حُقُوقُ الشَّبَابِ وَوَاجِبَاتُهُمْ

حُقُوقُ الشَّبَابِ وَوَاجِبَاتُهُمْ

((حُقُوقُ الشَّبَابِ وَوَاجِبَاتُهُمْ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((أَهَمِّيَّةُ مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ))

فَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَخْبَرَ عَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ وَعَظِيمِ اقْتِدَارِهِ وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ، ابْتَدَأَ خَلْقَ الْآدَمِيِّينَ مِنْ ضَعْفٍ، وَهُوَ الْأَطْوَارُ الْأُوَلُ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ نُطْفَةٍ إِلَى عَلَقَةٍ إِلَى مُضْغَةٍ إِلَى أَنْ صَارَ حَيَوَانًا فِي الْأَرْحَامِ إِلَى أَنْ وُلِدَ، وَهُوَ فِي سِنِّ الطُّفُولِيَّةِ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَعَدَمِ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ، ثُمَّ مَا زَالَ اللهُ يَزِيدُ فِي قُوَّتِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى بَلَغَ سِنَّ الشَّبَابِ، وَاسْتَوَتْ قُوَّتُهُ، وَكَمُلَتْ قُوَاهُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ هَذَا الطَّوْرِ وَرَجَعَ إِلَى الضَّعْفِ وَالشَّيْبَةِ وَالْهَرَمِ؛ قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] .

اللهُ -تَعَالَى- هُوَ الَّذِي بَدَأَ خَلْقَكُمْ مِنْ نُطْفَةٍ، وَأَنْشَأَكُمْ عَلَى ضَعْفِ حَالِ الطُّفُولَةِ، ثُمَّ جَعَلَ اللهُ فِيكُمْ مِنْ بَعْدِ ضَعْفِ الطُّفُولَةِ شَيْئًا مِنَ الْقُوَّةِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي تَتَدَرَّجُ مُتَصَاعِدَةً حَتَّى تَبْلُغُوا كَمَالَ قُوَّتِكُمْ، وَهِيَ قُوَّةُ الشَّبَابِ، ثُمَّ جَعَلَ اللهُ بَعْدَ هَذِهِ الْقُوَّةِ ضَعْفَ الْكِبَرِ وَالْهَرَمِ وَضَعْفَ الشَّيْخُوخَةِ وَالشَّيْبَ، فَتَتَنَاقَصُ لَدَيْكُمْ هَذِهِ الْقُوَّةُ تَدْرِيجِيًّا حَتَّى تَصِلَ إِلَى تَمَامِ الضَّعْفِ وَنِهَايَةِ الْكِبَرِ إِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْمُعَمَّرِينَ، أَوْ تُوَافِيكُمْ مَنَايَاكُمْ قَبْلَ ذَلِكَ.

يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ خَلْقَهُ؛ مِنَ الضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ، وَالشَّبَابِ وَالشَّيْبَةِ، وَهُوَ الْعَلِيمُ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ، الْقَدِيرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَشَاؤُهُ.

إِنَّ مَرْحَلَةَ الشَّبَابِ مَرْحَلَةُ الْقُوَّةِ وَالْعَافِيَةِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى الْعَبْدِ نِعْمَةُ الصِّحَّةِ، فَفِي نُصُوصِ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الصِّحَّةِ وَفَضْلِ الْعَافِيَةِ، وَجَلَالِ ذَلِكَ؛ لِجَمِيلِ أَثَرِهِ، وَلِعَظِيمِ قَدْرِهِ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عِنْدَ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمُسْلِمِ.

لَمَّا جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ طَالُوتَ مَلِكًا مَبْعُوثًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَانِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ الْقَوْمُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَمَيَّزْ عَلَيْنَا بِكَثِيرِ مَالٍ، ولا بِشَيْءٍ، فَقَالَ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البَقَرَة: 247].

فجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمِيزَةَ مَحْفُوظَةً لَدَيْهِ بِأَنْ آتَاهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ، وَبَسْطَةً فِي الْجِسْمِ.

فَآتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عِلْمًا، وَآتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَيْدًا وَقُوَّةً، آتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ صِحَّةً فِي تَمَامِ إِيمَانٍ؛ فَجَعَلَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- ذَلِكَ سَبَبًا لِتَفْضِيلِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَرَضُوا عَلَى تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِمْ.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَخْبَرَنَا -أَيْضًا- أَنَّ بِنْتَ شُعَيْبٍ لَمَّا صَحِبَتْ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَى أَبِيهَا، قَالَتْ فِي حَيْثِيَّاتِ تَقْدِيمِهِ مُسْتَأْجَرًا عِنْدَ أَبِيهَا؛ لِكَيْ تَتَخَلَّصَ مِنَ عَنَاءِ الرَّعْيِ وَالسَّقْيِ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَلِذَا خَرَجَتْ وَأُخْتُهَا؛ مِنْ أَجْلِ الرَّعْيِ وَالسَّقْيِ، وَالْقِيَامِ عَلَى أُمُورِ الْحَيَاةِ بِطَلَبِ الْمَعَاشِ.

أَرَادَتْ أَنْ تَرْتَاحَ، فَوَجَدَتْ فِي مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بُغْيَتَهَا، فَمَا هِيَ الْحَيْثِيَّاتُ الَّتِي قَدَّمَتْهَا لِأَبِيهَا؟

قَالَتْ: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26].

فَجَاءَتِ الْقُوَّةُ، وَجَاءَتِ الصِّحَّةُ -أَيْضًا- فِي هَذِهِ الْحَيْثِيَّاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ الْجَلِيلِ.

وَقَدْ جَعَلَ نَبِيُّنَا ﷺ مَنْزِلَةَ الشَّابِّ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي يَخْدُمُ دِينَهُ وَوَطَنَهُ تَالِيَةً لِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، قَالَ ﷺ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ! وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَدْ حَثَّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى اغْتِنَامِ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْمُهِمَّةِ مِنْ مَرَاحِلِ الْعُمُرِ بِالْعَمَلِ وَالْعَطَاءِ، وَالتُّزَوُّدِ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ لِأَنْفُسِنَا وَدِينِنَا وَمُجْتَمَعِنَا؛ لِتَحْقِيقِ سَعَادَتِنَا، وَمَا فِيهِ خَيْرُنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ ﷺ: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ)) . أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشُّعَبِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الشَّبَابَ نِعْمَةٌ كَغَيْرِهَا مِنَ النِّعَمِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ سَيُسْأَلُ عَنْهَا أَمَامَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ ﷺ: ((لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

((دَلَائِلُ الِاهْتِمَامِ بِالشَّبَابِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

لَقَدِ اهْتَمَّ الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ بِالشَّبَابِ اهْتِمَامًا كَبِيرًا، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- وَاصِفًا فِتْيَةَ الْكَهْفِ الْمُؤْمِنِينَ: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13].

نَحْنُ بِعَظَمَةِ رُبُوبِيَّتِنَا وَشُمُولِ عِلْمِنَا نَقْرَأُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ خَبْرَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ذَا الشَّأْنِ، مُتَّصِفًا بِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ، إِنَّهُمْ شُبَّانٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وَزِدْنَاهُمْ بِمَعُونَتِنَا وَتَوْفِيقِنَا إِيمَانًا وَبَصِيرَةٍ.

وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِتْيَانَ الشَّبَابَ أَسْرَعُ اسْتِجَابَةً لِنِدَاءِ الْحَقِّ، وَأَشَدُّ عَزْمًا وَتضْحِيَةً فِي سَبِيلِهِ.

وَمِنْ فَوَائِدِ الْآيَةِ:

ضَرُورَةُ الِاهْتِمَامِ بِتَرْبِيَةِ الشَّبَابِ؛ لِأَنَّهُمْ أَزْكَى قُلُوبًا، وَأَنْقَى أَفْئِدَةً، وَأَكْثَرُ حَمَاسًا، وَعَلَيْهِمْ تَقُومُ نَهْضَةُ الْأُمَمِ.

وَقَدْ جَمَعَ الشَّبَابُ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْتِزَامِ ذَلِكَ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ مَعْرِفَتِهِمْ بِرَبِّهِمْ، وَزِيَادَةِ الْهُدَى مِنَ اللهِ -تَعَالَى- لَهُمْ.

إِنَّ النَّاظِرَ إِلَى الَّذِينَ سَبَقُوا بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَجَاهَدُوا دُونَهُ وَانْتَصَرُوا بِهِ وَلَهُ، يَجِدُهُمْ فِي الْجُمْلَةِ كَانُوا شَبَابًا، أَبُو بَكْرٍ دَخَلَ الْإِسْلَامَ وَلَهُ سَبْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَعُمَرُ كَانَتْ سِنَّهُ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَعُثْمَانُ كَانَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ فِي الثَّامِنَةِ مِنْ عُمُرِهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ فِي حُدُودِ الثَّلَاثِينَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ دَخَلَ الْإِسْلَامَ وَلَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ دَخَلَ الْإِسْلَامَ وَلَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ كَانَ فِي الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ.

وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ كَانَ فِي الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ، وَالْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ كَانَ فِي الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ كَانَ فِي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ الْإِسْلَامَ وَلَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً.

وَصُهَيْبٌ الرُّومِيُّ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ دُونَ الْعِشْرِينَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ دُونَ الْعِشْرِينَ، وَخَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ كَانَ فِي الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ.

وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ كَانَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ فِي حُدُودِ الثَّلَاثِينِ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ فِيمَا بَيْنَ الثَّلَاثِينِ وَالْأَرْبَعِينَ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ سِنُّهُ حِينَمَا دَخَلَ الْإِسْلَامَ فِي حُدُودِ الثَّانِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-.

وَمِمَّا لَا يَخْفَى أَنَّ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَطِرَةَ، وَأَيَّامَهُ النَّضِرَةَ، شَاهِدَةٌ عَلَى اهْتِمَامِهِ ﷺ بِالشَّبَابِ، وَرِعَايَتِهِمْ، وَتَعْلِيمِهِمْ، وَتَوْجِيهِهِمْ، وَحِرْصِهِ عَلَى الْحِوَارِ مَعَهُمْ، وَتَأْهِيلِهِمْ لِلْقِيَادَةِ؛ فَتَرَاهُ ﷺ يُدْنِيهِمْ، وَيُقَرِّبُهُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ؛ حَتَّى يَكْتَسِبُوا الْعِلْمَ وَالْخِبْرَةَ وَالْحِكْمَةَ، وَحَتَّى يَكُونُوا عَلَى إِدْرَاكٍ كَامِلٍ وَوَعْيٍ حَقِيقِيٍّ بِالْأَحْدَاثِ مِنْ حَوْلِهِمْ، ثُمَّ يَمْنَحُهُمُ ﷺ الثِّقَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُكَلِّفُهُمْ بِتَحَمُّلِ الْمَسْئُولِيَّةِ.

فَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ اسْتَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَتَكَلَّمَ مِنْ شَبَابِ الْمُهَاجِرِينَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَائِلًا: ((يَا رَسُولَ اللهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنْ: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي ((السِّيرَةِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَبِنَحْوِهِ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)).

وَمِنْ شَبَابِ الْأَنْصَارِ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَائِلًا: ((وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟)).

قَالَ: ((أَجَلْ)).

قَالَ: ((فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنحْنُ مَعَكَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ)).

فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: ((سِيرُوا وَأَبْشِرُوا)). أَخْرَجَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي ((السِّيرَةِ)) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

 ((شَبَابٌ حَمَلُوا أَمَانَةَ الرِّسَالَةِ))

عِبَادَ اللهِ! مِنَ الْأَنْبِيَاءِ خَيْرِ الْبَشَرِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مَنْ حَمَلَ رِسَالَةَ اللهِ فِي مَرْحَلَةِ الشَّبَابِ؛ قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22].

وَحِينَ بَلَغَ مُنْتَهَى شَبَابِهِ وَشِدَّةَ قُوَّتِهِ؛ آتَيْنَا يُوسُفَ فِقْهًا فِي الْأُمُورِ يُمَكِّنُهُ مِنْ إِصْدَارِ الْأَحْكَامِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْقَضَائِيَّةِ، وَآتَيْنَاهُ عِلْمًا وَاسِعًا جَزَاءَ إِحْسَانِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَكَمَا أَنْعَمْنَا عَلَى يُوسُفَ بِهَذِهِ النِّعَمِ كُلِّهَا وَكَذَلِكَ الْجَزَاءُ الْمُعَجَّلُ الَّذِي جَزَيْنَاهُ إِيَّاهُ؛ نَجْزِي كُلَّ الْمُحْسِنِينَ عَلَى إِحْسَانِهِمْ.

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَنْ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص: 14].

وَلَمَّا بَلَغَ مُوسَى النَّاشِئُ فِي الْقَصْرِ الْفِرْعَوْنِيِّ نِهَايَةَ قُوَّتِهِ وَنُضْجِهِ الْجَسَدِيِّ وَالْفِكْرِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، وَاسْتَقَامَ وَاعْتَدَلَ، وَكَانَ فِي سُلُوكِهِ وَفِي نَشْأَتِهِ وَشَبَابِهِ وَفِي اكْتِمَالِ رُجُولَتِهِ.. كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ؛ آتَيْنَاهُ فِقْهًا فِي الْأُمُورِ، وَمَعْرِفَةً لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَحُدُودِهِمَا؛ لِيُصْدِرَ بِهَا أَحْكَامَهُ الْعِلْمِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّةَ وَالْقَضَائِيَّةَ، وَآتَيْنَاهُ مَعَارِفَ دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً، وَمِثْلَ ذَلِكَ الْإِحْسَانِ الَّذِي أَحْسَنَّا بِهِ إِلَى مُوسَى نُكَافِئُ كُلَّ الْمُحْسِنِينَ عَلَى إِحْسَانِهِمْ.

وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء: 57].

أَقْسَمَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ دُونَ أَنْ يُسْمِعَهُمْ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، تَاللهِ لَأُدَبِّرَنَ التَّدْبِيرَ الَّذِي فِيهِ مَكْرُوهٌ بِأَصْنَامِكُمْ بَعْدَ ذَهَابِكُمْ عَنْهَا مُنْطَلِقِينَ إِلَى عِيدِكُمْ، وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَدَعَوْهُ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَخْرُجْ قَائِلًا: إِنِّي سَقِيمٌ!

{فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 58].

وَحَطَّمَ إِبْرَاهِيمُ الْأَصْنَامَ بَعْدَ ذَهَابِهِمْ إِلَى مُجْتَمَعِهِمْ فِي يَوْمِ عِيدٍ لَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ كِسَرًا وَقِطَعًا إِلَّا صَنَمًا كَبِيرًا لَهُمْ، تَرَكَهُ وَلَمْ يُكَسِّرْهُ، وَوَضَعَ الْفَأْسَ فِي عُنُقِهِ؛ رَغْبَةً فِي أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَمَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ إِذَا عَلِمُوا ضَعْفَ الْآلِهَةِ وَعَجْزَهَا.

{قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 59]: فَلَمَّا رَجَعَ الْقَوْمُ مِنْ عِيدِهِمْ إِلَى بَيْتِ آلِهَتِهِمْ؛ رَأَوْا أَصْنَامَهُمْ مُكَسَّرَةً مُحَطَّمَةً إِلَّا صَنَمًا كَبِيرًا فِيهَا، قَالُوا: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا؟! إِنَّهُ فِي تَكْسِيرِهَا وَاجْتِرَائِهِ عَلَيْهَا لَمِنَ الْمُتَجَاوِزِينَ حُدُودَ الْحَقِّ الَّذِي يُؤْمِنُ قَوْمُنَا بِهِ، {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60]: قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَمِعْنَا شَابًّا فَتًى يَعِيبُهُمْ وَيَسُبُّهُمْ، يُقَالُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ، نَظُنُّ أَنَّهُ صَنَعَ هَذَا.

وَقَالَ -تَعَالَى- عَنْ يَحْيَى ﷺ: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12].

وَهَبْنَا لِزَكَرِيَّا يَحْيَى، وَقُلْنَا لَهُ: خُذْ كِتَابَ التَّوْرَاةِ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ، وَذَلِكَ بِحُسْنِ حِفْظِهِ وَفَهْمِهِ وَتَدَبُّرِهِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ بِشَرَائِعِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَحُسْنِ تَعْلِيمِهِ وَنَشْرِهِ، وَأَعْطَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ، وَسَدَادَ الرَّأْيِ، وَحُسْنَ الْفَهْمِ وَالْبَصِيرَةَ، وَتَصْرِيفَ الْأَمْرِ، وَالْفَصْلَ بَيْنَ الْأَقْضِيَةِ وَالْخُصُومَاتِ، وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ.

وَهَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَمَّلَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الرِّسَالَةَ فِي سِنِّ الْأَرْبَعِينَ ﷺ، فَكَانَ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ قَدْ بُغِّضَتْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، وَبُغِّضَ إِلَيْهِ كُلُّ قَوْلٍ قَبِيحٍ وَفِعْلٍ قَبِيحٍ، وَفُطِرَ ﷺ فِطْرَةً مُسْتَعِدَّةً مُتَهَيِّئَةً لِقَوْلِ الْحَقِّ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَاللهُ -تَعَالَى- هُوَ الَّذِي طَهَّرَ قَلْبَهُ وَزَكَّاهُ وَكَمَّلَهُ، فَكَانَ مِنْ رَغْبَتِهِ الْعَظِيمَةِ فِيمَا يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى غَارِ حِرَاءَ الْأَيَّامَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَيَأْخُذُ مَعَهُ طَعَامًا يُطْعِمُ مِنْهُ الْمَسَاكِينَ وَيَتَعَبَّدُ وَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، فَقَلْبُهُ فِي غَايَةِ التَّعَلُّقِ بِرَبِّهِ، وَيَفْعَلُ مِنَ الْعِبَادَاتِ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ عِلْمُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْجَاهِلِيِّ الْخَالِي مِنَ الْعِلْمِ.

وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ، فَلَمَّا تَمَّ عُمُرُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَتَمَّتْ قُوَّتُهُ الْعَقْلِيَّةُ، وَصَلُحَ لِتَلَقِّي أَعْظَمِ رِسَالَةٍ أَرْسَلَ اللهُ بِهَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ؛ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَرَأَى مَنْظَرًا هَالَهُ وَأَزْعَجَهُ؛ إِذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ اللهُ لَهُ الرُّؤْيَا الَّتِي كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ.

كَانَ أَعْظَمُ مَقَامَاتِ دَعْوَتِهِ ﷺ: دَعْوَتَهُ إِلَى التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالنَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ؛ دَعَا النَّاسَ لِهَذَا، وَقَرَّرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَصَرَّفَهُ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَاضِحَةٍ تُبَيِّنُ وُجُوبَ التَّوْحِيدِ وَحُسْنَهُ، وَتُعَيِّنُهُ طَرِيقًا إِلَى اللهِ وَإِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ، وَقَرَّرَ إِبْطَالَ الشِّرْكِ وَالْمَذَاهِبِ الضَّارَّةِ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ احْتَوَى عَلَيْهَا الْقُرْآنُ، وَهِيَ أَغْلَبُ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ فِي هَذَا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ عَلَى شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَاوَمَهُ قَوْمُهُ وَغَيْرُهُمْ، وَبَغَوْا لَهُ الْغَوَائِلَ، وَحَرِصُوا عَلَى إِطْفَاءِ دَعْوَتِهِ بِجَهْدِهِمْ وَقَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ، وَهُوَ يُجَادِلُهُمْ وَيَتَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الصَّادِقُ الْأَمِينُ، وَلَكِنَّهُمْ يُكَابِرُونَ وَيَجْحَدُونَ آيَاتِ اللهِ.

وَمِنَ النَّمَاذِجِ الْمُضِيئَةِ الْمُشْرِقَةِ الَّتِي حَمَلَتْ أَمَانَةَ الرِّسَالَةِ وَالدَّعْوَةِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ فَقَدْ كَانَ ﷺ يَقُولُ عَنْ مُعَاذٍ: ((أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ)).

وَكَانَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ: ((عَجَزَتِ الْأُمَّهَاتُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ مُعَاذٍ)).

وَقَدْ مَاتَ مُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- دُونَ الْأَرْبَعِينَ!!

وَكَانَ مِمَّنْ نَبَغُوا فِي رَيْعَانِ شَبَابِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، وَكَانَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَيْثُ دَعَا لَهُ قَائِلًا: ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)).

وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُجْلِسُهُ فِي مَجْلِسِ شُورَى كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُ: ((ذَلِكَ فَتَى الْكُهُولِ؛ إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَؤُولًا، وَقَلْبًا عَقُولًا)).

وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَتَى قُرَيْشٍ الْمُدَلَّلُ، تَرَبَّى عَلَى الثَّرَاءِ وَالرَّفَاهِيَةِ، وَحِينَمَا امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِالْإِيمَانِ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِتَكْلِيفٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِيَكُونَ أَوَّلَ سَفِيرٍ لِلْإِسْلَامِ، فَنَجَحَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي بِنَاءِ قَاعِدَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ فِي الْمَدِينَةِ؛ تَمْهِيدًا لِهِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَفِي يَوْمِ مُؤْتَةَ -وَهِيَ مَعْرَكَةٌ مِنْ أَشَدِّ الْمَعَارِكِ الَّتِي خَاضَهَا الْمُسْلِمُونَ- مَنَحَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّبَابَ قِيَادَةَ الْجَيْشِ، فَوَلَّى عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ثُمَّ قَالَ: ((إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ))، وَكَانَ الثَّلَاثَةُ شَبَابًا فِي أَوَائِلِ الْعِشْرِينَاتِ.

وَالْأَمْرُ لَمْ يَكُنْ قَاصِرًا عَلَى الشَّبَابِ مِنَ الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ الشَّابَّاتِ دَوْرُهُنَّ الْعَظِيمُ، وَالشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ السَّمْحَاءُ الَّتِي جَاءَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَنْصَفَتِ الْمَرْأَةَ, وَأَعْطَتْهَا حُقُوقَهَا الْعَادِلَةَ بَعْدَمَا ظَلَمَتْهَا الْجَاهِلِيَّةُ كُلُّهَا, فَحَرَّرَهَا الْإِسْلَامُ مِنْ قُيُودِهَا, وَكَرَّمَهَا وَأَعْلَى مَكَانَتَهَا؛ بِاعْتِبَارِهَا إِنْسَانًا، وَبِنْتًا، وَزَوْجَةً، وَأُمًّا وَعُضْوًا فِي الْأُسْرَةِ وَالْمُجْتَمَعِ؟!!

لَقَدْ جُعِلَ تَأْمِينُ أَمْرِ الْمَئُونَةِ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا وَعَنْ أَبِيهَا-.

جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الدَّوْرَ مَنُوطًا بِأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْأُنْثَى وَالْمَرْأَةُ -وَكَانَتْ أَسْمَاءُ حَامِلًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، تَسِيرُ خَمْسَةَ أَمْيَالٍ كَامِلَاتٍ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، وَهُوَ جَبَلٌ شَاهِقٌ شَهْمٌ صُلْبٌ مُتَجَهِّمٌ حِجَارَتُهُ مَسْنُونَةٌ عَنِيفَةٌ حَادَّةٌ، حَتَّى لَقَدْ حَفِيَتْ قَدَمَا رَسُولِ اللَّهِ-، الْمَرْأَةُ إِذَا حَمَلَتْ زَادًا وَطَعَامًا وَمَتَاعًا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، فَكَانَتْ أَسْمَاءُ تُؤَمِّنُ أَمْرَ الزَّادِ.

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُشَاوِرُ زَوْجَاتِهِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، مِثْلَمَا شَاوَرَ أُمَّ سَلَمَةَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَخَذَ بِمَشُورَتِهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، وَنَجَّى اللهُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّلَكُّؤِ فِي إِنْفَاذِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّحَلُّلِ مِنَ الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- .

 

((جُمْلَةٌ مِنْ حُقُوقِ الشَّبَابِ))

إِنَّ الْأُمَّةَ قَدْ عَقَدَتْ مَنَاطَ رَجَائِهَا عَلَى الشَّبَابِ, وَأَسْلَمَتْ زِمَامَ قِيَادِهَا إِلَيْهِمْ؛ فَأَصْبَحُوا مَأْمُونِينَ عَلَى أَمَانَةٍ جَلِيلَةٍ مِنْ أَجْلِ إِخْرَاجِ الْأُمَّةِ مِمَّا هِيَ فِيهِ مِنْ تَخَلُّفِهَا, وَبُعْدِهَا عَنِ الرَّكْبِ الَّذِي أَصْبَحَ قَائِدًا الْبَشَرِيَّةَ إِلَى وَهْدَةٍ فِي حَضِيضٍ هَابِطٍ إِلَى أَسْفَلَ سَافِلِيِنَ؛ مِنْ لَذَّاتٍ, وَشَهَوَاتٍ أُطْلِقَتْ مِنْ عِقَالِهَا بِحَيْثُ لَا يَحْبِسُهَا حَابِسٌ وَلَا يَرُدُّهَا رَادٌّ.

إِنَّ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ تَعْقِدُ رَجَاءَهَا بِأَمْرِ رَبِّهَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَى شَبَابِهَا الَّذِي يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعُودَ الْأَمْرُ مُصَحَّحًا إِلَى سَبِيلِهِ السَّوِيِّ, وَطَرِيقِهِ الْمَرْضِيِّ بَعِيدًا عَنْ عَسْفِ الشَّهَوَاتِ, وَتَخَبُّطِ اللَّذَّاتِ, وَبَعِيدًا عَنِ الْخَبْطِ فِي أَوْدِيَةِ الضَّلَالَاتِ, وَرُجُوعًا إِلَى النَّهْجِ الْأَحْمَدِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

لَقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنا النَّارَ، وَوَصَفَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِبَعْضِ صِفَاتِهَا كَمَا وَصَفَ الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا بِبَعْضِ صِفَاتِهِمْ، وَحَذَّرَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا وَأَهْلِينَا ذَلِكَ الْأَمْرَ الْكَبِيرَ، وَهُوَ وُرُودُ النَّارِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَادَانَا بِوَصْفِ الْإِيمَانِ؛ لِكَيْ يَكُونَ ذَلِكَ حَافِزًا لَنَا عَلَى إِلْقَاءِ سَمْعِ الْقَلْبِ لِمَا يَأْمُرُنَا بِهِ وَمَا يَنْهَانَا عَنْهُ.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: يَا مَنْ أَعْلَنْتُمْ إِيمَانَكُمْ بِرَبِّكِمْ -جَلَّ وَعَلَا-، فَآمَنْتُمْ بِهِ وَبِمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابٍ، وَبِالرَّسُولِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا؛ فَاسْمَعُوا وَعُوا، وَامْتَثِلُوا أَمْرَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَاجْتَنِبُوا مَسَاخِطَهُ.

{قُوا أَنفُسَكُمْ}: اجْعَلُوا بَيْنَ أَنْفُسِكُمْ وَبَيْنَ نَارِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وِقَايَةً وَجُنَّةً {وَأَهْلِيكُمْ}: فَإِنَّكُمْ رُعَاةٌ فِيهِمْ، وَكُلُّ رَاعٍ فِي رَعِيَّةٍ هُوَ مَسْئُولٌ عَنْهَا، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَمَا أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ مَنْ مَكَّنَهُمْ مِنْ وَسَائِلِ الْفِسْقِ وَاللَّهْوِ وَالْفُجُورِ وَإِضَاعَةِ الْأَوْقَاتِ فِي مَعْصِيَةِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَمَا سَعَى بِذَلِكَ فِي وِقَايَتِهِمُ النَّارَ الَّتِي وَصَفَهَا الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ بِقَوْلِهِ: {نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ، يُعَذِّبُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَا أَهْلَ الْفُجُورِ وَالْفِسْقِ وَالْكُفْرِ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

{عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ}: فَهُمْ فِي غِلْظَتِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ مُطِيعُونَ لِلهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِإِنْزَالِ النَّكَالِ وَالْهَوَانِ وَالْعَذَابِ عَلَى مَنِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ فِي النَّارِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلْمُجْرِمِينَ.

فَأَمَرَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالتَّقْوَى، وَأَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا النَّارَ، وَلَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا النَّارَ حَتَّى نَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا وِقَايَةً مِنْ تَقْوَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ أَنْ نَعْمَلَ بِطَاعَتِهِ عَلَى نُورٍ مِنْهُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِهِ، وَلَنْ نَتَّقِيَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَتَّى نَجْتَنِبَ نَوَاهِيَهُ وَحَتَّى نَبْتَعِدَ عَنْ مَعَاصِيهِ، وَحَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ نَخْشَى بِذَلِكَ وَنَخَافُ عَذَابَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَوَصَّانَا اللهُ كَمَا وَصَّى الْأَوَّلِينَ، وَأَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، فَأَمَرَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِأَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا النَّارَ وَأَنْ نَقِيَ أَهْلِينَا النَّارَ، وَوَصَفَهَا بِبَعْضِ مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتٍ، وَوَصَفَ بَعْضَ الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا بِمَا جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَسُوقًا فِي الْآيَةِ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

وَلَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ لِلشَّبَابِ حُقُوقًا يَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى، وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ وَاجِبَاتٍ يَنْبَغِي أَنْ تُؤَدَّى؛ فَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَدِ اهْتَمَّ بِالشَّبَابِ اهْتِمَامًا عَظِيمًا، فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ فِي رِعَايَتِهِمْ، وَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ فِي حِيَاطَتِهِمْ.

 ((مِنْ حُقُوقِ الشَّبَابِ:

التَّعْلِيمُ وَالتَّوْجِيهُ وَالنُّصْحُ وَحُسْنُ الْإِرْشَادِ))

إِنَّ لِلشَّبَابِ حَقَّ التَّعْلِيمِ وَالنُّصْحِ، وَالتَّوْجِيهِ السَّدِيدِ وَحُسْنِ الْإِرْشَادِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مَا كَانَ مِنْ نُصْحِ لُقْمَانَ ابْنَهُ؛ قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12].

وَنُقْسِمُ مُؤَكِّدِينَ لَكُمْ أَنَّنَا آتَيْنَا لُقْمَانَ الْعِلْمَ، وَالْعَمَلَ، وَالْإِصَابَةَ فِي الْأُمُورِ.

وَقُلْنَا لَهُ: اشْكُرْ لِلَّهِ، وَمَنْ يَشْكُرِ اللهَ بِالْإِيمَانِ وَالْحَمْدِ وَالطَّاعَةِ وَالْعَمَلِ بِمَرَاضِيهِ؛ فَإِنَّمَا يَعُودُ نَفْعُ شُكْرِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللهَ يَجْزِيهِ عَلَى شُكْرِهِ ثَوَابًا عَظِيمًا.

وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ بِالْإِيمَانِ وَالْحَمْدِ وَالطَّاعَةِ وَالْعَمَلِ بِمَرَاضِيهِ؛ يَعُودُ عَلَيْهِ وَبَالُ كُفْرِهِ، وَاللهُ غَنِيٌّ بِذَاتِهِ، غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى شُكْرِ الشَّاكِرِينَ، مَحْمُودٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْوُجُودِ.

{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

وَضَعْ فِي ذَاكِرَتِكَ -أَيُّهَا الْمُتَلَقِّي آيَاتِ كِتَابِ اللهِ- ضَعْ نَصِيحَةَ لُقْمَانَ ابْنَهُ وَهُوَ يَنْصَحُهُ نُصْحًا مَقْرُونًا بِمَا يُثِيرُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ، يَا بُنَيَّ الْقَرِيبَ مِنْ قَلْبِي، الْحَبِيبَ لِي، لَا تَجْعَلْ لِلهِ فِي اعْتِقَادِكَ أَوْ عَمَلِكَ شَرِيكًا لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ لِكَوْنِهِ أَوْ فِي إِلَهِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْتَسْوِيَةَ بَيْنَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ؛ بِوَضْعِ الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.

{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].

وَنَصَحْنَا الْإِنْسَانَ نُصْحًا مُؤَكَّدًا بِعَهْدٍ، نَصَحْنَاهُ هَذَا النُّصْحَ أَنْ يَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَيُحْسِنَ إِلَيْهِمَا، وَيُطِيعَ أَمْرَهُمَا فِي الْمَعْرُوفِ، وَيَجْعَلَ أُمَّهُ أَوْفَرَ نَصِيبًا.

حَمَلَتْهُ أُمُّهُ حَمْلَ ضَعْفٍ فِي حَالَتِهَا النَّفْسِيَّةِ عَلَى ضَعْفٍ فِي قُوَاهَا الْجَسَدِيَّةِ، ثُمَّ بَعْدَ آلَامِ الْوَضْعِ وَمَتَاعِبِ النِّفَاسِ تُعَانِي الْأُمُّ مِنْ مَتَاعِبِ الْإِرْضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ.

وَيَكُونُ فِطَامُهُ عَنِ الرَّضَاعِ فِي مُدَّةِ سَنَتَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ الْفُضْلَى.

وَقُلْنَا لَهُ: اشْكُرْ لِلهِ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى؛ بِعِبَادَتِهِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِمَرَاضِيهِ.

وَاشْكُرْ لِوَالِدَيْكَ عَلَى مَا تَحَمَّلَا وَمَا قَدَّمَا فِي تَنْشِئَتِهِمَا وَتَرْبِيَتِهِمَا مِنْ عَطَاءَاتٍ كَثِيرَةٍ.

إِلَيَّ وَحْدِي الْمَرْجِعُ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، فَأُثِيبُ عَلَى الشُّكْرِ، وَأُعَاقِبُ عَلَى الْجُحُودِ وَالْكُفْرِ.

{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15].

وَإِنِ اشْتَدَّا عَلَيْكَ بِالطَّلَبِ -أَيُّهَا الِابْنُ الْمُؤْمِنُ- مُكْرِهَيْنِ لَكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي شِرْكًا مَا، لَا تَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ؛ فَلَا تَسْتَجِبْ لَهُمَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.

وَوَافِقْهُمَا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا مُصَاحَبَةً حَسَنَةً، وَقَدِّمْ لَهُمَا مَعْرُوفًا؛ كَمَالٍ، وَتَكْرِيمٍ، وَخِدْمَةٍ.

وَاتَّبِعْ فِي مَسِيرَتِكَ فِي حَيَاتِكَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ رَجَعُوا إِلَيَّ بِالْإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ إِلَيَّ بَعْدَ رِحْلَةِ الِامْتِحَانِ فِي الدُّنْيَا، وَبَعْدَ مَوْتِكُمْ.. إِلَيَّ رُجُوعُكُمْ، وَمَكَانُ رُجُوعِكُمْ، وَزَمَانُهُ، فَأُخْبِرُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ؛ لِأُجَازِيَكُمْ عَلَيْهِ.

{يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16].

يَا بُنَيَّ الْقَرِيبَ مِنْ قَلْبِي، وَالْحَبِيبَ لِي! إِنَّ الْغَائِبَةَ عِنْدَ الْخَلَائِقِ إِنْ كَانَتْ فِي الصِّغَرِ قَدْرَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ هَذِهِ الْغَائِبَةُ الْخَفِيَّةُ مَعَ صِغَرِهَا فِي بَاطِنِ صَخْرَةٍ، أَوْ فِي مَكَانٍ مَا مِنَ السَّمَاوَاتِ، أَوْ فِي مَكَانٍ مَا مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ؛ يَأْتِ بِهَا اللهُ مِنْ مَكَانِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهَا، قَادِرٌ عَلَى اسْتِخْرَاجِهَا.

إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ يُجْرِي تَدَابِيرَهُ وَأَفْعَالَه بِرِفْقٍ تَامٍّ، يَنْفُذُ بِصِفَاتِهِ إِلَى أَعْمَاقِ كُلِّ مَوْجُودٍ خَلْقًا وَإِمْدَادًا، وَعِلْمًا وَتَصارِيفَ، عَلِيمٌ عِلْمًا كَامِلًا شَامِلًا بِكُلِّ ظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِهَا عِلْمَ حُضُورٍ وَشُهُودٍ وَتَدْبِيرٍ.

{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[لقمان: 17].

يَا بُنَيَّ الْقَرِيبَ مِنْ قَلْبِي، وَالْحَبِيبَ لِي! إِنِّي أُوصِيكَ بِهَذِهِ الْوَصَايَا الثَّمَانِيَةِ بَعْدَ أَنْ أَوْصَيْتُكَ بِعَهْدٍ مُؤَكَّدٍ مُشَدَّدٍ أَلَّا تُشْرِكْ بِاللهِ:

الْوَصِيَّةُ الْأُولَى: أَدِّ الصَّلَاةَ تَامَّةً بِأَرْكَانِهَا، وَشُرُوطِهَا، وَوَاجِبَاتِهَا.

الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ.

الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ.

الْوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: وَسَيُصِيبُكَ أَذًى مِنَ الَّذِينَ تَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ فَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ، إِنَّ ذَلِكَ الصَّبْرَ عَلَى مَا يُصِيبُ الْقَائِمَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ يَحْتَاجُ إِرَادَةً قَوِيَّةً رَفِيعَةً هِيَ مِنْ مُسْتَوَى الْعَزْمِ الَّذِي يَدْفَعُ أَصْحَابَهُ إِلَى تَنْفِيذِ مَا يُرِيدُونَ مِمَّا يُرْضِي اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-؛ وَلَوِ اقْتَرَنَ بِهِ تَحَمُّلُ أَشَدِّ الصُّعُوبَاتِ، وَتَحَمُّلُ أَعْظَمِ الْآلَامِ.

{وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18].

الْوَصِيَّةُ الْخَامِسَةُ: وَلَا تَتَكَبَّرْ؛ فَتَحْقِرَ النَّاسَ، وَتُعْرِضَ بِوَجْهِكَ عَنْهُمْ إِذَا كَلَّمُوكَ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْكِبْرِ.

الْوَصِيَّةُ السَّادِسَةُ: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مُخْتَالًا مُتَبَخْتِرًا فِي مِشْيَتِكَ، إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فِي مَشْيِهِ، مُسْتَكْبِرٍ عَلَى النَّاسِ بِإِعْرَاضِهِ عَنْهُمْ، مُبَالِغٍ فِي الْفَخْرِ عَلَى النَّاسِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَا آتَاهُ اللهُ مِنْ قُوَّةٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ نَسَبٍ، أَوْ جَاهٍ، أَوْ ذَكَاءٍ، أَوْ جَمَالِ وَجْهٍ وَحُسْنِ طَلْعَةٍ.

وَمَنْ لَا يُحِبُّهُ اللهُ؛ فَإِنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِعِقَابِهِ.

{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19].

الْوَصِيَّةُ السَّابِعَةُ: وَلْتَكُنْ فِي مِشْيَتِكَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّأَنِّي فِي سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ.

الْوَصِيَّةُ الثَّامِنَةُ: وَاخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ بِقَدْرِ حَاجَةِ الْمُسْتَمِعِينَ، إِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى رَفْعِهِ مِنْ صِفَاتِ الْحَمِيرِ، فَلَا تَكُنْ يَا بُنَيَّ مُتَّصِفًا بِصِفَةٍ هِيَ مِنْ صِفَاتِ الْحَمِيرِ الَّتِي تَنْهَقُ فَتَرْفَعُ أَصْوَاتَهَا الْمُنْكَرَةِ، إِنَّ أَقْبَحَ الْأَصْوَاتِ وَأَكْثَرَهَا تَنْفِيرًا لِلْأَسْمَاعِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ.

يَا بُنَيَّ! إِنَّ السَّيِّئَةَ أَوِ الْحَسَنَةَ مَهْمَا كَانَتْ صَغِيرَةً مِثْلَ وَزْنِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، وَكَانَتْ فِي بَطْنِ صَخْرَةٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا أَحَدٌ، أَوْ كَانَتْ فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجَازِي الْعَبْدَ عَلَيْهَا.

إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيْءٌ.

يَا بُنَيَّ! أَقِمِ الصَّلَاةَ بِأَدَائِهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاصْبِرْ عَلَى مَا نَالَكَ مِنْ مَكْرُوهٍ فِي ذَلِكَ، إِنَّ مَا أَمَرْتَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا عَزَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَهُ؛ فَلَا خِيرَةَ لَكَ فِيهِ.

وَلَا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَنِ النَّاسِ تَكَبُّرًا، وَلَا تَمْشِ فَوْقَ الْأَرْضِ مُخْتَالًا مُتَكَبِّرًا، إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فِي مِشْيَتِهِ، فَخُورٍ بِمَا أُوتِيَ مِنْ نِعَمٍ لَا يَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهَا، بَلْ يُبْغِضُهُ.

وَتَوَسَّطْ فِي مَشْيِكَ بَيْنَ الْإِسْرَاعِ وَالدَّبِيبِ، مَشْيًا يُظْهِرُ الْوَقَارَ.

وَاخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ، لَا تَرْفَعْهُ رَفْعًا يُؤْذِي، إِنَّ أَقْبَحَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ فِي ارْتِفَاعِ أَصْوَاتِهَا.

وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَاتِ: وُجُوبُ تَعَاهُدِ الْأَبْنَاءِ بِالتَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، وَالنَّصِيحَةِ وَالتَّوْجِيهِ.

وَكَذَلِكَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَعْلِيمٍ وَتَوْجِيهٍ لِلشَّبَابِ؛ فَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: ((يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ)) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ؛ أَيْ: أَمَامَكَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ: ((احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ)).

((احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ؛ رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ، كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي ((الْمَجْمُوعِ)): ((احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ))؛ أَيْ: تَحَبَّبْ إِلَيْهِ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ, وَاجْتِنَابِ مُخَالَفَتِهِ؛ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ.

((وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)). أَخْرَجَ هَذَا بِنَحْوِهِ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي ((الْمُسْنَدِ))، وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا. 

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ وَصَايَا عَظِيمَةً, وَقَوَاعِدَ كُلِّيَّةً مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الدِّينِ, حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: تَدَبَّرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَأَدْهَشَنِي, وَكِدْتُ أَطِيشُ؛ فَوَاأَسَفَا مِنَ الْجَهْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ, وَقِلَّةِ التَّفَهُّمِ لِمَعْنَاهُ.

قَوْلُهُ ﷺ: ((احْفَظِ اللهَ))؛ يَعْنِي: احْفَظْ حُدُودَهُ, وَحُقُوقَهُ, وَأَوَامِرَهُ, وَنَوَاهِيَهُ.

وَحِفْظُ ذَلِكَ: هُوَ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْأَوَامِرِ بِالِامْتِثَالِ, وَعِنْدَ النَّوَاهِي بِالِاجْتِنَابِ, وَعِنْدَ حُدُودِهِ فَلَا يُتَجَاوَزُ مَا أَمَرَ بِهِ وَأَذِنَ فِيهِ إِلَى مَا نَهَى عَنْهُ؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْحَافِظِينَ لِحُدُودِ اللهِ.

هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ عَظِيمٌ جَلِيلٌ جِدًّا، كَسَائِرِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا مَرَّ ذِكْرُ ذَلِكَ: إِنَّهُ لَمَّا تَأَمَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ كَادَ عَقْلُهُ يَطِيشُ مِمَّا حَوَاهُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمَعَانِي، وَتَأَسَّفَ تَأَسُّفًا عَظِيمًا عَلَى غَفْلَةِ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ.

فَتَأَمَّلْهُ عَسَى اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَفْتَحَ لَكَ فِيهِ فَهْمًا، وَأَنْ يَجْعَلَ لَكَ فِيهِ مَخْرَجًا مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُلِمُّ بِالْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ مَا دَامَ حَيًّا؛ فَلَا بُدَّ مِنْ كَرْبٍ يُصِيبُهُ، وَأَلَمٍ يُحِيطُ بِهِ، وَهَمٍّ يَنْزِلُ عَلَيْهِ، وَغَمٍّ يَنْزِلُ بِسَاحَتِهِ، دَارُ الْكَرْبِ، دَارُ الْآلَامِ، دَارُ الشُّرُورِ، دَارُ الْهُمُومِ، وَدَارُ الْغُرُورِ، لَيْسَ فِيهَا رَاحَةٌ.

الرَّاحَةُ الَّتِي فِيهَا إِنَّمَا هِيَ فِي ذِكْرِ اللهِ، فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَرْءُ رَاحَتَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا رَاحَةَ لَهُ، وَإِنَّ فِي الدُّنْيَا لَجَنَّةً مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الْآخِرَةِ، وَهِيَ جَنَّةُ اللُّجْإِ إِلَى اللهِ، وَالِانْطِرَاحِ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْعُبُودِيَّةِ الْمَحْضَةِ مَعَ انْكِسَارِ الْقَلْبِ.

فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي النَّظَرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ فِيهِ تَأَمُّلًا صَحِيحًا آتَاهُ اللهُ خَيْرًا كَثِيرًا.

 ((مِنْ حُقُوقِ الشَّبَابِ:

تَعْلِيمُهُمُ الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ))

إِنَّ أَعْظَمَ حُقُوقِ الشَّبَابِ: التَّرْبِيَةَ عَلَى الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ الطَّيِّبَةِ؛ فَـ ((إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ فِي كَفَالَةِ الصَّالِحِينَ الْأَخْيَارِ؛ فَإِنَّ الْمُرَبِّيَ وَالْكَافِلَ لَهُ الْأَثَرُ الْأَعْظَمُ فِي حَيَاةِ الْمَكْفُولِ وَأَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ الْمُرَبِّينَ بِالتَّرْبِيَةِ الطَّيِّبَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، وَالتَّرْهِيبِ مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ)).

وَمِثَالُ ذَلِكَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ-؛ ((فَقَدْ كَانَتْ أُمُّهَا -زَوْجَةُ عِمْرَانَ؛ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرُؤَسَائِهِمْ، وَذَوِي الْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةِ عِنْدَهُمْ- نَذَرَتْ حِينَ ظَهَرَ حَمْلُهَا أَنْ تُحَرِّرَ مَا فِي بَطْنِهَا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَكُونُ خَادِمًا لِبَيْتِ اللهِ، مُعَدًّا لِعِبَادَةِ اللهِ؛ ظَنًّا أَنَّ الَّذِي فِي بَطْنِهَا ذَكَرٌ.

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ -مُعْتَذِرَةً إِلَى اللهِ، شَاكِيَةً إِلَيْهِ الْحَالَ-: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى}.

أَيْ: أَنَّ الذَّكَرَ الَّذِي لَهُ الْقُوَّةُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى مَا يُرَادُ مِنْهُ مِنَ الْقِيَامِ بِخِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

{وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [ آل عمران: 36 ].

فَحَصَّنْتُهَا بِاللهِ مِنْ عَدُوِّهَا هِيَ وَذُرِّيَّتَهَا، وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ حِفْظٍ وَحِمَايَةٍ مِنَ اللهِ لَهَا، وَلِهَذَا اسْتَجَابَ اللهُ لَهَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ}؛ أَيْ: أَنَّ اللهَ جَبَرَ أُمَّهَا، وَصَارَ لَهَا عِنْدَ رَبِّهَا مِنَ الْقَبُولِ أَعْظَمَ مِمَّا لِلذُّكُورِ، {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [ آل عمران: 37 ].

فَجَمَعَ اللهُ لَهَا بَيْنَ التَّرْبِيَةِ الْجَسَدِيَّةِ وَالتَّرْبِيَةِ الرُّوحِيَّةِ، حَيْثُ قَدَّرَ أَنْ يَكُونَ كَافِلُهَا أَعْظَمَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ فَإِنَّ أُمَّهَا لَمَّا جَاءَتْ بِهَا لِأَهْلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ رَئِيسِهِمْ، فَاقْتَرَعُوا وَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ، فَأَصَابَتِ الْقُرْعَةُ زَكَرِيَّا؛ رَحْمَةً بِهِ وَبِمَرْيَمَ.

فَكَفَلَهَا أَحْسَنَ كَفَالَةٍ، وَأَعَانَهُ عَلَى كَفَالَتِهَا بِكَرَامَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْهُ، فَكَانَتْ قَدْ نَشَأَتْ نَشْأَةَ الصَّالِحَاتِ الصِّدِّيقَاتِ، وَعَكَفَتْ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهَا، وَلَزِمَتْ مِحْرَابَهَا)). 

وَالنَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى تَرْبِيَةِ النَّاشِئَةِ عَلَى تَحَمُّلِ تَكَالِيفِ الْإِسْلَامِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنَاطَ التَّكْلِيفِ فِي الْإِسْلَامِ: الْبُلُوغُ مَعَ الرُّشْدِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَكِنْ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ أَنْ يُرَاعُوا أَبْنَاءَهُمْ فِي صِغَرِهِمْ، وَيُرَبُّوهُمْ عَلَى تَحَمُّلِ تَكَالِيفِ الْإِسْلَامِ؛ حَتَّى تَسْهُلَ عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَيَنْشَئُوا عَلَى حُبِّهَا، وَيُدَاوِمُوا عَلَيْهَا.

وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.

وَلِلتِّرْمِذِيِّ: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ».

وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يَقُومُونَ بِتَرْبِيَةِ النَّاشِئَةِ عَلَى الْأَدَبِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، فَقَدْ رَأَى الرَّسُولُ ﷺ رَبِيبَهُ فِي حَجْرِهِ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- رَآهُ تَطِيشُ يَدُهُ فِي الصَّحْفَةِ أَثْنَاءَ الطَّعَامِ -وَكَانَ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ-، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ -مُعَلِّمًا، وَمُهَذِّبًا، وَمُؤَدِّبًا-: ((يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)).

وَيَبْقَى أَثَرُ هَذَا التَّأْدِيبِ فِي نَفْسِ الْغُلَامِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا، اسْتَمِعْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ بَعْدُ: ((فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

أَيْ: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ هَيْئَةَ أَكْلَتِي بَعْدُ، عَلَى حَسَبِ مَا عَلَّمَهُ إِيَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ))، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((كُنَّا نُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ -أَيْ: مِنَ الصُّوفِ-، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَلِكَ -تَعْنِي: اللُّعْبَةَ- حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ)).

فَهَكَذَا تَرْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ رَبَّى الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَبْنَاءَهُمْ، فَخَرَجَتْ أَجْيَالٌ مُسْلِمَةٌ تَنْشُرُ الْخَيْرَ فِي رُبُوعِ الْأَرْضِ، وَعَاشَتْ بِالْإِسْلَامِ وَلِلْإِسْلَامِ.

وَمِنَ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نَأْمُرَ بِهَا الشَّبَابَ: الصَّلَاةُ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40].

رَبِّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُقِيمُ الصَّلَاةَ بِأَرْكَانِهَا، وَيُحَافِظُ عَلَيْهَا فِي أَوْقَاتِهَا، وَاجْعَلْ مِنْ ذُرِّيَّتِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُقِيمُ الصَّلَاةَ عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِهَا.

رَبَّنَا وَاسْتَجِبْ دُعَائِي بِفَضْلِكَ وَكَرَمِكَ، وَاجْعَلْهُ مَقْبُولًا عِنْدَكَ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132].

وَأْمُرْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَيَا كُلَّ حَامِلٍ لِرِسَالَتِهِ مِنْ أُمَّتِكَ.. أَهْلَكَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَاصْبِرْ صَبْرًا كَثِيرًا عَلَى أَدَائِهَا، وَعَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الصَّلَوَاتِ النَّوَافِلِ، وَلَا سِيَّمَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ.

لَا نُكَلِّفُكَ أَنْ تَرْزُقَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِنًا، وَلَا أَنْ تَرْزُقَ نَفْسَكَ، بَلْ نَحْنُ نُهَيِّئُ لَكَ رِزْقَكَ الَّذِي يَكْفِيكَ وَيَكْفِي أُسْرَتَكَ؛ لِتَتَفَرَّغَ لِلْقِيَامِ بِوَظَائِفِ رِسَالَةِ رَبِّكَ، وَالْعَاقِبَةُ الْحَسَنَةُ الْمَحْمُودَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَهْلِ التَّقْوَى.

إِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي فَرَضَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى عِبَادِهِ هِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَأَعْظَمُ رُكْنٍ عَمَلِيٍّ فِيهِ.

هَذِهِ الصَّلَاةُ ضَيَّعَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ إِمَّا إِضَاعَةً كَامِلَةً بِحَيْثُ لَا يُصَلُّونَ، وَإِمَّا إِضَاعَةً جُزْئِيَّةً بِحَيْثُ إِنَّهُمْ يُصَلُّونَ وَيَتْرُكُونَ أَوْ عَنِ الصَّلَاةِ يَتَهَاوَنُونَ.

وَالرَّسُولُ ﷺ قَدْ بَيَّنَ عَظِيمَ قَدْرِهَا، فَقَالَ: ((الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ)) .

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوصِي سَرَايَاهُ وَأُمَرَاءَ السَّرَايَا إِذَا بَعَثَهُمْ أَلَّا يَدْهَمُوا مَحَلَّةً وَلَا قَرْيَةً وَلَا تَجَمُّعًا حَتَّى يَتَلَبَّثُوا؛ فَإِنْ سَمِعُوا الْأَذَانَ كَفُّوا، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا الْأَذَانَ صَبَّحُوهُمْ .

فَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذِهِ الشَّعِيرَةَ الْعَظِيمَةَ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ الْعَظِيمِ وَهِيَ شَعِيرَةُ الْأَذَانِ، وَلَهُ مَا لَهُ مِنَ الْقَدْرِ فِي دِينِ اللهِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ كَثُرَ الْخَيْرُ؛ فَإِنَّ الْمُؤَذِّنَ يشْهَدُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ، وَحَجَرٍ وَشَجَرٍ وَنَبَاتٍ .

جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْأَذَانَ مَطْرَدَةً لِلشَّيْطَانِ ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الشَّعَائِرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْإِذْعَانِ.

الصَّلَاةُ أَعْظَمُ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَهِيَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْمَرْءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

فَمِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَبْنَاءِ:

*تَعْلِيمُهُمُ الْفُرُوضَ الْعَيْنِيَّةَ.

*تَأْدِيبُهُمْ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَيَكُونُ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِهِمْ فَضْلَ الْعِلْمِ وَطَلَبَتِهِ؛ وَالِاجْتِهَادِ فِي تَعْلِيمِهِمُ الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ.

قَالَ فِي شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].

فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعِلْمِ لَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ مِنْهُ، كَمَا أَمَرَ أَنْ يَسْتَزِيدَهُ مِنَ الْعِلْمِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)) .

وَقَالَ ﷺ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)) .

*عَلِّمُوا الشَّبَابَ حُبَّ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ؛ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقَوْلُهُ ﷺ: ((إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ)): هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَنَاقِبِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ، فَوَرَثَتُهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَهُمْ، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ مَوْرُوثٍ يَنْتَقِلُ مِيرَاثُهُ إِلَى وَرَثَتِهِ؛ إِذْ هُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ مَقَامَهُ مِنْ بَعْدِهِ، لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الرُّسُلِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ فِي تَبْلِيغِ مَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَّا الْعُلَمَاءُ، كَانُوا أَحَقَّ النَّاسِ بِمِيرَاثِهِمْ.

وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْمِيرَاثَ إِنَّمَا يَكُونُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْمَوْرُوثِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي مِيرَاثِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، فَكَذَلِكَ هُوَ فِي مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ، وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ.

وَفِيهِ -أَيْضًا- إِرْشَادٌ وَأَمْرٌ لِلْأُمَّةِ بِطَاعَتِهِمْ، وَاحْتِرَامِهِمْ، وَتَعْزِيرِهِمْ، وَتَوْقِيرِهِمْ، وَإِجْلَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ وَرَثَةُ مَنْ هَذِهِ بَعْضُ حُقُوقِهِمْ عَلَى الْأُمَّةِ، وَخُلَفَاؤُهُمْ فِيهِمْ.

وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَحَبَّتَهُمْ مِنَ الدِّينِ، وَبُغْضَهُمْ مُنَافٍ لِلدِّينِ، كَمَا هُوَ ثَابِتٌ لِمَوْرُوثِهِمْ.

وَكَذَلِكَ مُعَادَاتُهُمْ وَمُحَارَبَتُهُمْ، مُعَادَاةٌ وَمُحَارَبَةٌ لِلَّهِ كَمَا هُوَ فِي مَوْرُوثِهِمْ.

فَيُقْبِلُ الْمُسْلِمُ عَلَى تَعَلُّمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَفْهَمُهُمَا بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَفِي ذَلِكَ النَّجَاةُ، وَفِي ذَلِكَ السَّعَادَةُ.

وَكَانَ الصِّغَارُ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عِنْدَهُمْ عِلْمٌ، وَيَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِ الْكِبَارِ بِأَدَبٍ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ((أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، لَا تَحُتُّ وَرَقَهَا)).

فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا، قَالَ النَّبِيُ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ».

فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتِ، وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ.

قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.

قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ.

الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ سِوَى مَا ذَكَرَ الْإِمَام الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)) .

قَوْلُهُ: ((تُؤْتِي أُكُلَهَا))؛ أَيْ: تُعْطِي ثَمَرَهَا.

قَوْلُهُ: ((لَا تَحُتُّ وَرَقَهَا))؛ أَيْ: لَا تُسْقِطُهُ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((وَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا، فَإِذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ)): ((أَسْنَانُ)): جَمْعُ سِنٍّ بِمَعْنَى عُمْرٍ؛ يَعْنِي: كِبَارَ الْقَوْمِ وَشُيُوخَهُمْ حَاضِرُونَ، أَفَأَتَكَلَّمُ أَنَا؟!

فَمَا أَعْظَمَ أَدَبَهُ!

وَمَا أَقَلَّ أَدَبَ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ!

فِي الْحَدِيثِ: تَوْقِيرُ الْكِبَارِ، لَكِنْ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْكِبَارُ الْمَسْأَلَةَ فَيَنْبَغِي لِلصَّغِيرِ أَنْ يَقُولَهَا.

((مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ الشَّبَابِ:

تَعْلِيمُهُمْ أُصُولَ الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ الشَّبَابِ: تَعْلِيمَهُمْ أُصُولَ الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ؛ فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ فِي تَرْبِيَةِ الشَّبَابِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَفِي الدُّعَاءِ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا مُوَحِّدِينَ؛ فقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ- عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْتَسْلِمَيْنِ لِأَمْرِكَ، خَاضِعَيْنِ لِطَاعَتِكَ, لَا نُشْرِكُ مَعَكَ فِي الطَّاعَةِ أَحَدًا سِوَاكَ, وَلَا فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَكَ.

وَدَعَوَا اللهَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَهْلَ طَاعَتِهِ وَوِلَايَتِهِ وَالْمُسْتَجِيبِينَ لِأَمْرِهِ.

وَوَصَّى إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِالْإِسْلَامِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ, وَهُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ وَالتَّوْحِيدِ لِلَّهِ, وَخُضُوع الْقَلْب وَالْجَوَارِح لَهُ.

فَعَهِدَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إلَى بَنِيهِ بِذَلِكَ -أَيْ: بِالْإِسْلَامِ-، وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَوَصَّى بِذَلِكَ -أَيْضًا- يَعْقُوب بَنِيهِ.

{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} الَّذِي قَدْ عَهِدَ إلَيْكُمْ فِيهِ, {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}: فَاتَّقُوا اللَّه أَنْ تَمُوتُوا إلَّا وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128].

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا بِتَوْفِيقِكَ لَنَا وَهِدَايَتِنَا مُخْلِصَيْنِ مُطِيعَيْنِ خَاضِعَيْنِ لَكَ، رَبَّنَا وَاجْعَلْ بَعْضَ أَوْلَادَنَا بِحِكْمَتِكَ وَتَوْفِيقِكَ جَمَاعَةً خَاضِعَةً مُنْقَادَةً لَكَ.

رَبَّنَا وَعَلِّمْنَا وَبَصِّرْنَا شَرَائِعَ دِينِنَا، وَأَعْمَالَ حَجِّنَا، وَالْأَمَاكِنَ الْخَاصَّةَ الَّتِي جَعَلْتَهَا لِعِبَادَتِكَ، وَتَجَاوَزْ عَنَّا بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا تَوْبَتَنَا، وَارْحَمْنَا؛ إِنَّكَ أَنْتَ كَثِيرُ الْقَبُولِ لِتَوْبَةِ التَّائِبِينَ مِنْ عِبَادِكَ، الدَّائِمُ الرَّحْمَةِ بِهِمْ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ، فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132].

وَوَصَّى إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَالِاسْتِسْلَامِ الْكَامِلِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَوَصَّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ -وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ وَلَدًا، أَحَدُهُمْ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-- بِمِثْلِ مَا وَصَّى بِهِ إِبْرَاهِيمُ، وَكُلٌّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ (سلم2) قَالَ لِبَنِيهِ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُمْ: يَا أَبْنَائِي! إِنَّ اللهَ اخْتَارَ لَكُمْ عَقَائِدَ الدِّينِ، وَشَرَائِعَهُ، وَأَحْكَامَهُ، فَاسْتَخْلَصَ لَكُمْ أَحْسَنَهَا، وَكَلَّفَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا بِهَا، وَتَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهَا.

وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُسْلِمِي قِيَادَتِكُمْ فِي مَسِيرِةِ حَيَاتِكُمْ إِلَيْهِ -جَلَّ جَلَالُهُ-، تُطِيعُونَهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَتُؤَدُّونَهُ، وَتُطِيعُونَهُ فِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَتَجْتَنِبُونَهُ.

فَالْتَزِمُوا بِإِسْلَامِكُمْ لَهُ كُلَّ أَزْمَانِ حَيَاتِكُمْ، حَتَّى إِذَا جَاءَكُمُ الْمَوْتُ الَّذِي لَا تَعْلَمُونَ وَقْتَ نُزُولِهِ بِكُمْ عِنْدَ انْتِهَاءِ آجَالِكُمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الَّتِي أَنْتُمْ فِيهَا مُمْتَحَنُونَ، جَاءَكُمْ حِينَئِذٍ الْمَوْتُ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، مُسْتَسْلِمُونَ، مُنْقَادُونَ، مُطِيعُونَ رَبَّكُمْ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ؛ لِتَكُونُوا مِنَ النَّاجِينَ وَالْفَائِزِينَ بِالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وَقَدْ كَانَ الْخَلِيلُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَدْعُو رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَجْعَلَهُ، وَذُرِّيَّتَهُ فِي جَانِبٍ وَعِبَادَةَ الْأَصْنَامِ فِي جَانِبٍ.

وَهُوَ إِمَامُ الْحُنَفَاءِ، الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَلِيلًا، وَالَّذِي أَبْلَى فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْبَلَاءَ الْحَسَنَ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، فَقَالَ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ! فَنَجَّاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْهَا بَعْدَمَا كَسَّرَ الْأَصْنَامَ، وَعَادَى قَوْمَهُ وَأَبَاهُ، إِذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا، فَكَيْفَ بِمَنْ دُونَهُ؟!!

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35].

وَضَعْ فِي ذَاكِرَتِكَ أَيُّهَا الْمُتَلَقِّي لِآيَاتِنَا حِينَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- دَاعِيًا رَبَّهُ، بَعْدَ أَنْ أَسْكَنَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ وَأُمَّهُ مَكَّةَ: رَبِّ اجْعَلْ مَكَّةَ بَلَدًا ذَا أَمْنٍ، يَأْمَنُ كُلُّ مَنْ فِيهَا، وَأَبْعِدْنِي وَأَبْعِدْ بَنِيَّ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.

{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}: أَيِ اجْعَلْنِي وَبَنِيَّ فِي جَانِبٍ وَعِبَادَةَ الْأَصْنَامِ فِي جَانِبٍ آخَرَ.

فَإِذَا كَانَ إِمَامُ الْحُنَفَاءِ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- -وَهُوَ الَّذِي عَادَى أَبَاهُ وَقَوْمَهُ، وَكَسَّرَ الْأَصْنَامَ، وَدَعَا إِلَى عِبَادَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحْدَهُ، إِذَا كَانَ إِمَامُ الْحُنَفَاءِ إِبْرَاهِيمُ- يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الشِّرْكَ، وَيَدْعُو رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُجَنِّبَهُ وَذُرِّيَّتَهُ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35].

قَالَ إِبْرَاهِيمُ النُّخَعِيُّ: ((فَمَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ؟!)).

 

عَلِّمُوا أَبنَاءَكُمْ!

عَلِّمُوا ذَوِيكُمْ!

عَلِّمُوا أَهلِيكُمْ!

عَلِّمُوا الدُّنيَا كُلَّهَا؛ أُصُولَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ!

عَلِّمُوهُمْ كَيفَ يَأخُذُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِمِنهَاجِ النُّبُوَّةِ, بِفَهمِ الصَّحَابَةِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ!

وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّ العَالمِينَ فِي دِينِكُم, وَاحذَرُوا أَنْ تُضَيِّعُوهُ؛ فَإِنَّ الفُرصَةَ لَا تَسْنَحُ كُلَّ حِين!!

((مِنْ حُقُوقِ الشَّبَابِ:

الِاهْتِمَامُ بِالتَّرْبِيَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ لَهُمْ))

يَجِبُ الِاهْتِمَامُ بِالتَّرْبِيَةِ الرُّوحِيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ لِلشَّبَابِ؛ وَأَعْظَمُ سُبُلِ التَّرْبِيَةِ الرُّوحِيَّةِ لِلشَّابِّ الْمُسْلِمِ: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، وَذِكْرُ اللهِ؛ فَالْبُيُوتُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُنِيرَةً بِآيَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ بِقُرْآنِ الرَّحْمَنِ لَا بِقُرْآنِ الشَّيْطَانِ!!

لَقَدْ كَانَتْ أَبْيَاتُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ -لِمَنْ سَارَ فِي طُرُقَاتِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ- كَانَتْ تِلْكَ الْأَبْيَاتُ -أَبْيَاتُ الْأَصْحَابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-- لَهَا بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

فَلْنُوَجِّهْ أَهْلِينَا وَلْنُوَجِّهْ أَنْفُسَنَا إِلَى كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَمَا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ إِلَّا بِتَرْكِ كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ لِلنَّفْسِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَبِسُنَّةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ.

إِنَّنَا نُقِيتُ أَهْلِينَا بِمَا تَقُومُ بِهِ أَجْسَادُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُقِيتَ أَرْوَاحَهُمْ، وَقُلُوبَهُمْ، وَأَنْفُسَهُمْ، وَعُقُولَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ، يَسْتَمِدُّونَ الْحَيَاةَ الْحَقِيقِيَّةَ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

أَلَا فَلْنُوَجِّهْهُمْ بَعْدَ أَنْ نُوَجِّهَ أَنْفُسَنَا إِلَى ذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَإِنَّ فِي الْقَلْبِ قَسْوَةً لَا يُذِيبُهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ، وَقَدْ تَكَاثَرَتْ عَلَيْنَا الْأَوْامِرُ وَعَظُمَتْ عَلَيْنَا النَّوَاهِي، فَيَنْبَغِي أَنْ نَتَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ الْأَصِيلِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ النَّبِيُّ النَّبِيلُ ﷺ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا سُئِلَ -سَأَلَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَت عَلَيَّ، فَدُلَّنِي عَلَى أَمْرٍ أَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٍ.

كَثُرَتْ عَلَيَّ الشَّرَائِعُ، عَظُمَتْ عَلَيَّ الْأُمُورُ، صِرْتُ فِي حَيْرَةٍ حَائِرَةٍ، وَصِرْتُ فِي بَلْبَلَةٍ كَائِنَةٍ، ((دُلَّنِي عَلَى أَمْرٍ أَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِع)): ضَعْ يَدِي عَلَى ذَلِكَ الْمَعْلِّمِ الْأَصِيلِ بِرَايَةِ التَّوْحِيدِ أَرْفَعُهَا، دُلَّنِي عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَكَانَ قَدْ دَلَّهُ، فَدَلَّهُ عَلَى الْمَعْلَمِ الْأَكْبَرِ فِيهِ، فَقَالَ: ((لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- )).

فَفِيهِ يُبُوسَةٌ لَا يُصِيبُ رُطُوبَتَهَا بِخَيْرٍ إِلَّا ذِكْرُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَفِي الْقَلْبِ قَسَاوَةٌ لَا يُذِيبُهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ، حَتَّى لَا تَتَحَوَّلَ الْفَرَائِضُ وَالشَّعَائِرُ إِلَى أُمُورٍ شَكْلِيَّةٍ وَحَرَكَاتٍ آلِيَّةٍ، فَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ لَمْ يُصَلِّ!!

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: ((ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))، مَعَ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالَّذِي يُخَاطِبُهُ فَمًا لِأُذُنٍ هُوَ رَسُولُ اللهِ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُسِيئًا لَمْ يُحْسِنِ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا كَيْفَ يُصَلِّي، فَدَلَّهُ النَّبِيُّ ﷺ.

فِي الْقَلْبِ يُبُوسَةٌ، وَفِي الرُّوحِ قَسَاوَةٌ لَا يُذِيبُهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَقَدْ أَمَرَنَا ﷺ بِأَلَّا نَكُفَّ عَنْ ذِكْرِ رَبِّنَا؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمَرَنَا بِذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ فِي حَالَاتِنَا الَّتِي فِيهَا الْأُنْسُ وَالدَّعَةُ وَالْخَفْضُ وَاللِّينُ، بَلْ أَمَرَنَا بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: 45].

عِنْدَ الْجِهَادِ، عِنْدَ لِقَاءِ الْأَعْدَاءِ، عِنْدَ تَقَابُلِ الصُّفُوفِ، {فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الأنفال: 45]، وَهَذَا وَحْدَهُ يَدُلُّكَ عَلَى فَضْلِ ذِكْرِ رَبِّكَ -جَلَّ وَعَلَا-.

أَلَا إِنَّ الذَّاكِرِينَ رَبَّهُمْ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَرَكَةِ حَيَاتِهِمْ سَكِينَةً وَاطْمِئْنَانًا، وَإِخْبَاتًا وَإِنَابَةً وَخُشُوعًا، سَكِينَةً عِنْدَ نُزُولِ الْمِحَنِ، وَتَثبُّتًا وَتَرَيُّثًا عِنْدَ حُلُولِ الْفِتَنِ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْقَوْا مَقَادَةَ الْقَلْبِ لِلشَّرْعِ يُصَرِّفُهَا كَمَا يَشَاءُ فِي: ((قَالَ اللهُ، قَالَ رَسُولُهُ، فِي الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ)).

وَمَنْ أَخَذَ بِالْوَحْيِ الْمَعْصُومِ فَإِنَّهُ لَا يَزِلُّ.

 ((مِنْ حُقُوقِ الشَّبَابِ:

تَفَقُّدُ أَحْوَالِهِمْ وَمُعَالَجَةُ مُشْكِلَاتِهِمْ))

إِنَّ مِنْ أَهَمِّ الْجَوَانِبِ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا مَعَ الشَّبَابِ: الْجَانِبَ الِاجْتِمَاعِيَّ وَالْعَاطِفِيَّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُولِي اهْتِمَامًا كَبِيرًا بِهَذَا الْجَانِبِ؛ فَقَدْ أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ أَحَدٍ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَمْتِهِ، وَفِي دَلِّهِ، وَفِي مَشْيِهِ، وَفِي جِلْسَتِهِ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَقْبَلَتْ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَوْضِعِهِ ﷺ، وَكَانَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهَا وَذَهَبَ إِلَيْهَا؛ قَامَتْ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ ﷺ.

وَمِنَ الِاهْتِمَامِ الِاجْتِمَاعِيِّ بِالشَّابِّ الْمُسْلِمِ: تَتَبُّعُ أَخْبَارِهِ، وَالسُّؤَالُ عَنْ حَالِهِ، وَالِاجْتِهَادُ لِحَلِّ مَشَاكِلِهِ؛ فَقَدْ عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابنَتَهُ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنْ يُسَبِّحَا كُلَّ لَيلَةٍ إِذَا أَخَذَا مَضَاجِعَهُمَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَيَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَيُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ لمَّا سَأَلَتْهُ الْخَادِمَةَ, وَشَكَتْ إِلَيْهِ مَا تُقَاسِيهِ مِنَ الطَّحْنِ وَالسَّقْيِ وَالْخِدْمَةِ، فَعَلَّمَهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: ((إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

 ((مِنْ حُقُوقِ الشَّبَابِ:

حِمَايَتُهُمْ مِنَ التَّطَرُّفِ الْأَخْلَاقِيِّ وَالْفِكْرِيِّ))

إِنَّ أَعْدَاءَ دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُرِيدُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَرَاحِلِ الصِّدَامِ الْأُولَى مَعَهُمْ؛ لَا يُرِيدُونَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ, كَثِيرٌ مِنَ الْمِسْلِمِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ يُرِيدُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى دِينِهِمْ, هَكَذَا بَدَأَ؟!!

لَا, وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ تَشْتِيتَ الْمُسْلِمِ فِي عَقِيدَتِهِ، وَفِي حَيَاتِهِ، وَعِبَادَتِهِ، وَفِي مُعَامَلَاتِهِ، وَفِي أَخْلَاقِهِ، وَفِي سُلُوكِهِ؛ لِكَيْ يَصِيرَ لَا مُسْلِمًا وَلَا كَافِرًا.

هُمْ يُرِيدُونَ الْمُسْلِمَ خَارِجًا مِنْ إِطَارِ إِسْلَامِهِ إِلَى شَيْءٍ لَا يَمُتُّ لِلْإِسْلَامِ بِسَبَبٍ وَثِيقٍ, وَلِذَلِكَ يَغْزُونَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَقَائِدِهِمْ، وَتَنْتَشِرُ تِلْكَ الْأَفْكَارُ الْإِلْحَادِيَّةُ الْكَافِرَةُ الْفَاجِرَةُ: مِنَ (الْقَادْيَانِيَّةِ)، وَ(التِّيجَانِيَّةِ)، ومِنْ (دِينِ الرَّوَافِضِ)، وَمَا أَشْبَهَ مِنَ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ الْفَاسِدَةِ، حَتَّى إِنَّهُمْ زَيَّنُوا لِفِئَامٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (عِبَادَةَ الشَّيْطَانِ)، حَتَّى وُجِدَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْبُدُ الشَّيْطَانَ الرَّجِيمَ!!

فَهُمْ يُرِيدُونَ الْمُسْلِمِينَ مُشَتَّتِينَ، وَالْعِصْمَةُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَعْرِفَ الْمُسْلِمُ عَقِيدَتَهُ، فَهِيَ طَوْقُ النَّجَاةِ فِي يَمِّ الْحَيَاةِ, فَالْعَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ طَوْقُ النَّجَاةِ فِي يَمِّ الْحَيَاةِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَهُ أَذًى وَلَا أَنْ يَلْحَقَهُ غَرَقٌ, وَلَا أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ مَا دَامَتْ عَقِيدَتُهُ مَعَهُ, وَهَذَا هُوَ الَّذِي بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

النَّبِيُّ ﷺ يَعْلَمُ بِعِلْمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّذِي عَلَّمَهُ؛ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ قَلْبٌ، وَلَهُ رُوحٌ وَجَسَدٌ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لِقَلْبِهِ مُتَطَلَّبَاتٌ، وَلِرُوحِهِ كَذَلِكَ حَاجَاتٌ، وَلِجَسَدِهِ مَا يَقُوتُهُ وَيَحْيَا بِهِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَكُونُوا وَسَطًا؛ لِأَنَّهُمْ وَسَطٌ فِي الْأُمَمِ، فَعَقِيدَتُهُمُ الْوَسَطُ الَّذِي لَا يَزِيغُ وَلَا يَنْحَرِفُ، فَلَا غُلُوَّ وَلَا تَقْصِيرَ، وَلَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ.

يَسْرِي الْيَوْمَ كَسَرَيَانِ السَّرَطَانِ فِي الْجَسَدِ الْحَيِّ أَفْكَارٌ كُفْرِيَّةٌ مِنْهَا:

* مَا يَتَسَلَّلُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الطَّيِّبِينَ, يَقُولُ: الْأَدْيَانُ كُلُّهَا حَقٌّ، وَكُلٌّ يَعْبُدُ رَبَّهُ, وَالْمَعْبُودُ فِي الْمُنْتَهَى هُوَ الْمَعْبُودُ, فَسَوَاءٌ كَانَ الْعَابِدُ مُسْلِمًا أَمْ كَانَ عَابِدًا عَلَى أَيِّ نِحْلَةٍ تَكُونُ؛ فَهُوَ عَابِدٌ لِخَالِقِ الْكَوْنِ، لِمَالِكِهِ، لِلَّذِي يُدَبِّرُ أَمْرَهُ، هَكَذَا؟!!

هَذَا كُفْرٌ بِدِينِ الْإِسْلَامِ، هَذَا كُفْرٌ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَكَثِيرٌ مِنْ دُوَلِ الْعَالَمِ الْغَرْبِيِّ وَالشَّرْقِيِّ تُعَانِي مِنْ نَزْعَةٍ إِلْحَادِيَّةٍ عَارِمَةٍ، جَسَّدَتْهَا الشُّيُوعِيَّةُ الْمُنْهَارَةُ، وَتُجَسِّدُهَا الْعَلْمَانِيَّةُ الْمُخَادِعَةُ.

وَالْإِلْحَادُ بِدْعَةٌ جَدِيدَةٌ لَمْ تُوجَدْ فِي الْقَدِيمِ إِلَّا فِي النَّادِرِ فِي بَعْضِ الْأُمَمِ وَالْأَفْرَادِ.

الْإِلْحَادُ -فِي هَذَا الْعَصْرِ- لَهُ مَوَاقِعُ، وَلَهُ كُتُبٌ، وَلَهُ نَشْرَاتٌ، وَلَهُ مَرَاكِزُ، وَهُمْ يُرَوِّجُونَهُ بَيْنَ الشَّبَابِ، وَالشَّبَابُ قَدْ فُرِّغَ مِنْ ثَقَافَتِهِ، بَلْ فُرِّغَ مِنْ عَقِيدَتِهِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ عَنْ نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا صَدَّقَ أَنَّهَا مِنَ الْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْجِدَالَ، مَعَ أَنَّهَا أَوْهَامٌ فِي أَوْهَامٍ.

يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تُحَصِّنَ نَفْسَكَ، ثُمَّ يَنْبَغِي عَلَيْكَ كَمُسْلِمٍ سُنِّيٍّ؛ يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَنْقِذَ إِخْوَانَكَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ أَمْثَالُ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ، وَهَذَا الْأَمْرُ يَتَفَشَّى الْآنَ، بَلْ يَنْتَشِرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ الْمُسْلِمِ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ!!

نَحْنَ فِي هَذَا الْعَصْرِ نَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَنْفُسِنَا؛ فَلِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَثْبُتُوا عَلَى الْحَقِّ الَّذِي فَطَرَهُمُ اللهُ عَلَيْهِ، أَوْ لِمَنِ انْحَرَفَ عَنِ الْقَصْدِ فَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ الشُّبُهَاتُ حَتَّى وَقَعَ في شُبْهَةٍ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُخْرِجُهُ مِنَ الْجَادَّةِ إِلَى الْإِلْحَادِ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-.

فَالْمُسْلِمُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْحِيَلِ الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا مَنْ يَنْطِقُ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَيُلْقُونَهَا فِي أَسْمَاعِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ؛ مِنْ أَجْلِ أنْ يَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ.

وَأَيْضًا عَقِيدَةُ الْخَوَارِجِ مُنْتَشِرَةٌ بَيْنَ الشَّبَابِ، وَانْتِشَارُ مَظَاهِرِ الْفَسَادِ فِي كَثِيرٍ مِنْ بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَالسَّمَاحُ لِدُعَاةِ الْفِكْرِ الْغَرْبِيِّ وَغَيْرِهِمْ بِالتَّعَدِّي وَالظُّهُورِ وَالتَّحَدُّثِ ضِدَّ الْإِسْلَامِ عَلَانِيَةً, مَعَ انْتِشَارِ مَظَاهِرِ الِانْحِرَافِ الْأَخْلَاقِيِّ.

هَذِهِ كُلُّهَا لَا شَكَّ شَجَّعَتْ عَلَى رُدُودِ الْفِعْلِ لَدَى الشَّبَابِ, فَوَجَبَ إِزَالَتُهَا وَالسَّعْيُ لِتَطْبِيقِ شَرِيعَةِ اللهِ, وَجَعْلُ الدِّينِ الْمُسَيْطِرِ عَلَى الْحَيَاةِ, وَبِغَيْرِ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِنْشَاءُ الْمُوَاطِنِ الصَّالِحِ.

وَمِنْ أَسْبَابِ انْحِرَافِ الشَّبَابِ وَتَدْمِيرِهِمْ: الِاتِّجَارُ فِي الْمُخَدِّرَاتِ وَالْإِدْمَانُ؛ فَيَدْخُلُ فِي الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَفِي الْمُحَارَبَةِ لِلهِ -تَعَالَى- وَلِرَسُولِهِ ﷺ؛ الِاتِّجَارُ فِي الْمُخَدِّرَاتِ وَالْمُفَتِّرَاتِ، وَكُلِّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُغيِّبَ الْوَعْيَ أَوْ يُذْهِبَهُ، أَوْ يُضْعِفَ الْعَقْلَ أَوْ يَحْجُبَهُ، بَلْ يَدْخُلُ الْمُتَعَاطِي لِلْمُخَدِّرَاتِ بِأَيِّ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِهَا، وَبِأَيِّ ضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِهَا؛ فِي الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ وَالْمُحَارَبَةِ لِلهِ وَرَسُولِهِ، ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَيَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُهُ؛ إِذْ يُضَيِّعُ الْمُدْمِنُ نَفْسَهُ وَيُضيِّعُ مَنْ يَعُولُ، بَلْ يُضَيِّعُ حَقَّ دِينِهِ، وَحَقَّ وَطَنِهِ، وَيُهْدِرُ طَاقَاتِهِ، وَيُبَدِّدُ ثَرْوَاتِهِ، وَيُفرِّطُ فِي عِرْضِهِ وَشَرَفِهِ، وَيَظْلِمُ مَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ لَا يَفْعَلُ وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ؟!

فَمِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَمِنَ الْمُحَارَبَةِ لِلهِ وَرَسُولِهِ: تَضْيِيعُ شَبَابِ الْأُمَّةِ وَشِيبِهَا، وَإِهْدَارُ ثَرْوَاتِهَا وَمُقَدَّرَاتِهَا، وَتَضْيِيعُ الذُّرِّيَّةِ وَالْأَهْلِ، وَالتَّفْرِيطُ فِي حَقِّ الدِّينِ وَحَقِّ الْوَطَنِ.

وَمِنَ الْأَمْرَاضِ الْخَطِيرَةِ الَّتِي أَصَابَتْ شَبَابَ الْأُمَّةِ: تَفْرِيغُ الشَّبَابِ ثَقَافِيًّا، وَتَغْرِيبُهُمْ؛ فَإِنَّ الْأَجْيَالَ الْمُسْلِمَةَ قَدْ تَتَابَعَ عَلَيْهَا تَفْرِيغٌ ثَقَافِيٌّ، فُرِّغَتْ أَجْيَالُنَا مِنْ ثَقَافَتِهَا، وَمِنْ لُغَتِهَا، وَلَمْ تُتْرَكْ مُفَرَّغَةً، وَإِنَّمَا حُشِيَتْ جَهْلًا وَمُلِئَتْ مَكْرًا، وَأُحِيطَ بِهَا كَيْدَا وَسُخْرًا -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ رَبِّ الْعَالَمِينَ-، فَإِلَى اللهِ الْمُشْتَكَى، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.

إِنَّ كُلَّ مَنْ آتَاهُ اللهُ فِطْرَةً سَلِيمَةً، وَحَفِظَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ فِطْرَتَهُ مِنَ التَّشَوُّهِ وَالْفَسَادِ؛ يَجِدُ هَذَا الْإِحْسَاسَ؛ إِحْسَاسَ التَّمَزُّقِ بَيْنَ مَاضِيهِ وَمَوْرُوثِهِ، وَعَقِيدَتِهِ وَدِينِهِ، وَإِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ، وَمَا يُرَادُ أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهِ وَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ، كَمَا تَرَى فِي تِلْكَ الْمُسُوخِ الْمُشَوَّهَةِ الَّتِي مَلَأَتِ الْأَصْقَاعَ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ-، وَالَّتِي مَاجَتْ بِهَا الدُّنْيَا وَفَاضَتْ بِهَا الْحَيَاةُ، وَهِيَ لَا تُغْنِي عَنْ أُمَّتِهَا شَيْئًا، وَهِيَ لَا تَعِي مِنْ مَوْرُوثِهَا وَلَا مِنْ حَضَارَتِهَا شَيْئًا؛ بَلْ إِنَّهَا لَا تَحْمِلُ لِمَوْرُوثِهَا وَلِقَدِيمِهَا وَلِدِينِهَا وَعَقِيدَتِهَا سِوَى الْحِقْدِ، وَسِوَى الِاحْتِقَارِ، وَسِوَى الِازْدِرَاءِ، وَحَدِّثْ عَنْ هَذَا كُلِّهِ وَلَا حَرَجَ.

أَمْرٌ مُفْجِعٌ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُطْوَى الْقَلْبُ عَلَى أَحْزَانِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي الْكَبِدِ النَّصْلُ الْمَسْمُومُ مَغْرُوزًا فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَحَرُّكٍ؛ حَتَّى يَرَى الْمَرْءُ طَرِيقَهُ، وَحَتَّى تَسْتَقِيمَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ قَدَمَاهُ، وَإِلَّا فَهُوَ وَاقِعٌ فِي حَيْرَةٍ مُطْبِقَةٍ، وَفِي ظُلْمَةٍ عَاتِيَةٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ فِيهَا لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، ثُمَّ هُوَ مُسْتَلَبٌ مُغَيَّبٌ!!

ثُمَّ هُوَ مُفَرَّغٌ مَمْلُوءٌ فِي آنٍ، مُفَرَّغٌ مِنْ مَاضِيهِ.. مِنْ تُرَاثِهِ.. مِنَ انْتِمَائِهِ.. مِنْ حَضَارَتِهِ.. مِنْ قَدِيمِهِ.. مِنْ تُرَاثِ أَجْدَادِهِ وَآبَائِهِ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ-، وَمَمْلُوءٌ بِتِلْكَ النِّفَايَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ وَاسْتَقَرَّتْ فِي ضَمِيرِهِ وَنَفْسِهِ، مِنْ تِلْكَ الْمَدَنِيَّةِ الْفَاجِرَةِ الْعَاهِرَةِ الَّتِي مَاجَتْ بِهَا دِيَارُ الْغَرْبِ، وَالَّتِي لَمْ تَسْمُ بِقِيمَةٍ وَلَمْ تَرْتَفِعْ بِمِثَالٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُشَارَكَةٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّوحِ وَالْقَلْبِ وَالضَّمِيرِ.

وَإِنَّمَا هِيَ مَادِّيَّةٌ مُتَبَرِّجَةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ عَاهِرَةٌ سَافِرَةٌ، تَتَكَالَبُ عَلَى الْمَلَذَّاتِ، مُرِيقَةٌ لِلدِّمَاءِ، لَيْسَ لَهَا مُشَارَكَةٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّمَاءِ، مِنَ الِاتِّصَالِ الَّذِي تَسْعَى إِلَيْهِ الرُّوحُ، وَالَّذِي يَهْفُو إِلَيْهِ الضَّمِيرُ، وَالَّذِي لَا يَعِيشُ الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا حَقِيقِيًّا إِلَّا بِهِ، بِجُوعِ بَاطِنٍ إِلَى اتِّصَالِهِ بِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَتَلَقِّي وَحْيِهِ الَّذِي يُصَافِحُ فِطْرَتَهُ بِفِطْرَتِهِ؛ إِذْ هُوَ الْفِطْرَةُ مُصَفَّاةٌ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ، مُبَرَّأَةٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ.

إِنَّ الَّذِينَ اسْتُلِبُوا وَفُرِّغُوا وَمُلِئُوا؛ فَهَؤُلَاءِ يَمْلَئُونَ الشَّوَارِعَ وَالْأَصْقَاعَ، وَتَمُوجُ بِهِمُ النَّوَاحِي وَالْأَقْطَارُ، وَهُمُ الْغُثَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ فِي حَدِيثِهِ، فِي قُلُوبِهِمُ الْوَهْنُ، وَبَادِيَةٌ عَلَى أَسَارِيرِ وُجُوهِهِمْ مَذَلَّةٌ حَاضِرَةٌ، وَاسْتِخْزَاءٌ ذَمِيمٌ، وَهُمْ تَبَعٌ لِكُلِّ نَاعِقٍ فِي كُلِّ سَبِيلٍ.

* وَمِنْ سُبُلِ تَدْمِيرِ الشَّبَابِ: مُحَارَبَتُهُمْ بِالْفَوَاحِشِ، وَالْمُجْتَمَعَ إِذَا مَا انْهَارَتْ أَخْلَاقُهُ، وَإِذَا مَا سَقَطَتْ فِي الْحَمْأَةِ الْوَبِيلَةِ، الْمُجْتَمَعُ إِذَا ظَهَرَتْ فِيهِ الْفَاحِشَةُ؛ انْهَارَ لَا مَحَالَةَ!!

وَقَدْ عَلِمَ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ فِي دَاخِلٍ وَخَارِجٍ أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا بِالْمُوَاجَهَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ذَا بَالٍ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ التَّرْكِيزُ كُلُّهُ عَلَى بَثِّ الشُّبُهَاتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى إِثَارَةِ نَوَازِعِ الْعَصَبِيَّةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَبِإِثَارَةِ الشَّهَوَاتِ وَبَعْثِ النَّزَوَاتِ مِنْ مَكَامِنِهَا، فَإِذَا انْهَارَتِ الْأَخْلَاقُ؛ انْهَارَ الْمُجْتَمَعُ لَا مَحَالَةَ.

وَالْآنَ يَعْكُفُ النَّاسُ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-- فِي الْأَصْبَاحِ وَفِي الْأَمْسَاءِ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَفِي السَّحَرِ الْأَعْلَى، وَفِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، عَلَى مُشَاهَدَةِ الْعُهْرِ وَالْخَنَا، وَتَبَلَّدَتِ الْأَخْلَاقُ، وَانْمَحَقَتِ الْغَيْرَةُ!!

الرَّجُلُ تَكُونُ امْرَأَتُهُ بِجِوَارِه تَتَطَلَّعُ إِلَى رَجُلٍ عَارٍ، لَا يَبْقَى إِلَّا أَنْ يُكْشَفَ غِطَاءٌ، وَلَرُبَّمَا كُشِفَ حَتَّى تَرَى الْمَرْأَةُ مُوَاقَعَةً، وَمُبَاشَرَةً وَاقِعَةً، وزَوْجُهَا -وَقَدْ خَرَجَ لَهُ قَرْنَانِ عَظِيمَانِ- بِجِوَارِهَا يَنْظُرُ، وَرُبَّمَا يَضْحَكُ!!

وابْنَتُهُ يَأْتِي إِلَيْهَا في خِدْرِهَا بِالْخَنَا، وَيَأْتِي لَهَا فِي خِدْرِهَا مَا يُعَلِّمُهَا بِهِ الْفُجُورَ!! ثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ؛ لَامَ النَّاسَ، وَلَامَ الدُّنْيَا، وَهُوَ الَّذِي حَفَرَ بِظِلْفِهِ قَبْرَهُ، فَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ؛ حَتَّى تَتَنَزَّلَ عَلَيْنَا الرَّحَمَاتُ؛ فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ يُحْجَبُ بِهَا خَيْرٌ كَبِيرٌ.

وَلَا يَجِدُ الْمَرْءُ فِي النَّصِيحَةِ خَيْرًا مِنْ كَلَامِ رَبِّهِ, وَمِنْ وَحْيِهِ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور : 33], وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)).

وَذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ عِدْلًا بِعِدْلٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ, وَأَتَى بِفَوَائِدَ مِمَّا يَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ فِي حِينِ زَوَاجِهِ عَلَى مَنْهَجِ رَبِّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ: ((فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ)), فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْعِدْلِ وَالْمِثْلِ كِفَاءً بِكِفَاءٍ, وَأَخْذًا بِمَا جَاءَ بِهِ خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ: ((فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)), وَالْوِجَاءُ الَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَهُ فِي فُحُولِ إِبِلِهِمْ: أَنْ يَأْتِيَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بِحَجَرَيْنِ يَرُضُّ الْخُصْيَتَيْنِ -خُصْيَتَيِ الْفَحْلِ- بَيْنَهُمَا رَضًّا مِنْ أَجْلِ قَطْعِ مَادَّةِ الشَّهْوَةِ وَقَتْلِ نَوَازِعِ اللَّذَّاتِ، فَأَخَذَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ وَاقِعًا, ثُمَّ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ السَّبِيلَ إِلَيْهِ مَسْلُوكًا, وَالنَّهْجَ إِلَيْهِ مَحْمُودًا وَوَاضِحًا, فَقَالَ ﷺ: ((فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ)).

إِذَنْ؛ هُمَا أَمْرَانِ فِي كِفَّتَيْنِ، إِذَا مَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَرْءُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَحَدِهِمَا فَلَدَيْهِ الْآخَرُ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ, وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ, وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)).

النَّبِيُّ ﷺ حَضَّ الشَّبَابَ عَلَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِرَحْمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَاصِمًا لِلشَّابِّ مِنْ أَنْ يَتَلَوَّثَ شَبَابُهُ بِمَا يُشِيِنُهُ, وَأَنْ يَتَوَرَّطَ فِي مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِإِطْلَاقِ الْبَصَرِ, وَالْبَطْشِ بِالْيَدِ, وَالسَّعْيِ بِالرِّجْلِ اقْتِرَافًا لِلزِّنَا وَإِن لَمْ يَسْتَوْجِبْ حَدًّا, فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، فَهُوَ مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَاللِّسَانُ يَزْنِي وَزِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْأُذُنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا السَّعْيُ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)).

فَسَمَّى الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ كُلَّهُ زِنًا, وَبَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ حَظًّا عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ نَسْلِ آدَمَ مَنْسُولًا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ, وَأَخَذَ بِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ الْأَمِينُ ﷺ فَحَبَسَ مَادَّةَ الشَّهْوَةِ مِنْ أَصْلِهَا, وَجَفَّفَ فِي مَنَابِعِهَا؛ حَتَّى لَا تَسْرِيَ الدِّمَاءُ, وَحَتَّى لَا تَشْتَعِلَ الْغَرَائِزُ بِثَوْرَةٍ عَارِمَةٍ قَدْ لَا تُكَفُّ إِلَّا بِالْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ.

لَقَدْ ضُرِبَ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِثَالًا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ, لَا عَلَى الْعِفَّةِ وَحْدَهَا, وَإِنَّمَا عَلَى قُدْرَةِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْيَا نَظِيفًا وَسَطَ الْوَحْلِ, وَأَنْ يَظَلَّ مُحْتَفِظًا بِنَظَافَةِ وَطَهَارَةِ قَلْبِهِ وَجَسَدِهِ وَثِيَابِهِ وَهُوَ مُخَالِطٌ لِوُحُولٍ مُتَرَاكِمَاتٍ، وَهُوَ سَائِرٌ فِي طُرُقٍ مُدْلَهِمَّاتٍ بِظُلُمَاتِهَا, فَإِنَّهُ فِي وَسَطِ مُجْتَمَعٍ كَافِرٍ بِرَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَارِمٍ بِغَرِيزَتِهِ، مُنْفَلِتٍ بِزِمَامِ شَهْوَتِهِ يَظَلُّ عَلَى حِفَاظِهِ بِعَهْدِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا- قَائِمًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبيِّنَا وَسَلَّمَ-.

يَضْرِبُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِثَالًا لَا لِلشَّابِّ الْمُسْلِمِ وَأُنْمُوذَجًا, وَإِنَّمَا يَضْرِبُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِثَالًا لِجُمُوعِ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالٍ: أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ, وَأَنَّهُ مَهْمَا كَانَتِ الْأَحْوَالُ سَيِّئَةً, وَمَهْمَا كَانَتِ اللَّذَّاتُ مُمْتَلَكَةً؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ قَادِرٌ بِإِيمَانِهِ بِرَبِّهِ, وَاعْتِصَامِهِ بِدِينِهِ, وَحِيَاطَتِهِ لِقَلْبِهِ وَعَقْلِهِ وَرُوحِهِ, قَادِرٌ بِأَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى أَنْ يَظَلَّ نَظِيفًا غَيْرَ مُلَوَّثٍ, وَأَنْ يَظَلَّ عَفِيفًا غَيْرَ مُتَلَوِّثٍ.

 وَمِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا الْمُسْلِمَةِ: الْحِزْبِيَّةُ وَالْفُرْقَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَقِيَ أَبْنَاءَنَا وَالشَّبَابَ عَامَّةً مِنْهَا؛ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].

وَلَنْ تَقِيَ الْأَهْلَ نَارًا وَأَنْتَ لَا تَدْرِي وَلَدُكَ مَنْ يُصَاحِبُ، وَمِنْ أَيِّ مَعِينٍ يَنْهَلُ؛ فَلَعَلَّهُ قَدْ قُيِّضَ لَهُ مُبْتَدِعٌ يُضِلُّهُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَنْتَ فِي غَفْلَةٍ غَفْلَاءَ، وَفِي لَيْلٍ بَهِيمٍ، لَا تَدْرِي مَا يَكُونُ بَعْدُ!!

وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِينَ؛ فَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَقُولُ: «لَأَنْ يَصْحَبَ ابْنِي شَاطِرًا فَاسِقًا سُنِّيًّا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَصْحَبَ زَاهِدًا مُتَبَتِّلًا بِدْعِيًّا»؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ خُطُورَةَ الْبِدْعَةِ فِي الدِّينِ.

لَا تَدَعْ وَلَدَكَ تَتَلَقَّفُهُ الْجَمَاعَاتُ الضَّالَّةُ، وَالْفِرَقُ الْمُنْحَرِفَةُ؛ فَمَا وَقَيْتَهُ النَّارَ، أَسَأْتَ، وَتَعَدَّيْتَ، وَظَلَمْتَ! وَلَمْ تَرْعَ فِيهِ أَمَانَةَ اللهِ!

عَلِّمْهُ دِينَ اللهِ، وَدِينُ اللهِ لَا فُرْقَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ قِيَامٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ!

كَيْفَ يَكُونُ مُؤَدِّيًا الْأَمَانَةَ الَّتِي حُمِّلَهَا مَنْ يَرَى وَلَدَهُ يَضِلُّ الضَّلَالَ كُلَّهُ؟!!

هِجِّيرَاهُ مَعَ الْمُبْتَدِعَةِ؛ يَخْدَعُونَهُ بِمَا يَدَّعُونَهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ! وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُمْ يَحْرِفُونَهُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ!!

تَأَمَّلُوا فِي أَحْوَالِ أَبْنائِكُمْ، وَفِي أَحْوَالِ بَنَاتِكُمْ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْحِزْبِيَّةِ الدِّينِيَّةِ الْبَغِيضَةِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَالْفُرْقَةِ وَالتَّفْرُّقِ لَيَتَسَلَّلُونَ إِلَى الْبُيُوتِ عَنْ طَرِيقِ الْبَنَاتِ!!

يَحْرِفُوهُنَّ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ، فِي الْمُدُنِ الْجَامِعِيَّةِ، وَفِي الْكُلِّيَّاتِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُنْتَدَيَاتِ، حَتَّى تَصِيرَ حِزْبِيَّةً بِدْعِيَّةً؛ لَا تَعْرِفُ الْكِتَابَ وَلَا السُّنَّةَ، وَلَا تَعْرِفُ حَقًّا وَلَا تُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهَا وَأُشْرِبَتْهُ!!

وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ الضَّائِعَةِ، وَالتَّكَالُبِ عَلَى الْحُطَامِ!!

أَلَا إِنَّ خَيْرًا لِبَيْتٍ أَنْ يَحْيَا فِي كَفَافٍ وَعَلَى الْكَفَافِ -يَجِدُ كِسْرَةً تَسُدُّ الْجَوْعَةَ وَتَرُدُّهَا، وَخِرْقَةً تَوَارِي الْعَوْرَةَ وَتَسْتُرُهَا بِلَا زِيَادَةٍ- لَخَيْرٌ لِبَيْتٍ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مُسْتَقِيمًا عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ سُنِّيًّا لَا يَنْحَرِفُ، لَا بِدْعَةَ فِيهِ، وَلَا انْتِمَاءَ لِأَهْلِ الضَّلَالِ يَحْتَوِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ اتَّبَاعٌ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيمَا بَيَّنَ فِي وَحْيِهِ الْمَعْصُومِ كِتَابًا وَسُنَّةً بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، خَيْرٌ لِبَيْتِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مُتَقَلِّلًا مُتَزَهِّدًا.

وَلَيْسَ بَيْتُكَ بِخَيْرٍ مِنْ أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ!!

فِيمَ تَتَنَافَسُونَ؟!!

وَعَلَامَ تُقْبِلُونَ؟!!

وَمَاذَا تَصْنَعُونَ؟!!

وَيْحَكُمْ!! أَيْنَ تَذْهَبُونَ؟!!

((لَقَدْ كَانَ يَمُرُّ الْهِلَالُ فِي إِثْرِ الْهِلَالِ فِي إِثْرِ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةُ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ لَا يُوقَدُ فِي أَبْيَاتِ النَّبِيِّ ﷺ نَارٌ)).

يَقُولُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: ((فَمَا كَانَ يُقِيتُكُمْ يَا خَالَةُ؟!)).

قَالَتْ: ((الْأَسْوَدَانِ: الْمَاءُ، وَالتَّمْرُ)).

بَيْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، بَلْ كَثِيرًا مَا كَانَ يَكُونُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، تِسْعَةُ أَبْيَاتٍ، يَأْتِي الضَّيْفُ، فَيُرْسِلُ رَسُولَهُ ﷺ إِلَى أَبْيَاتِ نَبِيِّكُمْ ﷺ يَسْعَى سَائِلًا: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟)).

((لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا عِنْدَنَا إِلَّا الْمَاءُ -مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ-!!)).

فِي تِسْعَةِ أَبْيَاتٍ يَتَّحِدُ الْجَوَابُ، حَتَّى يَقُولَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ يُضَيِّفُ ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ؟)) .

فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَاحِدٌ مِنَ الْأَصْحَابِ.

يَحُطُّ هَذَا مِنَ الْمِقْدَارِ؟!!

بَلْ يُعْلِيهِ.

يُؤَثِّرُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ مُرُوءَةِ النَّفْسِ أَوْ كَرَمِهَا؟!!

لَا وَاللهِ، بَلْ إِنَّهُ لَيُعْلِي مِنْ قَدْرِ النَّفْسِ وَيُهَذِّبُهَا، وَيَرْفَعُ قَدْرَهَا عِنْدَ اللهِ، ثُمَّ عِنْدَ النَّاسِ.

لَأَنْ يَكُونَ بَيْتُكَ مُتَقَلِّلًا زَاهِدًا -وَلَنْ يَكُونَ، فَقَدْ بَسَطَ اللهُ لِلْخَلْقِ الرِّزْقَ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ لَيَتَعَجَّبُونَ أَيْنَ يَضَعُونَ صَدَقَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ اللهَ أَغْنَى النَّاسِ، وَهَذَا مِنْ فَضْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْنَعُوا بِمَا آتَاهُمْ -جَلَّ وَعَلَا- مِنَ الْعَطَاءِ-!!

وَلَكِنْ لِأَنْ يَكُونَ بَيْتُكَ سُنِّيًّا، لَا بِدْعِيًّا، وَلَا حِزْبِيًّا يَنْتَمِي انْتِمَاءَاتِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ وَالْجَمَاعَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ؛ لِأَنْ يَكُونَ بَيْتُكَ مُسْتَقِيمًا عَلَى الْجَادَّةِ، مُتَقَشِّفًا زَاهِدًا غَيْرَ وَاجِدٍ؛ خَيْرٌ لَكَ وَلَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَصْرًا مَشِيدًا، وَأَنْ يَكُونَ بِنَاءً مُنِيفًا، وَأَنْ يَكُونَ رَوْضَةً غَنَّاءً، وَالْبِدْعَةُ تَنْخَرُ فِي قَوَاعِدِهِ!! وَالْحِزْبِيَّةُ بِانْتِمَاءَاتِهَا لِلْفِرَقِ الضَّالَّةِ وَالْجَمَاعَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ تَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَهَا؛ تَفْرِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَحُيُودًا عَنْ مِنْهَاجِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعَنْ مِنْهَاجِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ.

اتَّقُوا اللهَ!

{قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}!

تَعَلَّمُوا وَعَلِّمُوا عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فَهِيَ طَوْقُ النَّجَاةِ، وَهِيَ سَفِينَةُ نُوحٍ؛ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ.

أَحْسِنُوا فِيمَا هُوَ آتٍ، أَحْسِنُوا فِيمَا بَقِيَ؛ حَتَّى يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ مَا مَضَى، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا؛ أُخِذْتُمْ بِمَا بَقِيَ وَمَا مَضَى عَلَى السَّوَاءِ.

عَلَيْنَا أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ، وَأَنْ نُصَحِّحَ الِاعْتِقَادَ، وَأَنْ نُصَحِّحَ الْمِنْهَاجَ، وَأَنْ نَسِيرَ عَلَى الصِّرَاطِ، وَأَنْ نَتَفَقَّدَ الْأَحْوَالَ حَوْلَنَا، وَأَنْ نَبْدَأَ بِمَنْ نَعُولُ؛ حَتَّى يَسْتَقِيمُوا عَلَى أَمْرِ اللهِ.

وَلْيَكُنْ دَائِمًا مِنْكَ عَلَى ذُكْرٍ قَوْلُ ذَلِكَ الَّذِي سَلَفَ عَلَى الْقَلْبِ قَدْ مَضَى، وَإِلَى الرُّشْدِ اهْتَدَى: ((لَأَنْ يَصْحَبَ ابْنِي فَاسِقًا شَاطِرًا سُنِّيًّا -لَا مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الِانْتِمَاءَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ، سُنِّيًّا- خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَصْحَبَ زَاهِدًا مُتَبِتِّلًا بِدْعِيًّا)).

فَاتَّقُوا اللهَ فِيهِمْ، عَلِّمُوهُمْ قَوَاعِدَ الِاعْتِقَادِ، وَدَعُوكُمْ مِمَّنْ يَشْغَبُ، فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ فَسَدَتْ قُلُوبُهُمْ، وَفَسَدَتْ عُقُولُهُمْ عَلَى السَّوَاءِ؛ قُلُوبٌ مَرِيضَةٌ فِيهَا حِقْدٌ وَحَسَدٌ، وَغِلٌّ وَبَغْضَاءُ، وَنُفُورٌ وَشَحْنَاءُ.

دَعَوكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ، اجْعَلُوهُمْ دَبْرَ الْآذَانِ، لَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ، وَلَا تُخَاصِمُوهُمْ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ!

بَيِّنُوا الْحَقَّ وَامْضُوا، وَلَا تَلْتَفِتُوا، فَسَيُشَغِّبُ عَلَيْكُمْ الشَّاغِبُونَ، قُلُوبُهُمْ مَرِيضَةٌ وَفَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ.

هَكَذَا بِوُضُوحٍ.. مَا يَكُونُ بَيْنَ الْأَخِلَّاءِ وَالْأَوِدَّاءِ فِي غُرْفَةٍ مُغْلَقَةٍ هُوَ الَّذِي يُقَالُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى الْعَلَنِ بِغَيْرِ مَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.

وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَأَهْلُ دَسٍّ وَمَكْرٍ، وَمُؤَامَرَاتٍ بِلَيْلٍ، وَتَحْزِيبٍ لِأَهْلِ الْهَوَى وَشَيَاطِينِ الْإِنْسِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَقِّ -عَامَلَهُمُ اللهُ بِعَدْلِهِ-، فَقَدْ أَفْسَدُوا الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ.

اتَّقُوا اللهَ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِ اللهِ عَلَى مُرَادِ اللهِ وَعَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: ((أُومِنُ بِاللهِ وَبِكِتَابِ اللهِ عَلَى مُرَادِ اللهِ، وَأُومِنُ بِرَسُولِ اللهِ وَبِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللهِ)).

فَأُومِنُ بِاللهِ وَبِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُرَادِ اللهِ، وَأُومِنُ بِرَسُولِ اللهِ وَبِمَا جَاءَ عَنْهُ ﷺ عَلَى مُرَادِهِ، لَا عَلَى مُرَادِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، لَا نَتَقَمَّمُ أَفْكَارَ الْخَلْقِ، مَا لَنَا وَلِهَذَا؟!!

لَقَدْ أَمَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنْ نَعُودَ إِلَى النَّبْعِ الْأَصِيلِ، قَالَ لِعُمَرَ -وَقَدْ أَتَى بِصَحَائِفَ مِنَ التَّوْرَاةِ وَافَقَتْ بَعْضَ مَا عِنْدَنَا، فَسَرَّهُ، فَأَتَى بِهَا، وَأَخَذَ يَقْرَأُ مِنْهَا، وَوَجْهُ النَّبِيِّ يَتَغَيَّرُ وَيَتَمَعَّرُ، وَعُمَرُ لَا يَنْتَبِهُ، فَنَبَّهَهُ مَنْ نَبَّهَهُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ! أَلَا تَرَى مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ؟!!

فَكَفَّ مُسْتَغْفِرًا، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ مُحَذِّرًا وَقَالَ: ((أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا -أَيْ: أَمُتَحَيِّرُونَ فِيهَا- يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ حَيًّا فِيكُمْ مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى مُوسَى، وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ-)).

لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَمَّمَ أَفْكَارَ النَّاسِ، وَلَا اجْتِهَادَاتِ الضَّائِعِينَ الْخَائِبِينَ الْجَاهِلِينَ الْفَاشِلِينَ، يَجْتَهِدُونَ وَهُمْ لَا يُحْسِنُونَ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا وَلَا قَلِيلًا!!

يَتَسنَّمُونَ ذِرْوَةَ الِاجْتِهَادِ، وَيَتَكَلَّمُونَ فِيمَا يَعْلَقُ وَيَتَعَلَّقُ لِلْأُمَّةِ مِنَ النَّوَازِلِ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ ذَلِكَ لِلَّذِينَ يُحْسِنُونَ اسْتِنْبَاطَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ!!

عُكِسَتِ الْأُمُورُ وَانْقَلَبَتْ عَلَى أَهْلِهَا، فَاللهُ الْمُسْتَعَانُ!!

فَإِذَنْ؛ مِمَّا يَنْبَغِي عَلَيْنَا وَيَتَوَجَّبُ أَنْ نَعُودَ إِلَى النَّبْعِ الْأَصِيلِ، وَهُوَ وَصْفُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ: ((مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي)) .

هَلِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَقِيدَةِ؟!!

هَلْ تَوَقَّفُوا عَنِ الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ؟!!

هَلْ تَخَلَّفُوا عَنْ الِاتِّبَاعِ؟!!

هَلْ كَانُوا مُتَنَاحِرِينَ مُتَفَرِّقِينَ جَمَاعَاتٍ جَمَاعَاتٍ، وَفِرَقًا فِرَقًا يَتَنَازَعُونَ، يُبَدِّعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَعْتَدِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَتَآمَرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؟!!

((مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي)).

عُودُوا إِلَيْهِ، وَلَا تَصْدِفُوا عَنْهُ، فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ، وَلَا تَعْجَبَنَّ لِمَنْ يَعْشُو عَنْهُ، بَلْ يَعْمَى؛ فَإِنَّ الْهُدَى وَالضَّلَالَ إِلَى اللهِ مَرْجِعُهُمَا، وَحْدَهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ.

فَاحْمَدِ اللهَ عَلَى السَّلَامَةِ وَالْعَافِيَةِ، وَاسْأَلْ رَبَّكَ الْمَزِيدَ مِنْهمَا، وَقُلْ إِذَا رَأَيْتَ مُبْتَدِعًا حِزْبِيًّا مُنْتَمِيًا: ((الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَى بِهِ غَيْرِي، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا))، فَقَدِ ابْتُلِيَ بِطَاعُونِ الْقَلْبِ وَجُذَامِهِ.

فَالْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي عَافَانَا مِمَّا ابْتَلَى بِهِ غَيْرَنَا، وَفَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا.

*الْعِلَاجُ النَّافِعُ لِانْحِرَافَاتِ الشَّبَابِ الْمُسْلِمِ:

تَعَلَّمُوا -عِبَادَ اللهِ-، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِ اللهِ، وَتَمَسَّكُوا بِالْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ!

احْفَظُوا مَنْطِقَكُمْ، وَاحْفَظُوا أَبْصَارَكُمْ أَنْ تُوَاقِعَ الْحَرَامَ، لَا تَجْلِسُوا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَمَامَ تِلْكَ الشَّاشَاتِ الَّتِي تُخَرِّبُ عَلَيْكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، وَتُدَمِّرُ عَلَيْكُمْ دِينَكُمْ، وتُفْسِدُ عَلَيْكُمْ بُيُوتَكُمْ، فَلْتَكُنْ بُيُوتُكُمْ كَبُيُوتِ الْأصْحَابِ -عِبَادَ اللهِ-.

يَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! حِمَايَتُكُمْ مِنَ الضَّلَالِ..

حِمَايَتُكُمْ مِنَ الْفَسَادِ..

حِمَايَةُ أَبْنَائِكُمْ مِنَ الِانْحِرَافِ..

حِمَايَتُكُمْ مِنَ الشُّبُهَاتِ..

حِمَايَةُ أَجْسَادِكُمْ مِنَ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تَفْتِكُ فِي أَهْلِ الْبَاطِلِ الَّذِينَ لَا تَحْجُزُهُمْ عَقِيدَةٌ سَوِيَّةٌ عَنْ مُوَاقَعَةِ الِانْحِرَافَاتِ الْجَسَدِيَّةِ.

حِمَايَتُكُمْ مِنْ هَذَا كُلِّهِ, وَنَجَاتُكُمْ مِنَ الدَّمَارِ وَالضَّلَالِ وَالْهَلَاكِ، وَالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالزَّيْغِ، وَنَجَاتُكُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ النَّارِ, كُلُّ ذَلِكَ بِأَنْ تَعْرِفُوا وَأَنْ تَعْلَمُوا وَأَنْ تُحَقِّقُوا الْعَقِيدَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ؛ نَبِيُّكُمْ ﷺ.

وَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ أَنْ يُصِيبَكَ جَهْلٌ فِي نَاحِيَةٍ، فَهَذَا وَاقِعٌ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ فَلَا يُحِيطُ بِالسُّنَّةِ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ، لَكِنْ عَلَيْنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ، وَأَنْ نَعْرِفَ أَنَّ هُنَالِكَ أُصُولًا ثَابِتَةً وَقَوَاعِدَ رَاسِخَةً, وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِهَا بَصِيرًا، وَبِهَا مُلِمًّا، وَعَلَيْهَا قَائِمًا، وَلَهَا مُحَصِّلًا.

تِلْكَ الْأَنْفُسُ الطَّاهِرَةُ مِنْ أَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَسْتَطِيعُ إِنِ اسْتَقَامَتْ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ أَنْ تَقْلَعَ الْجِبَالَ مِنْ أَمَاكِنِهَا, وَأَنْ تُزَلْزِلَهَا مِنْ نَوَاحِيهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ بِـ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)).

يَا لَهُ مِنْ دِينٍ لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ!!

فَتَعَلَّمُوا الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ، وَتَحَقَّقُوا بِالِاتِّبَاعِ الْمَتِينِ خَلْفَ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ ﷺ.

يَا أُمَّتِي!

يَا أُمَّتِي الْمَرْحُومَة!

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ!

يَا لَمَكَانَكِ بَيْنَ نُجُومِ السَّمَاءِ عَالِيًا فَوْقَ الذُّرَى!

لَوْ عَرَفْتِ مَكَانَكِ، لَوْ حَقَّقَتِ وُجُودَكِ, لَوْ تَمَسَّكْتِ بِمِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ!

تَعَلَّمُوا الْعَقِيدَةَ وَعَلِّمُوهَا يُحْمَى الْمُجْتَمَعُ مِنْ هَذِهِ الْأَفْكَارِ الشَّاذَّةِ, وَالنِّحَلِ الْبَاطِلَةِ, وَالدِّيَانَاتِ الْوَافِدَةِ, فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَكَ, وَيُرِيدُونَ أَبْنَاءَكَ, وَيُرِيدُونَ حَفَدَتَكَ, وَيُرِيدُونَ إِخْوَانَكَ, وَيُرِيدُونَ جِيرَانَكَ, يُرِيدُونَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَخَاكَ وَأُخْتَكَ، وَعَمَّتَكَ وَعَمَّكَ، وَخَالَتَكَ وَخَالَكَ, يُرِيدُونَ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا مُسْلِمًا وَلَا كَافِرًا، وَإِنَّمَا تَائِهًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِكُلِّ ضَالٍّ فِي الْأُمَّةِ نَصِيبٌ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرُدَّنَا وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ إِلَى الْحَقِّ رَدًّا جَمِيلًا.

 ((وَاجِبَاتُ الشَّبَابِ))

مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ تَقَابُلَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ أَمْرٌ مُسْتَقِرٌّ، فَمَا مِنْ حَقٍّ إِلَّا وَفِي مُقَابَلَتِهِ وَاجِبٌ، وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ يُقَابِلُهُ الْحَقُّ.

وَالْإِسْلَامُ فَرَضَ عَلَى الشَّبَابِ وَاجِبَاتٍ يَنْبَغِي أَنْ تُلْتَزَمَ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا: تَعَلُّمُ التَّوْحِيدِ وَتَحْقِيقُهُ؛ فَالتَّوْحِيدُ أَسَاسُ دِينِنَا، وَهُوَ مَبْنَى عَقِيدَتِنَا، وَنَحْنُ أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى أَنْ نَتَعَلَّمَهُ، وَإِلَى أَنْ نَتَدَارَسَهُ، وَأَنْ نُبَيِّنَهُ لِلنَّاسِ، وَأَنْ نَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ.

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ لِي: ((يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟))

قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

قَالَ: ((حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ: أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)).

قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلا أَبُشِّرُ النَّاسَ؟

قَال: ((لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)). أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» .

الرَّدِيفُ: هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُ الرَّاكِبُ خَلْفَهُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، وَهَذَا مِنْ تَوَاضُعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ.

((حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ)): الْوَاجِبُ عَلَى الْخَلْقِ عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

((حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ)): كَتَبَ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ تَفْضُّلًا وَإِحْسَانًا: أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا.

فَهَذا الْحَقُّ حَقٌّ أَحَقَّهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54]، {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ الْعَقِيدَةِ.. فِي مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ؛ خَاصَّةً مَا يَتَعَلَّقُ بِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، عَلَيْهِ أَنْ يُحَرِّرَهُ.

تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ؛ يَنْبَغِي عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَعْرِفَهُ مَعْرِفَةَ تَحْقِيقٍ، وَأَنْ يَعْتَقِدَهُ، وَأَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى وَاقِعٍ  يَعِيشُهُ؛ وَإِلَّا تَوَرَّطَ فِي الشِّرْكِ تَوَرُّطًا -عِيَاذًا بِاللهِ وَلِيَاذًا بِجَنَابِهِ الرَّحِيمِ-.

أَيُّهَا الشَّبَابُ الْمُسْلِمُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا! إِنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِنَفْيِ الشِّرْكِ, وَالتَّوْحِيدُ فِي اكْتِمَالِهِ بِنَفْيِ الشِّرْكِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِالْجَهْلِ بِهِ؛ فَصَارَ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ.

فَعَلَيْنَا -عِبَادَ اللهِ- أَنْ نَعْلَمَهُ، وَأَنْ نَصْبِرَ عَلَى تَعَلُّمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغِيظُ الشَّيْطَانَ شَيْءٌ إِلَّا الدَّعْوَةُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ لِأَنَّ فِيهَا الْخُصُومَةَ؛ وَلِذَلِكَ تَنْزِلُ السَّكِينَةُ فِي مَجَالِسِ تَعْلِيمِ التَّوْحِيدِ.

وَالَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بِلَا عَمَدٍ, وَبَسَطَ الْأَرْضَ فَمَا يُدْرَكُ مِنْ مُنْتَهَاهَا أَمَدٌ؛ مَا عَرَفَ التَّوْحِيدَ أَحَدٌ آتَاهُ اللهُ مُسْكَةً مِنْ عَقْلٍ وَفَارَقَهُ لَحْظَةً حَتَّى يَمُوتَ؛ إِلَّا أَنْ يَقْضِيَ اللهُ شَيْئًا.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ التَّوْحِيدَ أَصْلَ الْأُصُولِ, وَنَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ الشِّرْكِ لِتَوَقِّيهِ؛ لِأَنَّنَا إِذَا لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ تَوَرَّطْنَا -عِيَاذًا بِاللَّهِ- فِيهِ.

 ((مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الشَّبَابِ:

تَعَلُّمُ الْفَرَائِضِ وَأَدَاؤُهَا))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُلْتَزَمَ مِنَ الشَّبَابِ: تَعَلُّمُ الْفَرَائِضِ وَأَدَاؤُهَا؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ -وَهَذَا فِي تَحْصِيلِ الْمَحْبُوبِ-، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ -وَهَذَا فِي الْوِقَايَةِ مِنَ الْمَرْهُوبِ-)).

فَجَعَلَ لَهُ الْخَيْرَ بِحَذَافِيرِهِ لَمَّا أَتَى بِمُوجِبِ مَحَبَّةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَازِمِهَا.

وَقَدْ بَيَّنَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ الْأَعْمَالَ تَتَفَاضَلُ فِي جِنْسِهَا، فَلَيْسَتِ الْفَرَائِضُ كَالنَّوَافِلِ، فَجِنْسُ الْفَرَائِضِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ جِنْسِ النَّوَافِلِ، ثُمَّ إِنَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ تَتَفَاضَلُ بِالنَّوْعِ؛ فَالصَّلَاةُ مِنَ الْفَرَائِضِ هِيَ أَفْضَلُ مَا افْتَرَضَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي نَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَهِيَ -أَيْضًا- تَتَفَاضَلُ نَوْعًا كَمَا تَفَاضَلَتْ جِنْسًا.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَيَّنَ لَنَا أَنَّهُ لَا يَتَقَرَّبُ الْعَبْدُ إِلَيْهِ بِأَحَبَّ مِمَّا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ، أَنْ يُؤَدِّيَ الْإِنْسَانُ مَا فَرَضَ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَائِضِ، يَأْتِي بِهَا مُقِيمًا إِيَّاهَا كَمَا جَاءَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ جَاهِلًا بِفَرَائِضِ اللهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ عَارِفٍ بِكَيْفِيَّةِ أَدَائِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا، بَلْ لَا يُمْكِنُ أَلَّا يَكُونَ آتِيًا بِهَا أَصْلًا، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ: ((ارْجِعْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))؛ فَجَعَلَهُ غَيْرَ آتٍ بِالْفَرِيضَةِ أَصْلًا: ((فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)).

فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ مَا افْتَرَضَهُ اللهُ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ كَمَا افْتَرَضَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

فَإِذَا مَا أُتِيَ بِذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ النَّوَافِلِ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 ((مِنْ وَاجِبَاتِ الشَّبَابِ:

بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ وَاحْتِرَامُ الْكِبَارِ))

مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الشَّبَابِ الْتِزَامُهَا: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ، وَاحْتِرَامُ وَتَوْقِيرُ الْكِبَارِ؛ فَإِنَّ حَقَّ الْأَبَوَيْنِ يَلِي حَقَّ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحَقَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ لَيُفَرِّطُونَ فِي هَذَا الْحَقِّ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، وَلَا يُلْقُونَ لَهُ بَالًا؛ بَلْ يَعْتَدِي الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الْحَقِّ الْمَكِينِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِعِبَادَتِهِ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36].

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ [الإسراء: 23-24].

فَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَعْدَ الْأَمْرِ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا؛ فَهَذَا مِنْ آكَدِ الْحُقُوقِ، وَمِنْ أَجَلِّهَا.

وَبَيَّنَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ لَا يُجِيزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ سُوءٍ تَنُمُّ عَنْ ضَجَرٍ يُحِسُّهُ فِي نَفْسِهِ، فَيُعْلِنُهُ بِلِسَانِهِ: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؟

قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا».

قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟

قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ».

قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟

قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ».

قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَلَى الشَّابِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يَصِلَ أَرْحَامَهُ؛ فَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمُ الْأَوْلَوِيَّةُ فِي الْمُوَالَاةِ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحَقِّ الرَّحِمِ؛ قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75].

وذَوُوا الْأَرْحَامِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمُ الْأَوْلَوِيَّةُ فِي الْمُوَالَاةِ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحَقِّ الرَّحِمِ، فَأَحْكَامُ الْمُوَالَاةِ الْعَامَّةُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَتَعَارَضُ مَعَ أَوْلَوِيَّةِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ أُولِي الْأَرْحَامِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَصْحَابُ الْقَرَابَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ التَّوَارُثِ.

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟

قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».

«تَصِلُ الرَّحِمَ»؛ أَيْ: تُحْسِنُ إِلَى أَقَارِبِكَ، وَتُوَاسِي ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْخَيْرَاتِ.

وَعَلَى الشَّبَابِ الْمُسْلِمِ: إِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَقَدْ أَعْطَى الْإِسْلَامُ الْكَبِيرَ حَقَّهُ مِنَ الشَّرَفِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّوْقِيرِ؛ لِمَا خُصَّ بِهِ مِنَ السَّبْقِ فِي الْوُجُودِ وَتَجْرِبَةِ الْأُمُورِ.

وَإِجْلَالُ الْكَبِيرِ هُوَ حَقُّ سِنِّهِ؛ لِكَوْنِهِ تَقَلَّبَ فِي الْعُبُودِيَّةِ لِلهِ فِي أَمَدٍ طَوِيلٍ، وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- رفَعَ عَنْهُ التَّكْلِيفَ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا، فَلَيْسَ مِنَّا». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ ﷺ: «فَلَيْسَ مِنَّا»؛ أَيْ: لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا، أَوْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ مِنَّا.

فِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَوُجُوبِ الرَّحْمَةِ، مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ لِبَعْضٍ، وَمِنْ مُقْتَضَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَالرَّحْمَةِ أَنْ يُوَقِّرَ الصَّغِيرُ الْكَبِيرَ، لِوُجُودِ حُسْنِ الْخُلُقِ لَدَيْهِ، وَأَنْ يَرْحَمَ الْكَبِيرُ الصَّغِيرَ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَ قَدْ عَقَلَ مَا لَا يَعْقِلُ الصَّغِيرُ، وَعَلِمَ مَا لَا يَعْلَمُ الصَّغِيرُ.

إِنَّ الشَّابَّ الْمُسْلِمَ الْمُحِبَّ لِدِينِهِ وَوَطَنِهِ حَرِيصٌ عَلَى تَحْقِيقِ التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، سَاعٍ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَنَا جَائِعٌ وَلَا مَحْرُومٌ وَلَا عَارٍ، وَلَا مُشَرَّدٌ وَلَا مُحْتَاجٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْإِحْسَانِ فِي عَلَاقَةِ الْمُسْلِمِ بِأُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36].

{وَبِذِي الْقُرْبَى}؛ أَيْ: وَبِذِي الْقُرْبَى إِحْسَانًا، أَحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ وَإِلَى ذِي الْقُرْبَى، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36].

فَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْإِحْسَانِ؛ إِحْسَانِ الْمَرْءِ فِي أُسْرَتِهِ، وَإِحْسَانِ الْمَرْءِ فِي مُجْتَمَعِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177].

وَأَعْطَى الْمَالَ عَلَى شِدَّةِ حُبِّهِ لَهُ الْفُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ قَرَابَتِهِ، وَالْيَتَامَى الَّذِينَ تُوُفِّيَ آبَاؤُهُمْ وَلَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ، وَالْمَسَاكِينَ الَّذِينَ يَدُلُّ ظَاهِرُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ ذَوُو حَاجَةٍ، وَالْمُسَافِرَ الْمُنْقَطِعَ عَنْ أَهْلِهِ، وَالطَّالِبِينَ الْمُسْتَطْعِمِينَ، وَأَعْطَى الْمَالَ فِي مُعَاوَنَةِ الْمُكَاتَبِينَ حَتَّى يَفُكُّوا رِقَابَهُمْ، أَوْ فِي فَكِّ الْأَسْرَى مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِفِدَائِهِمْ.

 ((مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الشَّبَابِ:

حُبُّ الْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ وَالدِّفَاعُ عَنْهُ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى كُلِّ شَابٍّ مُسْلِمٍ: حُبَّ الْوَطَنِ، وَالدِّفَاعَ عَنْهُ، وَالْحِفَاظَ عَلَى مَالِهِ الْعَامِّ وَمَرَافِقِهِ؛ فَـ ((إِنَّ الْوَطَنَ هُوَ مَدْرَسَةُ الْحَقِّ وَالْوَاجِبِ، يَقْضِي الْعُمُرَ فِيهَا الطَّالِبُ، حَقُّ اللهِ وَمَا أَقْدَسَهُ وَأَقْدَمَهُ، وَحَقُّ الْوَالِدَيْنِ وَمَا أَعْظَمَهُ، وَحَقُّ النَّفْسِ وَمَا أَلْزَمَهُ، إِلَى أَخٍ تُنْصِفُهُ، أَوْ جَارٍ تُسْعِفُهُ، أَوْ رَفِيقٍ فِي رِحَالِ الْحَيَاةِ تَتَأَلَّفُهُ، أَوْ فَضْلٍ لِلرِّجَالِ تُزَيِّنُهُ وَلَا تُزَيِّفُهُ.

فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْوَطَنِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَعْبَاءِ أَمَانَاتِهِ الْمُعَظَّمَةِ صِيَانَةُ بِنَائِهِ، وَالضَّنَانَةُ بِأَشْيَائِهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِأَبْنَائِهِ، وَالْمَوْتُ دُونَ لِوَائِهِ، قُيُودٌ فِي الْحَيَاةِ بِلَا عَدَدٍ، يَكْسِرُهَا الْمَوْتُ وَهُوَ قَيْدُ الْأَبَدِ.

رَأْسُ مَالِ الْأُمَمِ، فِيهِ مِنْ كُلِّ ثَمَرٍ كَرِيمٍ، وَأَثَرٍ ضَئِيلٍ أَوْ عَظِيمٍ، وَمُدَّخَرٍ حَدِيثٍ أَوْ قَدِيمٍ؛ يَنْمُو عَلَى الدِّرْهَمِ كَمَا يَنْمُو عَلَى الدِّينَارِ، وَيَرْبُو عَلَى الرَّذَاذِ كَمَا يَرْبُو عَلَى الْوَابِلِ الْمِدْرَارِ، بَحْرٌ يَتَقَبَّلُ مِنَ السُّحُبِ وَيَتَقَبَّلُ مِنَ الْأَنْهَارِ.

فَيَا خَادِمَ الْوَطَنِ، مَاذَا أَعَدَدْتَ لِلْبِنَاءِ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ زِدْتَ فِي الْفِنَاءِ مِنْ شَجَرٍ؟!!

عَلَيْكَ أَنْ تَبْلُغَ الْجَهْدَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَبْنِيَ السَّدَّ؛ فَإِنَّمَا الْوَطَنُ كَالْبُنْيَانِ.. فَقِيرٌ إِلَى الرَّأْسِ الْعَاقِلِ، وَالسَّاعِدِ الْعَامِلِ، وَإِلَى الْعَتَبِ الْوَضِيعَةِ، وَالسُّقُوفِ الرَّفِيعَةِ.

وَكَالرَّوْضِ مُحْتَاجٌ إِلَى رَخِيصِ الشَّجَرِ وَثَمِينِهِ، وَنَجِيبِ النَّبَاتِ وَهَجِينِهِ؛ إِذْ كَانَ ائْتِلَافُهُ فِي اخْتِلَافِ رَيَاحِينِهِ».

إِنَّ صُوَرَ الْعَدَاءِ لِلْوَطَنِ -وَطَنِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ- كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ مِنْهَا: عَدَمُ احْتِرَامِ الْمَالِ الْعَامِّ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ وَالتَّضْيِيعِ لَهُ؛ كَإِفْسَادِ الشَّوَارِعِ، أَوْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ الَّتِي غَرَسَهَا الْمُسْلِمُونَ لِلظِّلِّ وَالزِّينَةِ, وَهَذَا يَقَعُ فِي كُلِّ بَلَدٍ تُصَابُ بِالْفَوْضَى وَمَا يُسَمَّى بِالثَّوْرَةِ.

هَكَذَا عَدَمُ احْتِرَامِ الْمَالِ الْعَامِّ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ وَالتَّضْيِيعِ لَهُ؛ كَإِفْسَادِ الشَّوَارِعِ، أَوْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ الَّتِي غَرَسَهَا الْمُسْلِمُونَ لِلظِّلِّ وَالزِّينَةِ.

وَهَكَذَا نَجِدُ أَنَّ الْإِسْلَامَ رَاعَى حُقُوقَ الْوَطَنِ مَا دَامَ مَحَلًّا لِإِقَامَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَكَانًا لِقِيَامِ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ, وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ, وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ الْأَلْبَانِيُّ بِالْحُسْنِ لِغَيْرِهِ.

الطَّرِيقُ جُزْءٌ مِنْ أَرْضِ الْوَطَنِ.. مِنْ تُرَابِهِ، وَهَكَذَا أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا لَهَا ارْتِبَاطٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهِيَ كَثِيرَةٌ لَا تُسْتَقْصَى.

 ((مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الشَّبَابِ:

الْحِفَاظُ عَلَى الْآدَابِ الْعَامَّةِ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الشَّبَابِ: مَعْرِفَةَ الْآدَابِ الْعَامَّةِ وَالْتِزَامَهَا؛ كَاحْتِرَامِ قَوَاعِدِ الطَّرِيقِ وَآدَابِهِ، وَمَا أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ -خَاصَّةً الشَّبَابَ- فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ تَارِيخِهِمْ إِلَى مَعْرِفَةِ الْآدَابِ الَّتِي دَلَّهُمْ عَلَيْهَا دِينُهُمْ, وَأَرْشَدَتْهُمْ إِلَيْهَا سُنَّةُ نَبِيِّهِمْ ﷺ.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ)).

 فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا.

فَقَالَ: ((فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ)).

قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((غَضُّ الْبَصَرِ, وَكَفُّ الْأَذَى, وَرَدُّ السَّلَامِ, وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ, وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَقَّ الطَّرِيقِ.

وَأَمَّا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ((كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ))؛ فَلَا يَذْهَبَنَّ أَحَدٌ إِلَى شَجَرَةٍ لَهَا ظِلٌّ يَفِيءُ إِلَيْهِ النَّاسُ, ثُمَّ يَقُولُ: لَئِنْ قَطَعْتُ هَذِهِ فَلَأَتَحَصَّلَنَّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ, بَلْ إِنَّهُ يَكُونُ آثِمًا.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ)) .

وَقَالَ ﷺ: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)).

وَمِنَ الْآدَابِ الْعَامَّةِ الْوَاجِبُ عَلَى الشَّبَابِ الْتِزَامُهَا: الْحِفَاظُ عَلَى نَظَافَةِ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ؛ فَالْأَمْرُ بِالنَّظَافَةِ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّ الْأَمْرِ بِالنَّظَافَةِ الشَّخْصِيَّةِ أَوْ نَظَافَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ، بَلْ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى التَّوْجِيهِ بِتَنْظِيفِ الْبِيئَةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَيَتَفَاعَلُ مَعَهَا.

قَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْبِيئَةُ طَرِيقَهُ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ، أَوْ مَدْرَسَتَهُ أَوْ جَامِعَتَهُ الَّتِي يَتَعَلَّمُ فِيهَا، أَوْ مَكَانًا عَامًّا يَقْضِي مِنْ خِلَالِهِ مَصَالِحَهُ أَوْ يَتَنَزَّهُ فِيهِ.

وَقَدْ عُنِيَ الْإِسْلَامُ عِنَايَةً خَاصَّةً بِتَنْظِيفِ الطُّرُقِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ وَإِزَالَةِ الْأَذَى عَنْهَا، وَجَعَلَهَا بَابًا وَاسِعًا مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ؛ فَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ صَدَقَةٌ.

إِنَّ الدِّينَ يَطْلُبُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّظَافَةِ، وَلَوْ قَامَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِتَنْظِيفِ مَا أَمَامَ بَيْتِهِ مِنْ مَكَانٍ لَاسْتَقَامَتْ أُمُورُنَا.

وَعَلَى الشَّبَابِ الْتِزَامُ الْهُدُوءِ فِي الشَّوَارِعِ، وَعَدَمُ إِزْعَاجِ الْمُسْلِمِينَ كِبَارًا وَصِغَارًا بِأَصْوَاتِهِمُ الْعَالِيَةِ؛ فَهَذَا التَّلَوُّثُ السَّمْعِيُّ الَّذِي يَشْكُو مِنْهُ الْخَلْقُ -بَلْ يَشْكُو مِنْهُ الْعَالَمُ- الْيَوْمَ، نَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، الرَّسُولُ ﷺ يَتْلُو عَلَيْنَا آيَاتِ رَبِّنَا فِي قَوْلِ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي وَصِيَّةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ لِابْنِهِ: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ}، ثُمَّ أَتْبَعَهَا وَشَفَعَهَا بِالتَّنْفِيرِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَجْعَلُ النَّفْسَ الصَّالِحَةَ.. وَالَّذِي يَجْعَلُ الْعَقْلَ السَّوِيَّ وَالْبَدَنَ الَّذِي لَا يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ عَلَى سَنَنِ الْحَيَوَانَاتِ، بَلْ عَلَى سَنَنٍ أَقْبَحَ مِنْ أَقْبَحِهَا، يَأْتِي هَذَا التَّفْسِيرُ فِي التَّعْقِيبِ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- لَمَّا سَاقَ الْوَصِيَّةَ: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ}، عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19].

فَلْيَكُنْ صَوْتُكَ عَلَى قَدْرِ سَمَاعِ سَامِعِكَ، لَا يَتَعَدَّاهُ، فِي صَوْتِكَ الَّذِي هُوَ صَوْتُكَ، وَفِي صَوْتِكَ الَّذِي لَيْسَ بِصَوْتِكَ بَلْ أَنْتَ مُتَحَكِّمٌ فِيهِ؛ مِنْ مِذْيَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْمُسْتَحْدَثَاتِ، فَهُوَ صَوْتُكَ؛ لِأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي بِهِ تَتَحَكَّمُ وَفِيهِ.

 ((شُكُوكُ وَوَسَاوِسُ الشَّبَابِ.. الدَّاءُ وَالدَّوَاءُ))

عِبَادَ اللهِ! مَا أَكْثَرَ الْإِشْكَالَاتِ الَّتِي تَرِدُ عَلَى قَلْبِ الشَّابِّ عِنْدَ غِيَابِ الْعِلْمِ الْحَقِّ، وَالْقَلْبُ الْمَيِّتُ لَا تَرِدُ عَلَيْهِ الْهَوَاجِسُ وَالْوَسَاوِسُ الْمُنَافِيَةُ لِلدِّينِ؛ لِأَنَّهُ قَلْبٌ مَيِّتٌ هَالِكٌ لَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ فِيهِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَوِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: ((إِنَّ الْيَهُودَ يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ لَا يُوَسْوَسُونَ فِي صَلَاتِهِمْ!))؛ أَيْ: لَا تُصِيبُهُمُ الْهَوَاجِسُ.

فَقَالَ: ((صَدَقُوا؛ وَمَا يَصْنَعُ الشَّيْطَانُ بِقَلْبٍ خَرِبٍ؟!!)).

أَمَّا إِذَا كَانَ الْقَلْبُ حَيًّا، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُهَاجِمُهُ مُهَاجَمَةً لَا هَوَادَةَ فِيهَا وَلَا رُكُودَ، فَيَقْذِفُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَسَاوِسِ الْمُنَاقِضَةِ لِدِينِهِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُهْلِكَاتِ لَوِ اسْتَسْلَمَ لَهُ الْعَبْدُ، حَتَّى إِنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُشَكِّكَهُ فِي رَبِّهِ وَفِي دِينِهِ وَفِي عَقِيدَتِهِ، فَإِنْ وَجَدَ فِي الْقَلْبِ ضَعْفًا وَانْهِزَامًا؛ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنَ الدِّينِ، وَإِنْ وَجَدَ فِي الْقَلْبِ قُوَّةً وَمُقَاوَمَةً؛ انْهَزَمَ الشَّيْطَانُ مُدْبِرًا خَاسِئًا وَهُوَ حَقِيرٌ.

وَهَذِهِ الْوَسَاوِسُ الَّتِي يُلْقِيهَا الشَّيْطَانُ فِي الْقَلْبِ لَا تَضُرُّهُ إِذَا اسْتَعْمَلَ الْمَرْءُ الْعِلَاجَ الْوَارِدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ((أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ لَأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً -أَيْ: فَحْمَةً- أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ -يَعْنِي الشَّيْطَانَ- إِلَى الْوَسْوَسَةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَجَاءَ نَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَقَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ -أَيْ: يَرَاهُ عَظِيمًا-)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَوَجَدْتُمُوهُ؟)).

قَالُوا: ((نَعَمْ)).

قَالَ: ((ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمَعْنَى كَوْنِهِ صَرِيحَ الْإِيمَانِ: أَنَّ هَذِهِ الْوَسْوَسَةَ الطَّارِئَةَ، وَإِنْكَارَكُمْ إِيَّاهَا، وَتَعَاظُمَكُمْ لَهَا لَا تَضُرُّ إِيمَانَكُمْ شَيْئًا، بَلْ هِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِيمَانَكُمْ صَرِيحٌ لَا يَشُوبُهُ نَقْصٌ، وَلَا يَعْتَوِرُهُ خَلَلٌ.

قَالَ ﷺ: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ -أَيْ: وَصَلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ- فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «فَلْيَقُلْ: صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ».

وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ -بِسَنَدٍ حَسَنٍ- قَالَ: (( قُولُوا: اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ثُمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)).

فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَصَفَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- الْمَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَوَصَفَ لَهُمُ الْعِلَاجَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:

الْأَوَّلُ: الِانْتِهَاءُ عَنْ هَذِهِ الْوَسَاوِسِ؛ بِمَعْنَى: الْإِعْرَاضِ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَتَنَاسِيهَا حَتَّى كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، وَالِاشْتِغَالُ عَنْهَا بِالْأَفْكَارِ الصَّحِيحَةِ السَّلِيمَةِ.

الثَّانِي: الِاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ مِنْهَا وَمِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: آمَنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ.

الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولُ: ((اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ))، وَيَقُولُ: ((أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)).

وَلَا نَجَاةَ مِنَ الشُّرُورِ وَالْمَهَالِكِ إِلَّا بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى نَهْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ حَقًّا وَصِدْقًا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي تَمُوجُ بِالْفِتَنِ مَوْجَ الْبَحْرِ، وَهِيَ تَتَلَاطَمُ بِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ فَتَسَنَّمُوا كُلَّ ذِرْوَةٍ، وَعَلَوْا كُلَّ مِنْبَرٍ، وَصَارَ صَوْتُهُمْ عَالِيًا قَوِيًّا، وَإِنَّمَا هُمْ فِي النِّهَايَةِ غُثَاءٌ، مَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ -وَالْحَالُ هَذِهِ- فَعَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

 ((الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةٍ لِبَعْضِ الشَّبَابِ:

الْإِسْلَامُ وَتَقْيِيدُ الْحُرِّيَّاتِ!!))

إِنَّ بَعْضَ الشَّبَابِ يَظُنُّ أَنَّ الْإِسْلَامَ تَقْيِيدٌ لِلْحُرِّيَّاتِ وَكَبْتٌ لِلطَّاقَاتِ، فَيَنْفِرُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَيَعْتَقِدُهُ دِينًا رَجْعِيًّا يَأْخُذُ بِيَدِ أَهْلِهِ إِلَى الْوَرَاءِ وَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ التَّقَدُّمِ وَالرُّقِيِّ!!

وَعِلَاجُ هَذِهِ الْمُشْكِلَةِ: أَنْ يُكْشَفَ النِّقَابُ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ لِهَؤُلَاءِ الشَّبَابِ الَّذِينَ جَهِلُوا حَقِيقَتَهُ؛ لِسُوءِ تَصَوُّرِهِمْ، أَوْ قُصُورِ عِلْمِهِمْ، أَوْ كِلَيْهِمَا مَعًا.

وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ = يَجِدْ مُرًّا بِهِ الْمَاءَ الزُّلَالَا

فَالْإِسْلَامُ لَيْسَ تَقْيِيدًا لِلْحُرِّيَّاتِ، وَلَكِنَّهُ تَنْظِيمٌ لِلْحُرِّيَّاتِ وَتَوْجِيهٌ سَلِيمٌ لَهَا؛ حَتَّى لَا تَصْطَدِمُ حُرِّيَّةُ شَخْصٍ بِحُرِّيَّةِ آخَرِينَ عِنْدَمَا يُعْطَى الْحُرِّيَّةَ بِلَا حُدُودٍ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ شَخْصٍ يُرِيدُ الْحُرِّيَّةَ الْمُطْلَقَةَ بِلَا حُدُودٍ إِلَّا كَانَتْ حُرِّيَّتُهُ هَذِهِ عَلَى حِسَابِ حُرِّيَّاتِ الْآخَرِينَ، فَيَقَعُ التَّصَادُمُ بَيْنَ الْحُرِّيَّاتِ، وَتَنْتَشِرُ الْفَوْضَى، وَيَحُلُّ الْفَسَادُ.

وَلِذَلِكَ سَمَّى اللهُ الْأَحْكَامَ الدِّينِيَّةَ حُدُودًا، فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ تَحْرِيمًا قَالَ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]، وَإِنْ كَانَ إِيجَابًا قَالَ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229].

وَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ التَّقْيِيدِ الَّذِي ظَنَّهُ بَعْضُ هَؤُلَاءِ، وَالتَّوْجِيهِ وَالتَّنْظِيمِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.

وَعَلَى هَذَا فَلَا دَاعِيَ لِهَذِهِ الْمُشْكِلَةِ مِنْ أَصْلِهَا؛ إِذِ التَّنْظِيمُ أَمْرٌ وَاقِعِيٌّ فِي جَمِيعِ الْمَجَالَاتِ فِي هَذَا الْكَوْنِ، وَالْإِنْسَانُ بِطَبِيعَتِهِ خَاضِعٌ لِهَذَا التَّنْظِيمِ الْوَاقِعِيِّ.

فَهُوَ خَاضِعٌ لِسُلْطَانِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَلِنِظَامِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَلِذَلِكَ يُضْطَّرُ إِلَى تَنْظِيمِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً وَنَوْعًا؛ كَيْ يُحَافِظَ عَلَى صِحَّةِ بَدَنِهِ وَسَلَامَةِ جَسَدِهِ.

وَهُوَ خَاضِعٌ كَذَلِكَ لِنِظَامِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ، مُسْتَمْسِكٌ بِعَادَةِ بَلَدِهِ فِي مَسْكَنِهِ وَلِبَاسِهِ وَذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ، فَيَخْضَعُ -مَثَلًا- لِشَكْلِ اللِّبَاسِ وَنَوْعِهِ، وَلِشَكْلِ الْبَيْتِ وَنَوْعِهِ، وَلِنِظَامِ السَّيْرِ وَالْمُرُورِ، وَإِنْ لَمْ يَخْضَعْ لِهَذَا عُدَّ شَاذًّا يَسْتَحِقُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الشُّذُوذِ وَالْبُعْدِ عَنِ الْمَأْلُوفِ.

إِذَنْ؛ فَالْحَيَاةُ كُلُّهَا خُضُوعٌ لِحُدُودٍ مُعَيِّنَةٍ؛ كَيْ تَسِيرَ الْأُمُورُ عَلَى الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ، وَإِذَا كَانَ الْخُضُوعُ لِلنُّظُمِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ -مَثَلًا- خُضُوعًا لَا بُدَّ مِنْهُ لِصَلَاحِ الْمُجْتَمَعِ وَمَنْعِ الْفَوْضَوِيَّةِ مِنْهُ، وَلَا يَتَبَرَّمُ مِنْهُ أَيُّ مُوَاطِنٍ؛ فَالْخُضُوعُ كَذَلِكَ لِلنُّظُمِ الشَّرْعِيَّةِ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِصَلَاحِ الْأُمَّةِ، فَكَيْفَ يَتَبَرَّمُ مِنْهُ بَعْضُهُمْ وَيَرَى أَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْحُرِّيَّاتِ؟!! إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُبِينٌ وَظَنٌّ بَاطِلٌ أَثِيمٌ.

وَالْإِسْلَامُ كَذَلِكَ لَيْسَ كَبْتًا لِلطَّاقَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَيْدَانٌ فَسِيحٌ لِلطَّاقَاتِ كُلِّهَا: الْفِكْرِيَّةِ، وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالْجِسْمِيَّةِ.

فَالْإِسْلَامُ يَدْعُو إِلَى التَّفْكِيرِ وَالنَّظَرِ؛ لَكَيْ يَعْتَبِرَ الْإِنْسَانُ وَيُنَمِّيَ عَقْلَهُ وَفِكْرَهُ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سـبأ: 46]، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101].

وَالْإِسْلَامُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى التَّفْكِيرِ وَالنَّظَرِ، بَلْ يَعِيبُ كَذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَنْظُرُونَ وَلَا يَتَفَكَّرُونَ؛ قَالَ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف: 185]، وَقَالَ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الروم: 8]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} [يس: 68].

وَالْأَمْرُ بِالنَّظَرِ وَالتَّفْكِيرِ مَا هُوَ إِلَّا فَتْحٌ لِلطَّاقَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ؛ فَكَيْفَ يَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّهُ كَبْتٌ لِلطَّاقَاتِ؟!!

وَالْإِسْلَامُ قَدْ أَبَاحَ لِأَبْنَائِهِ جَمِيعَ الْمُتَعِ الَّتِي لَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى الْمَرْءِ فِي بَدَنِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ عَقْلِهِ؛ فَأَبَاحَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مِنْ جَمِيعِ الطَّيِّبَاتِ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} [البقرة: 172]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

وَأَبَاحَ جَمِيعَ الْأَلْبِسَةِ عَلَى وَفْقِ مَا تَقْتَضِيهُ الْحِكْمَةُ وَالْفِطْرَةُ وَالشَّرِيعَةُ؛ قَالَ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26].

وَأَبَاحَ التَّمَتُّعَ بِالنِّسَاءِ بِالنِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].

وَفِي مَجَالِ التَّكَسُّبِ لَمْ يَكْبِتِ الْإِسْلَامُ طَاقَاتِ أَبْنَائِهِ، بَلْ أَحَلَّ لَهُمْ جَمِيعَ الْمَكَاسِبِ الْعَادِلَةِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ رِضًا: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

فَهَلْ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ يَصِحُّ ظَنُّ بَعْضِهِمْ أَوْ قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِسْلَامَ كَبْتٌ لِلطَّاقَاتِ؟!!

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَخَذَ بِطَاقَاتِ الشَّبَابِ فَفَعَّلَهَا ﷺ، وَوَلَّاهُمُ الْقِيَادَةَ مَعَ صِغَرِ السِّنِّ وَتَمَامِ الْخِبْرَةِ -فَرَضِيَ اللهُ عَنْ صَحَابَةِ نَبِيِّنَا أَجْمَعِينَ-.

 ((جُمْلَةٌ مِنَ النَّصَائِحِ الْجَامِعَةِ لِلشَّبَابِ))

أَيُّهَا الشَّبَابُ! إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ أَمَرَنَا بِالتَّقْوَى، وَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].

فَوَصِيَّةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِمَنْ سَبَقَ هِيَ هِيَ وَصِيَّتُهُ تَعَالَى لَنَا؛ أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَمَرَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- أَنْ نَتَّقِيَهُ حَقَّ تُقَاتِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102].

وَحَقُّ تُقَاتِهِ: أَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَأَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُشْكَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وَلَا يُكْفَرُ، فَمَنْ أَتَى بِذَلِكَ فَقَدِ اتَّقَى اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَقَّ تُقَاتِهِ .

وَأَمَّا تَقْوَاهُ -جَلَّ وَعَلَا-: فَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ عَامِلًا بِطَاعَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَرْجُو رِضْوَانَ اللهِ، وَأَنْ تَجْتَنِبَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَخَافُ عَذَابَ اللهِ، فَإِنَّ مَنْ أَخَذَ بِالْأَوَامِرِ وَاجْتَنَبَ النَّوَاهِيَ؛ فَهُوَ الْمُتَّقِي لِلهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَقًّا وَصِدْقًا.

إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُخْبِرُنَا أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَلَّا نَظْلِمَ أَنْفُسَنَا فِي حَالِ صِحَّتِنَا، وَلَا فِي حَالِ فَرَاغِنَا وَعَدَمِ شُغُلِنَا، وَلَا فِي حَالِ شَبَابِنَا، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنَ الصِّحَّةِ لِلْمَرَضِ، وَأَنْ نَأْخُذَ مِنَ الْفَرَاغِ لِلشُّغُلِ، وَمِنَ الشَّبَابِ لِلْهَرَمِ؛ فَلْيَحْرِصِ الشَّابُّ الْمُسْلِمُ عَلَى أَوْقَاتِهِ وَسَاعَاتِهِ؛ حَتَّى لَا تَضِيعَ سُدًى، وَلْيَجْعَلْ لَهُ نَصِيبًا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ)).

وَلْيَحْرِصْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَعَنِ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَجُلًا قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟)).

قَالَ ﷺ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ».

قَالَ: ((فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟)).

قَالَ ﷺ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَسَاءَ عَمَلُهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

أَيُّهَا الشَّابُّ الْمُسْلِمُ! يَجِبُ عَلَيْكَ الْإِخْلَاصُ فِي النِّيَّةِ، وَصِدْقُ التَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَاحْذَرْ وَأَنْتَ تَعْمَلُ الطَّاعَاتِ مَدَاخِلَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ؛ فَإِنَّهَا دَاءٌ خَطِيرٌ يُحْبِطُ الْعَمَلَ.

اكْتُمْ حَسَنَاتِكَ وَأَخْفِهَا كَمَا تَكْتُمُ وَتُخْفِي سَيِّئَاتِكَ وَعُيُوبَكَ، وَاجْعَلْ لَكَ خَبِيئَةً مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ مِنْ صَلَاةِ نَافِلَةٍ، أَوْ دَمْعَةٍ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، أَوْ صَدَقَةِ سِرٍّ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَا يَتَقَبَّلُ إِلَّا مِنَ الْمُتَّقِينَ، فَاحْرِصْ عَلَى التَّقْوَى، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

أَيُّهَا الشَّابُّ الْمُسْلِمُ! لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَأْبَوْنَ دُخُولَ الْجَنَّةِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى».

قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَوِّدْ نَفْسَكَ عَلَى ذِكْرِ اللهِ فِي كُلِّ حِينٍ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَكُنْ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَحَافِظْ عَلَى الْأَدْعِيَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَالْأَوْرَادِ الشَّرْعِيَّةِ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41-42].

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].

قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ورَوَى عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنه قال: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ».

قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ».

وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَنْ يَعْمَلَ أَحَدٌ لَكَ بَعْدَ مَوْتِكَ، مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِهَا؛ فَهُبَّ إِلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَالتَّزَوُّدِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَاحْرِصْ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كُلَّ يَوْمٍ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ الْقُرْآنِ مَا تَقَرُّ بِهِ النُّفُوسُ، وَتَهْنَأُ بِهِ الْقُلُوبُ؛ فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: {الم} حَرْفٌ، وَلَكِنْ: أَلفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَلَى الشَّابِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْتَصِمَ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَأَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَ الطَّلَبِ عَلَى نَهْجِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَفِي هَذَا النَّجَاةُ، وَلَا نَجَاةَ إِلَّا فِيهِ.

وَاحْرِصْ عَلَى أَنْ تُسَاهِمَ فِي أَمْرِ الدَّعْوَةِ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ مُهِمَّةُ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالدُّعَاةِ وَالْمُصْلِحِينَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». أَخْرَجَاهُ.

قَالَ الْحَسَنُ -رَحِمَهُ اللهُ-: «فَمَقَامُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ أَفْضَلُ مَقَامَاتِ الْعَبْدِ».

أَيُّهَا الشَّابُّ الْمُسْلِمُ! احْذَرْ أَنْ يَضِيعَ عُمُرُكَ فِي الْمَعَاصِي الْمُهْلِكَاتِ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- : «وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَإنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَعْرَضَ عَنِ اللَّهِ وَاشْتَغَلَ بِالْمَعَاصِي؛ ضَاعَتْ عَلَيْهِ أَيَّامُ حَيَاتِهِ الْحَقِيقِيَّةُ، الَّتِي يَجِدُ غِبَّ إِضَاعَتِهَا يَوْمَ يَقُولُ: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [سُورَةُ الْفَجْرِ: 24]».

فَاحْذَرْ مَجَالِسَ الْفَارِغِينَ، وَاحْفَظْ لِسَانَكَ مِنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَفَاحِشِ الْقَوْلِ، وَاحْبِسْ لِسَانَكَ عَنْ كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللهَ، وَأَلْزِمْ نَفْسَكَ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ الْجَمِيلَ، وَلْيَكُنْ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَعِيشُهُ الْمُؤْمِنُ فَهُوَ غَنِيمَةٌ.

وَعَلَى الشَّبَابِ أَنْ يَحْذَرُوا مِنَ الْوُقُوعِ فِي آفَاتِ الْغُرُورِ وَالْكِبْرِ؛ وَالْغُرُورُ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ النَّفْسِ قَلَّمَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا فَصْلًا وَاضِحًا فِي حَالَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ حَالَاتِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، بَلْ إِنَّ آفَةَ الْغُرُورِ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ بِحَالٍ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ كَالْأَصْلِ الَّذِي تَتَفَرَّعُ مِنْهُ، وَكَالتُّرْبَةِ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهَا، وَكَالْمَاءِ الْكَدِرِ الَّذِي يَرْوِيهَا.

وَحَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْكِبْرِ، وَعَرَّفَهُ، وَحَدَّدَهُ؛ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَهُ، وَأَنْ يَحْذَرَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يُسَامِحُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ؛ لَنْ يُدْخِلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ.

أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ))  بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)).

فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَأَنْ تَكُونَ نَعْلُهُ حَسَنَةً.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)).

فَاحْذَرْ أَنْ تَتَوَرَّطَ فِي الْكِبْرِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ.

عِبَادَ اللهِ! النَّبِيُّ ﷺ أَرْشَدَنَا أَنْ يَأْخُذَ الْوَاحِدُ مِنَّا مِنْ صِحَّتِهِ لِمَرَضِهِ، وَأَنْ يَأْخُذَ الْإِنْسَانُ مِنَّا مِنْ شَبَابِهِ لِشَيْبَتِهِ -لِكِبَرِهِ-؛ لِأَنَّ الشَّبَابَ مَظِنَّةُ الْقُوَّةِ، فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَا دَامَ جَعَلَ الشَّبَابَ مَظِنَّةَ الْقُوَّةِ، وَمَظِنَّةَ الْعَافِيَةِ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُ مِنَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْ حَالِ شَبَابِهِ وَقُوَّتِهِ وَعَافِيَتِهِ لِحَالِ شَيْخُوخَتِهِ، لِكِبَرِهِ وَهَرَمِهِ وَضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ، فَأَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِالْأَخْذِ مِنَ الشَّبَابِ لِلشَّيْبِ، وَمِنَ الصِّحَّةِ لِلْمَرَضِ.


 

 

((رِسَالَةٌ إِلَى الشَّبَابِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْعَصْرِ))

أَيُّهَا الشَّابُّ الْمُسْلِمُ! كُنْ جَادًّا مُتَرَفِّعًا، وَلَا تَكُنْ هَازِلًا، وَلَا تَكُنْ مَائِعًا، فَإِنَّ الْوَقْتَ لَا يَحْتَمِلُ, وَإِنَّ الزَّمَانَ لَمْ يَعُدْ بِمُتَّسَعٍ فِيهِ يَحْتَمِلُ، وَإِنَّ الأَمْرَ صَارَ جِدًّا صِرْفًا مَحْضًا لَا مَكَانَ فِيهِ لِلْهَزْلِ وَلَا مَوْضِعَ، فَإِمَّا حَيَاةٌ كَرِيمَةٌ، وَإِمَّا حَيَاةٌ أَذَلُّ مِنْهَا الذُّلُّ ذَاتُهُ.

وَالْإِسْلَامُ يَهِيبُ بِأَبْنَائِهِ؛ أَنْ لَبُّوا دَعْوَةَ الْحَقِّ فَتُوبُوا، تُوبُوا إِلَى اللهِ وَارْجِعُوا, وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا عَنِ الْعَقِيدَةِ مُنَافِحِينَ!! فَدَافِعُوا عَنْ أَرْضِكُمْ, وَدَافِعُوا عَنْ عِرْضِكُمْ، وَدَافِعُوا عَنْ شَرَفِكُمْ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْمَوْتَ أَوْلَى بِكُمْ، وَأَشْرَفُ لَكُمْ.

عَلَى هَذَا الْجِيلِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ سَيُمْسِكُ بِالزِّمَامِ بَعْدَ حِينٍ، وَيَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يُخْرِجُوا الْأُمَّةَ مِنْ وَرْطَتِهَا؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُعَادُونَهَا ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، ظَاهِرًا مَكْشُوفًا، لِأَنَّ أُولَئِكَ قَدْ بَحَثُوا بِعُقُولٍ عَرَبِيَّةٍ، بِعُقُولٍ مُسْلِمَةٍ، بَحَثُوا، وَوَفَّرُوا لِهَؤُلَاءِ الْبَاحِثِينَ مَا وَفَّرُوهُ لَهُمْ مِنَ الْإِمْكَانَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْإِمْكَانَاتِ التَّرَفِيَّةِ، وَوَفَّرُوا لَهُمْ سُبُلَ الْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ، تَتَوَفَّرُ عَلَى الْبَحْثِ، وَأَخْرَجُوا لَهُمْ مَا أَخْرَجُوهُ مِمَّا طَوَّرُوهُ، فَصَارَ مِنْ أَسْلِحَةِ الدَّمَارِ الشَّامِلِ، يُهَدِّدُونَ بِهَا النَّاسَ، وَيَرْدَعُونَهُمْ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَسْتَعْمِلُونَ حَتَّى مَا آتَاهُمُ اللهُ {مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، هَذَا لَا يَأْخُذُونَ بِهِ!!

وَاللهُ وَحْدَهُ هُوَ الْقَادِرُ أَنْ يَنْتَشِلَنَا مِنْ هَذِهِ الْوَهْدَةِ، وَأَنْ يُخْرِجَنَا مِنْ هَذَا الْحَضِيضِ، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَى هَذِهِ الْعُقُولِ الْفَارِغَةِ بِالِامْتِلَاءِ بِالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَعَلَى أَجْسَادِهَا الْمَشْغُولَةِ بِمَعْصِيَةِ اللهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر:حُقُوقُ الشَّبَابِ وَوَاجِبَاتُهُمْ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  فَضَائِلُ عْشَرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَحْكَامُ الْأُضْحِيَّةِ، وَفِقْهُ الْمَقَاصِدِ
  بِدع شهر رجب
  تحقيق التوحيد في الكسوف والخسوف
  عقيدة أهل الإسلام في حقوق الحكام
  مع سيد قطب رحمه الله
  رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُرَاقَبَةِ الذَّاتِيَّةِ وَصِنَاعَةِ الضَّمِيرِ الْحَيِّ
  النَّبِيُّ الْقُدْوَةُ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَحَيَاتِهِ
  عَالَمِيَّةُ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَمَا يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَهَا
  حَاجَتُنَا إِلَى الدِّينِ الرَّشِيدِ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ
  حرق البشر بين داعش والمجوس
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان