فَسَقَتْهُ -أَيْ: فسَقَتِ الْكَلْبَ- فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ فَأَرْحَمُهَا، أَوْ قَالَ: إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا)).

قَالَ: «وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا، رَحِمَكَ اللَّهُ» مَرَّتَيْنِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «الصَّحِيحَةِ» وَفِي غَيْرِهَا.

قَوْلُهُ: «وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا، رَحِمَكَ اللهُ»: كَمَا قَالَ ﷺ «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».

فَمَنْ رَحِمَ رُحِمَ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الرَّحْمَةُ لِإِنْسَانٍ أَوْ حَيَوانٍ أَوْ طَائِرٍ أَوْ نَحْوِهِ.

وَالرَّحْمَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ ذَبْحِ الشَّاةِ بِحَضْرَةِ أُخْرَى، وَأَلَّا يُحِدَّ الشَّفْرَةَ أَمَامَهَا فَهَذَا مِنَ الرَّحْمَةِ بِهَا.

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ رَحِمَ وَلَوْ ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ رَحِمَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

هَذَا الْخُلُقُ لَا يَتَجَزَّأُ -خُلُقُ الرَّحْمَةِ لَا يتَجَزَّأُ- كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فِي خُلُقِ الرَّحْمَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ رَحْمَتُهُ عَامَّةً وَغَامِرَةً وَشَامِلَةً، وَقَدْ شَمِلَتِ الطُّيُورَ وَالْحَيَوَانَاتِ، بَلْ شَمِلَتِ الْحَشَرَاتِ لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الْحَشَرَاتِ حَرْقًا، وَدُونَ ذَلِكَ فِي الْإْثِم أَنْ تُقْتَلَ بِالْمَاءِ إِغْرَاقًا، فَهَذَا إِثْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا الَّذِي خَلَقَهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ تَبْدُو مَظَاهِرُ رَحْمَتِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ﷺ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ مَنْزِلًا فَأَخَذَ رَجُلٌ بَيْضَ حُمَّرَةٍ، فَجَاءَتْ تَرِفُّ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ فَجَعَ هَذِهِ بِبَيْضَتِهَا؟».

فَقَالَ رَجُلٌ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا أَخَذْتُ بَيْضَتَهَا)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْدُدْ؛ رَحْمَةً لَهَا». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «سُنَنِهِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

«حُمَّرَةٌ»: طَائِرٌ صَغِيرٌ كَالْعُصْفُورِ.

«تَرِفُّ»؛ أَيْ: تَضْرِبُ بِجَنَاحَيْهَا؛ تَعَطُّفًا وَإِظْهَارًا لِتَعَلُّقِهَا بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: «ارْدُدْ، رَحْمَةً لهَا»: تَأَمَّلْ فِي تَكَامُلِ هَذَا الدِّينِ، إِذْ هُوَ الدِّينُ الْخَاتَمُ دِينُ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لَقَدِ اتَّسَعَ وَقْتُ وَاهْتِمَامُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْإِرْشَادِ فِي هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْحُمَّرَةِ بِذَلِكَ الطَّائِرِ، وَيَأْمُرُ بِرَدِّ بَيْضَةِ الْحُمَّرَةِ إِلَيْهَا رَحْمَةً لَهَا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَ ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَفِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَفِي إِقَامَةِ دِينِ اللهِ وَفِي مُجَالَدَةِ الْكَافِرِينَ الْمُشْرِكِينَ؛ إِقَامَةً لِلدِّينِ، وَتَأْسِيسًا لِدَعَائِمِ الْمِلَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَصْرِفُ هَذَا الْوَقْتَ لِذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحُمَّرَةِ.

«فَجَاءَتْ تَرِفُّ»: جَعَلَتْ تَفْرُشُ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى «تَعْرُشُ»؛ أَيْ: بِجَنَاحَيْهَا بِفَرْشِ الْجَنَاحِ وَبَسْطِهِ، وَ«التَّعْرِيشُ»: أَنْ يَرْتَفِعَ الطَّائِرُ، ويُظَلِّلَ بِجَنَاحَيْهِ.

«فَجَعَ هَذِهِ ببَيْضَتِهَا»؛ أَيْ: وَجَعَ قَلْبَهَا وَأَقْلَقَهَا وَأَوْحَشَهَا.

وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا مَعَ الْجَمَلِ الَّذِي حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ حِينَ رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ ﷺ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟»؛ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟

فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: ((لِي يَا رَسُولَ اللهِ)).

فَقَالَ ﷺ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ كَدَّهُ وَتُتْعِبُهُ».

لِأَنَّ هَذَا الْجَمَلَ كَانَ نَافِرًا، وَكَانَ فِي حَائِطٍ، فَتَحَاشَاهُ النَّاسُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا نَخْشَى عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَدَخَلَ فَلَمَّا رَأَى الْجَمَلُ النَّبِيَّ ﷺ، جَاءَ حَتَّى جَعَلَ رَأْسَهُ عَلَى كَتِفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَخَذَ يَبْكِي، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى رَأسِهِ وَدِفْرَاهُ قَدْ وَضَعَ ﷺ عَلَيْهِمَا يَدَهُ، وَقَالَ: «لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟».

فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: ((لِي يَا رَسُولَ اللهِ)).

فَقَالَ ﷺ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ».

فِي الْحَدِيثِ: بَيَانُ أَنَّ الرَّحْمَةَ بِالْبَهَائِمِ وَبِالطُّيُورِ وَبِالْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْمَطْلُوبَاتِ في دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، بَيَانُ كَمَالِ رَحْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكُلِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الرَّحْمَةَ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ، تَحْرِيمُ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْغَيْرِ بِدُونِ دَلِيلٍ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكُمُ الْغَيْرُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ أَوْ عَالَمِ الطَّيْرِ.

وَالْمَرْأَةُ الَّتِي رَحِمَتْ طِفْلَتَيْهَا وَشَقَّتْ بَيْنَهُمَا التَّمْرَةَ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا، فَسَأَلَتْنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ وَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ؛ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إِنَّ الرَّحْمَةَ وَالْمَغْفِرَةَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَسْبَابِ رَحْمَةِ اللهِ وَمَغْفِرَتِهِ بَيْنَهُمْ، وَالْإِسْلَامُ يَحُثُّ عَلَى غَرْزِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَصِفَةِ الرَّحْمَةِ فِي النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ.

فَعَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: ((مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ، وَلا يُغْفَرُ مَنْ لَا يَغْفِرُ، وَلَا يُعْفَى عَمَّنْ لَمْ يَعْفُ، وَلَا يُوَقَّى مَنْ لَا يَتَوَقَّى)). وَهَذَا حَدِيثُ صَحِيحٌ.

((مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ))، «وَلَا يُغْفَرُ لِمْنَ لَا يَغْفِرُ»: يُغْفَرُ؛ أَيْ: يُتَجَاوَزُ لَهُ عَنْ خَطَايَاهُ وَذُنُوبِهِ.

وَالْمَعْنَى: مَنْ لَا يَتَجَاوَزُ عَنْ خَطَايَا النَّاسِ وَإِسَاءَتِهِمْ لَا يَغْفِرُ اللهُ -تَعَالَى- لَهُ؛ إِذِ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «اسْمَحْ يُسْمَحْ لَكَ». صَحَّحَهُ فِي «الصَّحِيحَةِ».

يَعْنِي: كُنْ سَمْحًا حَتَّى تُعَامَلَ بِالسَّمَاحَةِ.

«وَلَا يُعْفَى عَمَّنْ لَمْ يَعْفُ»: الْعَفْوُ: التَّجَاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ وَتَرْكُ الْعِقَابِ.

صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَقُلِ الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ.

فِي رِوَايَةٍ: «ولَا يُتَابُ عَلَى مَنْ لَا يَتُوبُ»: مَنْ لَا يَتُبْ لَا يُتَبْ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ لِلتَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، لِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، حَتَّى يُوَفَّقَ لِذَلِكَ «وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ» كَمَا قَالَ ﷺ.

«وَلَا يُوَقَّى مَنْ لَا يَتَوَقَّى»: وُقِيْتُ الشَّيْءَ، وَوَقَيْتُهُ أَقِيهِ إِذَا صُنْتُهُ، وَسَتَرْتُهُ عَنِ الْأَذَى.

وَالْمَعْنَى: لَا يُحْفَظُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَالْآثَامِ مَنْ لَا يَجْتَنِبُهَا، وَهَذا كَقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: «وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ»، وَأَمَّا مَنْ لَا يُوَقَّهُ فَإِنَّهُ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ، فَهَذَا الَّذِي لَا يَتَوَقَّى لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ فِي الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ.

فَالَّذِي يَطْمَعُ فِي رَحْمَةِ رَبِّهِ وَمَغْفِرَتِهِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْحَمَ النَّاسَ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ، وَأَنْ يُسَامِحَهُمْ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَدَبَّرَ قَوْلَ اللهِ: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: ٢٢].

«إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- يُحِبُّ الرُّحَمَاءَ، وَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَإِنَّما يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ، وَهُوَ سِتِّيرٌ يُحِبُّ مَنْ يَسْتُرُ عَلَى عِبَادِهِ، وَعَفُوٌّ يُحِبُّ مَنْ يَعْفُو عَنْهُمْ، وَغَفُورٌ يُحِبُّ مِنْ يَغْفِرُ لَهُمْ، وَلَطِيفٌ يُحِبُّ اللُّطْفَ مِنْ عِبَادِهِ، وَيُبْغِضُ الْفَظَّ الْغَلِيظَ الْقَاسِيَ، الْجَعْظَرِيَّ الْجَوَّاظَ.

وَرَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَحَلِيمٌ يُحِبُّ الْحِلْمَ، وَبَرٌّ يُحِبُّ الْبِرَّ وَأَهْلَهُ، وَعَدْلٌ يُحِبُّ الْعَدْلَ، وَقَابِلٌ لِلْمَعَاذِيرِ يُحِبُّ مَنْ يَقْبَلُ مَعَاذِيرَ عِبَادِهِ، وَيُجَازِي عَبْدَهُ بِحَسَبِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِيهِ وُجُودًا وَعَدَمًا.

فَمَنْ عَفَا عَفَا عَنْهُ، وَمَنْ غَفَرَ غَفَرَ لَهُ، وَمَنْ سَامَحَ سَامَحَهُ، وَمَنْ حَاقَقَ حَاقَقَهُ، وَمَنْ رَفَقَ بِعِبَادِهِ رَفَقَ بِهِ، وَمَنْ رَحِمَ خَلْقَهُ رَحِمَهُ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَمَنْ جَادَ عَلَيْهِمْ جَادَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَفَعَهُمْ نَفَعَهُ، وَمَنْ سَتَرَهُمْ سَتَرَهُ، وَمَنْ صَفَحَ عَنْهُمْ صَفَحَ عَنْهُ.

وَمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَتَهُمْ تَتَبَّعَ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ هَتَكَهُمْ هَتَكَهُ وَفَضَحَهُ، وَمَنْ مَنَعَهُمْ خَيْرَهُ مَنَعَهُ خَيْرَهُ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللهُ بِهِ، وَمَنْ مَكَرَ مَكَرَ بِهِ، وَمَنْ خَادَعَ خَادَعَهُ، وَمَنْ عَامَلَ خَلْقَهُ بِصِفَةٍ عَامَلَهُ اللهُ -تَعَالَى- بِتِلْكَ الصِّفَةِ عَيْنِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

فَاللهُ -تَعَالَى- لِعَبْدِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ لِخَلْقِهِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ((مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ تَعَالَى حِسَابَهُ))، ((وَمَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّ عَرْشِهِ)).

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ فَضَحَهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ)) .

كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكُنْ كَيْفَ شِئْتَ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- لَكَ كَمَا تَكُونُ أَنْتَ لَهُ وَلِعِبَادِهِ».

رَحْمَةُ الْعَبْدِ لِلْخَلْقِ مِنْ أَكْبَرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُنَالُ بِهَا رَحْمَةُ اللهِ، الَّتِي مِنْ آثَارِهَا خَيْرَاتُ الدُّنْيَا وَخَيْرَاتُ الْآخِرَةِ، وَفَقْدُهَا مِنْ أَكْبَرِ الْقَوَاطِعِ وَالْمَوَانِعِ لِرَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ فِي غَايَةِ الضَّرُورَةِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَكُلُّ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ.

فَمَتَى أَرَادَ أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا وَيَسْتَزِيدَ مِنْهَا فَلْيَعْمَلْ جَمِيعَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُنَالُ بِهَا رَحْمَتُهُ، وَتَجْتَمِعُ كُلُّهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56]، وَهُمُ الْمُحْسِنُونَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، الْمُحْسِنُونَ إِلَى عِبَادِ اللهِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ الْعَبْدِ بِهِمْ.

فَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَعَرَّفُ الْأَسْبَابَ الَّتِي يُدْرِكُ بِهَا هَذَا الْوَصْفَ الْجَلِيلَ، وَيَجْتَهِدُ فِي التَّحَقُّقِ بِهِ، حَتَّى يَمْتَلِئَ قَلْبُهُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْحَنَانِ عَلَى الْخَلْقِ.

وَيَا حَبَّذَا هَذَا الْخُلُقُ الْفَاضِلُ، وَالْوَصْفُ الْجَلِيلُ الْكَامِلُ، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي فِي الْقُلُوبِ تَظْهَرُ آثَارُهَا عَلَى الْجَوَارِحِ وَاللِّسَانِ فِي السَّعْيِ فِي إِيصَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ وَالْمَنَافِعِ إِلَى النَّاسِ، وَإِزَالَةِ الْأَضْرَارِ وَالْمَكَارِهِ عَنْهُمْ.

وَعَلَامَةُ الرَّحْمَةِ الْمَوْجُودَةِ بِقَلْبِ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِوُصُولِ الْخَيْرِ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ عُمُومًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ خُصُوصًا، كَارِهًا حُصُولَ الشَّرِّ وَالضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، فَبِقَدْرِ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ وَالْكَرَاهَةِ تَكُونُ رَحْمَتُهُ.

((مِنْ أَسْبَابِ رَحْمَةِ اللهِ:

الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللهِ))

مِنْ أَسْبَابِ رَحْمَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 99].

((لَيْسَ الْأَعْرَابُ كُلُّهُمْ مَذْمُومِينَ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَيَسْلَمُ بِذَلِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَى الْإِيمَانِ، {وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ} أَيْ: يَحْتَسِبُ نَفَقَتَهُ، وَيَقْصِدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ -تَعَالَى- وَالْقِرَبَ مِنْهُ، وَيَجْعَلُهَا وَسِيلَةً لِصَلَوَاتِ الرَّسُولِ؛ أَيْ: دُعَائِهِ لَهُمْ، وَتَبْرِيكِهِ عَلَيْهِمْ، قَالَ -تَعَالَى- مُبَيِّنًا لِنَفْعِ صَلَوَاتِ الرَّسُولِ: {أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَتُنَمِّي أَمْوَالَهُمْ وَتُحِلُّ فِيهَا الْبَرَكَةَ.

{سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} فِي جُمْلَةِ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ إِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَيَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ الْعَظِيمَةَ لِمَنْ تَابَ إِلَيْهِ، وَيَعُمُّ عِبَادَهُ بِرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيَخُصُّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةٍ يُوَفِّقُهُمْ فِيهَا إِلَى الْخَيِّرَاتِ، وَيَحْمِيهِمْ فِيهَا مِنَ الْمُخَالَفَاتِ، وَيَجْزِلُ لَهُمْ فِيهَا أَنْوَاعَ الْمَثُوبَاتِ)).  

((مِنْ أَسْبَابِ رَحْمَةِ اللهِ:

السَّمَاحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ))

مِنْ أَسْبَابِ الرَّحْمَةِ: السَّمَاحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى)). وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) .

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي شَرْحِهِ: ((فِيهِ الْحَضُّ عَلَى السَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَاسْتِعْمَالُ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ، وَتَرْكُ الْمُشَاحَّةِ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى أَخْذِ الْعَفْوِ مِنْهُمْ)).

((مِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ:

زِيَارَةُ الْمَرِيضِ))

مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ اسْتِجْلَابِ رَحْمَةِ اللهِ: زِيَارَةُ الْمَرِيضِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ الرَّحْمَةَ، فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَقْنَعَ فِيهَا، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ خَاضَ الرَّحْمَةَ حَتَّى يَرْجِعَ بَيْتَهُ)).

((مِنْ سُبُلِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ:

قِيَامُ اللَّيْلِ))

مِنَ السُّبُلِ الْعَظِيمَةِ لِنَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: قِيَامُ اللَّيْلِ، قَالَ ﷺ: ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ،  فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ -وَالنَّضْحُ: أَنْ تَغْمِسَ أَصَابِعَكَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُ هَذَا الْمَاءَ فِي وَجْهِهَا، لَا أَنْ تَأْتِيَ بِالْمَاءِ فَتَجْعَلَهُ عَلَى رَأْسِهَا سَكْبًا!!-، وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ وَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ)) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه، وَالنَّسَائِيُّ.

وَفِيهِ عَلَاقَةٌ شَفِيفَةٌ، فِيهَا الْحِرْصُ، وَفِيهَا الْأُلْفَةُ وَالْمَوَدَّةُ، وَفِيهَا الْأَدَاءُ الْحَسَنُ بِالتَّلَصُّصِ عَلَى سُبُلِ الْمَشَاعِرِ الْمَدْفُونَةِ مِنْ أَجْلِ إِخْرَاجِهَا؛ لَتَزْكُوَ بَعْدُ وَتَزْدَهِرَ.

((مِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ:

صَلَاةُ أَرْبَعٍ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ))

مِنَ الْأَسْبَابِ الْجَلِيلَةِ لِنَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ: صَلَاةُ أَرْبَعِ رَكْعَاتٍ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ ﷺ: ((الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاحْرِصُوا عَلَى اسْتِجْلَابِ رَحْمَةِ اللهِ بِفِعْلِ مَا تَيَسَّرَ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْكَثِيرَةِ وَالْمُتَنَوِّعَةِ.. فَهَذِهِ كَانَتْ جُمْلَةً مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَجْلِبُ رَحْمَةَ اللهِ، وَالَّذِي يَنْبَغِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ أَنْ يَأْخُذُوا بِهَا وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهَا؛ لِتَنْزِلَ عَلَيْهِمُ الرَّحَمَاتُ الرَّبَّانِيَّةُ وَالْهِبَاتُ الْإِلَهِيَّةُ.

 ((مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ))

لَا يُمْكِنُ لِلْوَاصِفِينَ أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ جُزْءٍ يَسِيرٍ جِدًّا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي بَثَّهَا وَنَشَرَهَا عَلَى الْعِبَادِ، وَأَنْتَ لَوْ تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ؛ لَرَأَيْتَهُ مُمْتَلِئًا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ الْوَاحِدَةِ كَامْتِلَاءِ الْبَحْرِ بِمَائِهِ وَالْجَوِّ بِهَوَائِهِ.

وَمِنْ آثَارِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا: أَنَّ الدَّابَّةَ تَرْفَعُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ، وَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ -تَعَالَى- مِنَ الرَّحْمَةِ الْوَاحِدَةِ عَطَايَا كَرِيمَةً عَزِيزَةً؛ فَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ ابْتِدَاءً بِأَجْزَلِ الْمَوَاهِبِ وَأَفْضَلِ الْعَطَايَا؛ مِنْ حُسْنِ الصُّورَةِ، وَكَمَالِ الْخِلْقَةِ، وَقِوَامِ الْبِنْيَةِ، وَإِعْدَادِ الْآلَةِ، وَإِتْمَامِ الْإِرَادَةِ، وَتَعْدِيلِ الْقَامَةِ، وَتَمَامِ الْأَدَاةِ.

وَمَا مَتَّعَكَ مِنْ رُوحِ الْحَيَاةِ، وَفَضَّلَكَ بِهِ مِنْ حَيَاةِ الْأَرْوَاحِ، وَمَا أَكْرَمَكَ بِهِ مِنْ قَبُولِ الْعِلْمِ، وَهَدَاكَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ -سُبْحَانَهُ- الَّتِي هِيَ أَسْنَى جَوَائِزِهِ، وَمَنَّ عَلَيْكَ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ -وَهُمَا أَجَلُّ النِّعَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ- وَالْكَوْنِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، وَمَنَّ عَلَيْكَ بِمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، إِلَى سَائِرِ مَا لَدَيْكَ مِنَ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ.

 فَمَرْجُوٌّ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ أَنْ يُتِمَّ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ مَنْ بَدَا بِالْإِحْسَانِ فَعَلَيْهِ الْإِتْمَامُ، وَيَجْعَلُ لَكَ مِنْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ رَحْمَةً الْحَظَّ الْوَافِرَ.

 أَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- أَلَّا يُخَيِّبَ آمَالَنَا مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ بِفَضْلِهِ، إِنَّهُ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّاحِمُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.

((وَبِرَحْمَتِهِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} [طه: 5]؛  لِأَنَّ الْعَرْشَ مُحِيطٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ، قَدْ وَسِعَهَا، وَالرَّحْمَةُ مُحِيطَةٌ بِالْخَلْقِ وَاسِعَةٌ لَهُمْ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156].

فَاسْتَوَى عَلَى أَوْسَعِ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَوْسَعِ الصِّفَاتِ؛ فَلِذَلِكَ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، اسْتَوَى -تَعَالَى- عَلَى عَرْشِهِ، وَقَالَ -سُبْحَانَهُ- وَهُوَ الرَّحْمَنُ: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} [طه: 5].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156].

فَكَمَا أَنَّ الْعَرْشَ مُحِيطٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَرَحْمَتُهُ -تَعَالَى- مُحِيطَةٌ بِالْخَلْقِ وَاسِعَةٌ لَهُمْ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}؛ فَاسْتَوَى عَلَى أَوْسَعِ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَوْسَعِ الصِّفَاتِ، فَلِذَلِكَ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

وَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِهَذَا الِاسْمِ: ((الرَّحْمَنِ)) الَّذِي اشْتَقَّهُ مِنْ صِفَتِهِ وَتَسَمَّى بِهِ دُونَ خَلْقِهِ؛ كَتَبَ بِمُقْتَضَاهُ عَلَى نَفْسِهِ يَوْمَ اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ حِينَ قَضَى الْخَلْقَ.. كَتَبَ كِتابًا؛ فَهُوَ عِنْدَهُ وَضَعَهُ عَلَى عَرْشِهِ: أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ.

وَكَانَ هَذَا الْكِتَابُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ كَالْعَهْدِ مِنْهُ -سُبْحَانَهُ- لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا بِالرَّحْمَةِ لَهُمْ، وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُمْ، وَالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ، وَالسَّتْرِ وَالْإِمْهَالِ، وَالْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ؛ فَكَانَ قِيَامُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ بِمَضْمُونِ هَذَا الْكِتَابِ، الَّذِي لَوْلَاهُ لَكَانَ لِلْخَلْقِ شَأْنٌ آخَرُ)).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِيمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا))؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي)).

وَفِي كَوْنِهِ عِنْدَهُ -سُبْحَانَهُ- زِيَادَةُ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ وَتَعْظِيمٍ وَتَفْخِيمٍ، فَبِرَحْمَتِهِ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولَهُ ﷺ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا كِتَابَهُ، وَعَلَّمَنَا مِنَ الْجَهَالَةِ، وَهَدَانَا مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَصَّرَنَا مِنَ الْعَمَى، وَأَرْشَدَنَا مِنَ الْغَيِّ، فَشَرْعُهُ وَأَمْرُهُ نَزَلَ بِالرَّحْمَةِ وَاشْتَمَلَ عَلَى الرَّحْمَةِ، وَأَوْصَلَ إِلَى الرَّحْمَةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالسَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ.

فَبِنِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ: بِإِرْسَالِ رُسُلِهِ إِلَيْهِمْ، وَإِنْزَالِ كُتُبِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَعْرِيفِهِمْ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَمَا يُحِبُّهُ وَمَا يُبْغِضُهُ؛ أَعْظَمُ النِّعَمِ وَأَجَلُّهَا وَأَعْلَاهَا وَأَفْضَلُهَا، بَلْ لَا نِسْبَةَ لِرَحْمَتِهِمْ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْغَيْثِ وَالنَّبَاتِ إِلَى رَحْمَتِهِمْ بِالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالشَّرَائِعِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَأَيْنَ هَذِهِ مِنْ تِلْكَ؟!!

وَبِرَحْمَتِهِ عَرَّفَنَا أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ، فَعَرَفْنَا أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، عَرَّفَنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ مَا عَرَفْنَا بِهِ رَبَّنَا وَمَوْلَانَا.

وَبِرَحْمَتِهِ عَلَّمَنَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ، وَأَرْشَدَنَا لِمَصَالِحِ دِينِنَا وَدُنْيَانَا، وَبِرَحْمَتِهِ -تَعَالَى- أَدَرَّ عَلَيْنَا النِّعَمَ وَصَرَفَ عَنَّا النِّقَمَ، وَبِرَحْمَتِهِ وُجِدَتِ الْمَخْلُوقَاتُ، وَبِرَحْمَتِهِ حَصَلَتْ لَهَا أَنْوَاعُ الْكَمَالَاتِ، وَبِرَحْمَتِهِ أَطْلَعَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَبَسَطَ الْأَرْضَ، وَجَعَلَهَا مِهَادًا وَفِرَاشًا، وَكِفَاتًا لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وَبِرَحْمَتِهِ سَخَّرَ لَنَا الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَالْأَنْعَامَ؛ وَذَلَّلَهَا مُنْقَادَةً لِلرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ وَالْأَكْلِ وَالدَّرِّ.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ مَا قَالَهُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32]؛ أَيْ: رَحْمَةُ اللهِ بِخَلْقِهِ خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَمَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُنَا بِالْغَفْلَةِ عَنْ شُكْرِ نِعَمِهِ وَالْقُصُورِ عَنْ إِحْصَائِهَا وَالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِأَدْنَاهَا، وَمِنْ رَحْمَتِهِ إِدَامَتُهَا عَلَيْنَا وَإِدْرَارُهَا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَعِنْدَ كُلِّ نَفَسٍ نَتَنَفَّسُهُ وَحَرَكَةٍ نَتَحَرَّكُهَا؛ قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18].

وَمَا أَحْسَنَ مَا خَتَمَ بِهِ هَذَا الِامْتِنَانَ الَّذِي لَا يَلْتَبِسُ عَلَى إِنْسَانٍ؛ بِالْإِشَارَةِ إِلَى عَظِيمِ غُفْرَانِهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18]، فَمَا أَحْسَنَ مَا خَتَمَ بِهِ هَذَا الِامْتِنَانَ، الَّذِي لَا يَلْتَبِسُ عَلَى إِنْسَانٍ؛ بِالْإِشَارَةِ إِلَى عَظِيمِ غُفْرَانِهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَمَا أَوْقَعَ هَذَا التَّذْيِيلَ الْجَلِيلَ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، بَعْدَ امْتِنَانِهِ بِنِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَهِيَ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، مَا أَوْقَعَ هَذَا التَّذْيِيلَ الْجَلِيلَ وَأَحَبَّهُ إِلَى قُلُوبِ الْعَارِفِينَ بِأَسْرَارِ التَّنْزِيلِ.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ مَا قَالَهُ عَنْ نَفْسِهِ: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} [الأنعام: 133].

فَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ؛ فَهُوَ ذُو رَحْمَةٍ بِهِمْ، لَا يَكُونُ غِنَاهُ عَنْهُمْ مَانِعًا مِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ، وَمَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ الرَّبَّانِيَّ وَأَبْلَغَهُ، وَمَا أَقْوَى الِاقْتِرَانَ بَيْنَ الْغِنَى وَالرَّحْمَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ؛ {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ}، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ لَهُمْ مَعَ الْغِنَى عَنْهُمْ هِيَ غَايَةُ التَّفَضُّلِ وَالتَّطَوُّلِ.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ مَا قَالَهُ لِرَسُولِهِ ﷺ: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49-50].

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ لَطَائِفُ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ أَكَّدَ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِمُؤَكِّدَاتٍ ثَلَاثَةٍ، أَوَّلُهَا: قَوْلُهُ (أَنِّي)، وَثَانِيهَا (أَنَا)، وَثَالِثُهَا (التَّعْرِيفُ) فِي (الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَغْلِيبِ جَانِبِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي ذِكْرِ الْعَذَابِ: إِنِّي أَنَا الْمُعَذِّبُ! وَلَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ بِذَلِكَ -جَلَّ وَعَلَا-؛ بَلْ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الْإِخْبَارِ: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}.

وَأَمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرَحْمَتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِغُفْرَانِهِ، فَقَدْ أَتَى بِهِ وَاصِفًا بِهِ نَفْسَهُ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ فِي ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: (أَنِّي)، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَنَا)، وَكَذَلِكَ بِـ(التَّعْرِيفِ) فِي قَوْلِهِ: (الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)؛ {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فَالْغُفْرَانُ صِفَتُهُ، وَالْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ صِفَتُهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَأَمَّا الْعَذَابُ فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ، وَلَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ بِهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-؛ فَلَمْ يَقُلْ: إِنِّي أَنَا الْمُعَذِّبُ! وَإِنَّمَا قَالَ عَلَى سَبِيلِ الْإِخْبَارِ وَلَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ بِذَلِكَ: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}.

 وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَنْ خَلَقَ لِلذَّكَرِ مِنَ الْحَيَوَانِ أُنْثَى مِنْ جِنْسِهِ، وَأَلْقَى بَيْنَهُمَا الْمَحَبَّةَ وَالرَّحْمَةَ لِيَقَعَ بَيْنَهُمَا التَّوَاصُلُ الَّذِي بِهِ دَوَامُ التَّنَاسُلِ، وَانْتِفَاعُ الزَّوْجَيْنِ، وَتَمَتُّعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَحْوَجَ الْخَلْقَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ لِتَتِمَّ بَيْنَهُمْ مَصَالِحُهُمْ، وَلَوْ أَغْنَى بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ لَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُهُمْ وَفَسَدَ نِظَامُهُمْ.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْ جَعَلَ فِيهِمُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، وَالْعَزِيزَ وَالذَّلِيلَ، وَالْعَاجِزَ وَالْقَادِرَ، وَالرَّاعِيَ وَالْمَرْعِيَّ، ثُمَّ أَفْقَرَ الْجَمِيعَ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَمَّ الْجَمِيعَ بِرَحْمَتِهِ.

اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَوْصُوفٌ بِكَمَالِ الرَّحْمَةِ وَسَعَةِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَكَثْرَةِ الْمَوَاهِبِ وَالْحَنَانِ وَالرَّأْفَةِ.

فَجَمِيعُ مَا فِيهِ الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ وَالسُّفْلِيُّ مِنْ حُصُولِ الْمَنَافِعِ وَالْمَحَابِّ وَالْمَسَارِّ وَالْخَيْرَاتِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَمِنْ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ وَفَضْلِهِ، كَمَا أَنَّ مَا صُرِفَ عَنْهُمْ مِنَ الْمَكَارِهِ وَالنِّقَمِ وَالْمَخَاوِفِ وَالْأَخْطَارِ وَالْمَضَارِّ؛ فَإِنَّهَا مِنْ رَحْمَتِهِ وَبِرِّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ.

وَرَحْمَتُهُ -تَعَالَى- سَبَقَتْ غَضَبَهُ وَغَلَبَتْهُ، وَظَهَرَتْ فِي خَلْقِهِ ظُهُورًا لَا يُنْكَرُ، حَتَّى مَلَأَتْ أَقْطَارَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَامْتَلَأَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ حَتَّى حَنَّتِ الْمَخْلُوقَاتُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي نَشَرَهَا عَلَيْهِمْ وَأَوْدَعَهَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَحَتَّى حَنَّتِ الْبَهَائِمُ -الَّتِي لَا تَرْجُو نَفْعًا وَلَا عَاقِبَةً وَلَا جَزَاءً- عَلَى أَوْلَادِهَا، وَشُوهِدَ مِنْ رَأْفَتِهَا بِهِمْ وَشَفَقَتِهَا الْعَظِيمَةِ مَا يَشْهَدُ بِعِنَايَةِ بَارِيهَا وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ، وَعَمَّتْ مَوَاهِبُهُ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَسَّرَ لَهُمُ الْمَنَافِعَ وَالْمَعَايِشَ وَالْأَرْزَاقَ وَرَبَطَهَا بِأَسْبَابٍ مُيَسَّرَةٍ وَطُرُقٍ سَهْلَةٍ، فَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا.

وَعَلِمَ -تَعَالَى- مِنْ مَصَالِحِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَقَدَّرَ لَهُمْ مِنْهَا مَا لَا يُرِيدُونَ، وَمَا لَا يَقْدِرُونَ، وَرُبَّمَا أَجْرَى عَلَيْهِمْ مَكَارِهَ تُوصِلُهُمْ إِلَى مَا يُحِبُّونَ،
بَلْ رَحِمَهُمْ بِالْمَصَائِبِ وَالْآلَامِ فَجَعَلَ الْآلَامَ كُلَّهَا خَيْرًا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقُومُ بِوَظِيفَةِ الصَّبْرِ، «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ
سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ
)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ صُهَيْبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.

وَكَذَلِكَ ظَهَرَتْ رَحْمَتُهُ فِي أَمْرِهِ وَشَرْعِهِ ظُهُورًا تَشْهَدُهُ الْبَصَائِرُ وَالْأَبْصَارُ، وَيَعْتَرِفُ بِهِ أُولُوا الْأَلْبَابِ، فَشَرْعُهُ نُورٌ وَرَحْمَةٌ وَهِدَايَةٌ، وَقَدْ شَرَعَهُ مُحْتَوِيًا عَلَى الرَّحْمَةِ، وَمُوصِلًا إِلَى أَجَلِّ رَحْمَةٍ وَكَرَامَةٍ وَسَعَادَةٍ وَفَلَاحٍ، وَشَرَعَ فِيهِ مِنَ التَّسْهِيلَاتِ وَالتَّيْسِيرَاتِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّاتِ مَا يَدُلُّ أَكْبَرَ دَلَالَةٍ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ، وَمَنَاهِيهِ كُلُّهَا رَحْمَةٌ؛ لِأَنَّهَا لِحِفْظِ أَدْيَانِ الْعِبَادِ، وَحِفْظِ عُقُولِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مِنَ الشُّرُورِ وَالْأَضْرَارِ، فَكُلُّ النَّوَاهِي تَعُودُ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ.

وَأَيْضًا الْأَوَامِرُ سَهَّلَهَا وَأَعَانَ عَلَيْهَا بِأَسْبَابٍ شَرْعِيَّةٍ وَأَسْبَابٍ قَدَرِيَّةٍ، وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ رَحْمَتِهِ، كَمَا أَنَّ النَّوَاهِيَ جَعَلَ عَلَيْهَا مِنَ الْعَوَائِقِ وَالْمَوَانِعِ مَا يَحْجِزُ الْعِبَادَ عَنْ مُوَاقَعَتِهَا إِلَّا مَنْ أَبَى وَشَرَدَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ بِالْكُلِّيَّةِ.

وَشَرَعَ -أَيْضًا- مِنَ الرَّوَادِعِ وَالزَّوَاجِرِ وَالْحُدُودِ مَا يَمْنَعُ الْعِبَادَ وَيَحْجِزُهُمْ عَنْهَا، وَيُقَلِّلُ مِنَ الشُّرُورِ شَيْئًا كَثِيرًا.

وَبِالْجُمْلَةِ فَشَرْعُهُ وَأَمْرُهُ نَزَلَ بِالرَّحْمَةِ، وَاشْتَمَلَ عَلَى الرَّحْمَةِ، وَأَوْصَلَ إِلَى الرَّحْمَةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالسَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ.

اللَّهُمَّ خُذْ بِأَيْدِينَا إِلَيْكَ، وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِنَا عَلَيْكَ.

وَتُبْ عَلَيْنَا لِنَتُوبَ، تُبْ عَلَيْنَا لِنَتُوبَ، تُبْ عَلَيْنَا لِنَتُوبَ.

اللَّهُمَّ يَا وَاصِلَ الْمُنْقَطِعِينَ أَوْصِلْنَا إِلَيْكَ، وَلاَ تَقْطَعْنَا بِالْأَغْيَارِ عَنْكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ارْحَمْنَا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ارْحَمْنَا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ارْحَمْنَا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ارْحَمْنَا، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ارْحَمْنَا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ؟

 

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الْإِسْلَامُ وَالْعِلْمُ
  أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا
  بِنَاءُ الْوَعْيِ وَأَثَرُهُ فِي مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَّاتِ
  الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَأَثَرُهُ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَتَرْسِيخِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ
  عرفت فالزم
  هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ
  بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ رُؤْيَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ
  ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقَامَةِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ
  الْإِيمَانُ وَآثَارُهُ فِي الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  مَنْزِلَةُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَالْمُؤَامَرَةُ عَلَى مِصْرَ الْآنَ!!
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان