ضَوَابِطُ الْأَسْوَاقِ وَآدَابُهَا

ضَوَابِطُ الْأَسْوَاقِ وَآدَابُهَا

((ضَوَابِطُ الْأَسْوَاقِ وَآدَابُهَا))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((نِظَامٌ مُحْكَمٌ لِلْعَلَاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ))

فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ تُنَظِّمُ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَتَنْظِيمُهَا لِلْمُعَامَلَةِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَكَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَاعْتَدَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَكَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَمِنْ مُقْتَضَى عَدْلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ تُنَظَّمَ الْمُعَامَلَاتُ بَيْنَ الْخَلْقِ؛ لِئَلَّا تَرْجِعَ إِلَى الْأَهْوَاءِ وَالْعُدْوَانِ.

 ((لَقَدْ نَظَّمَ الْإِسْلَامُ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَسْوَاقِهِمْ، وَمَزَارِعِهِمْ، وَأَسْفَارِهِمْ، وَبُيُوتِهِمْ، وَشَوَارِعِهِمْ، وَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي شُئُونِهِمُ الْحَيَاتِيَّةِ إِلَّا أَحْصَاهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَبَيَّنَهُ بِأَعْدَلِ نِظَامٍ، وَأَحْسَنِ تَرْتِيبٍ، وَأَتَمِّ تَفْصِيلٍ.

وَالنَّاسُ يَحْتَاجُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا قَالُوا مَدَنِيٌّ بِطَبْعِهِ؛ يَحْتَاجُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَلَا يَعِيشُ وَحْدَهُ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ قَانُونٍ رَبَّانِيٍّ فِيهِ الْعَدْلُ وَفِيهِ الْحِكْمَةُ يَسُنُّ لِلنَّاسِ طُرُقَ الْمُعَامَلَاتِ وَإِلَّا حَلَّتِ الْفَوْضَى، وَانْتَشَرَتِ الرَّذَائِلُ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، وَأَصْبَحَتْ وَسَائِلُ الْحَيَاةِ وَسَائِلَ لِلدَّمَارِ وَالْهَلَاكِ.

وَبِسَنِّ هَذِهِ النُّظُمِ وَوَضْعِ تِلْكَ الشَّرَائِعِ مِنْ لَدُنْ رَبِّنَا الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ بِهَا يَتَبَيَّنُ مَا فِي الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ مِنَ الْحِكَمِ الظَّاهِرَةِ، وَمِنَ الْأُمُورِ الْبَاهِرَةِ، مِمَّا يَدْعُو إِلَى الرَّغْبَةِ فِي الْعَمَلِ، وَمَحَبَّةِ الْكَسْبِ بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُبَاحَةِ؛ حِفْظًا لِلنَّفْسِ، وَإِعْمَارًا لِلْكَوْنِ.

فَدِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمُ هُوَ دِينُ الْحَرَكَةِ النَّافِعَةِ، وَالنَّشَاطِ الْمُتَوَثِّبِ، وَالْعَمَلِ الدَّءُوبِ، يَحُثُّ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَجْعَلُهُ نَوْعًا مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَعُدُّهُ قِسْمًا مِنَ الْعِبَادَاتِ.

الْإِسْلَامُ يَكْرَهُ الْكَسَلَ وَالْخُمُولَ، وَيَكْرَهُ الِاتِّكَالَ عَلَى الْغَيْرِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} [النجم: 39]، وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].

وَالْإِسْلَامُ بِمَا شَرَعَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي سَنَّ بِهَا الْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرَهَا، وَبَيَّنَ آدَابَهَا؛ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ، وَوَجَّهَ كُلَّ ذِي طَبْعٍ إِلَى مَا يُلَائِمُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ؛ لِيَعْمُرَ الْكَوْنُ لِلْقِيَامِ بِشَتَّى طُرُقِ الْحَيَاةِ الْمُبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ جَوْرٍ وَلَا ظُلْمٍ، وَلَا اعْتِدَاءٍ وَلَا هَضْمٍ)) .

 ((مَشْرُوعِيَّةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَحِكْمَتُهُمَا))

إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ شَرَعَ لِعِبَادِهِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ؛ وُصُولًا إِلَى الْغَرَضِ، وَدَفْعًا لِلْحَاجَةِ؛ حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [ البقرة: 275].

وَأَحَلَّ اللهُ لَكُمُ الْأَرْبَاحَ فِي التِّجَارَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ نَفْعٍ لِلْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَحَرَّمَ الرِّبَا الَّذِي هُوَ زِيَادَةٌ فِي الْمَالِ لِأَجْلِ تَأْخِيرِ الْأَجَلِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِغْلَالٍ وَضَيَاعٍ وَهَلَاكٍ.

وَلَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ مُنْذُ الْأَزَلِ عَلَى إِقَامَةِ الْأَسْوَاقِ الَّتِي يَتَبَادَلُونَ فِيهَا مَنَافِعَهُمْ، وَيُحَقِّقُونَ مِنْ خِلَالِهَا مَصَالِحَهُمْ، وَجَاءَتْ آيَاتُ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ لِتُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ سِمَةٌ مِنْ سِمَاتِ الْبَشَرِ؛ حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20].

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَدًا مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ؛ طَلَبًا لِمَعَاشِهِمْ وَلِاكْتِسَابِ أَرْزَاقِهِمْ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللهِ فِي جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ السَّابِقِينَ، وَمَا أَنَا إِلَّا رَسُولٌ، وَمَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وَهُمْ كَانُوا بَشَرًا مِثْلِي يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ.

وَحَكَى الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ قَوْلَ الْمُشْرِكِينَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: {وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7].

وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ مُتَعَجِّبِينَ: أَيُّ شَيْءٍ اخْتُصَّ بِهِ مُحَمَّدٌ حَتَّى اسْتَطَاعَ بِسَبَبِهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا، وَالْحَالُ أَنَّهُ يَأْكُلُ الطَّعَامَ كَمَا نَأْكُلُ نَحْنُ، وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ كَمَا نَمْشِي يَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ؟!!

وَفِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ- حِكَايَةً عَنْ حَالِهِمْ: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ} [الكهف: 19].

فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِنُقُودِكُمُ الْفِضِّيَّةِ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمَعْهُودَةِ الَّتِي عِشْتُمْ فِيهَا وَخَرَجْتُمْ مِنْهَا، فَلْيَنْظُرْ أَيُّ أَطْعِمَةِ الْمَدِينَةِ أَكْثَرُ نَمَاءً وَزِيَادَةَ غِذَاءٍ يَصْلُحُ لِلِارْتِفَاقِ بِهِ وَلِلِادِّخَارِ أَطْوَلَ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَنِ، فَلْيَأْتِكُمْ بِقُوتٍ وَطَعَامٍ تَأْكُلُونَهُ.

 ((مَعْرِفَةُ شُرُوطِ الْبَيْعِ وَثَمَرَاتُهَا))

إِنَّ مِنَ الْوَاجِبَاتِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَصَدَّرَ لِلْبَيْعِ أَنْ يَعْرِفَ شُرُوطَ الْبَيْعِ؛ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الْحَرَامِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُثْمِرُ الْبَرَكَةَ فِي بَيْعِهِ وَمَالِهِ.

((وَالْبَيْعُ لَهُ شُرُوطٌ؛ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:

*الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: التَّرَاضِي بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي؛ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29].

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ)). الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِذَا أُكْرِهَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ؛ كَأَنْ يُكْرِهُ الْحَاكِمُ شَخْصًا عَلَى بَيْعِ شَيْءٍ لِسَدَادِ دَيْنِهِ؛ صَحَّ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ)) .

وَالْقَاضِي هُوَ الْحَاكِمُ هُنَا.. كَأَنْ يُكْرِهُ الْقَاضِي شَخْصًا عَلَى بَيْعِ شَيْءٍ مِمَّا يَمْتَلِكُهُ لِسَدَادِ دَيْنِهِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْبَيْعَ، وَإِنَّمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَقَعُ هَذَا الْبَيْعُ صَحِيحًا مَعَ الْإِكْرَاهِ.

((*الشَّرْطُ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ: كَوْنُ الْعَاقِدِ جَائِزَ التَّصَرُّفِ؛ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا رَشِيدًا.

*وَالثَّالِثُ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ مَالِكًا لِلْمَبِيعِ، أَوْ قَائِمًا مَقَامَ مَالِكِهِ؛ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَالْوَلِيِّ وَالنَّاظِرِ عَلَى الْوَقْفِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ شَخْصٌ شَيْئًا لَا يَمْلِكُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﷺ: ((لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)) )) .

فَلَا بُدَّ مِنْ حِيَازَتِهِ أَنْ يَكُونَ مِلِكًا لَهُ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْإِنْسَانُ مَا لَا يَمْلِكُهُ.

((*الرَّابِعُ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِمَّا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ كَالْمَأَكُولِ، وَالْمَشْرُوبِ، وَالْمَلْبُوسِ، وَالْمَرْكُوبِ، وَالْعَقَارِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ)) .

وَقَوْلُهُمْ: مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّنَا قَدْ نَحْتَاجُ إِلَى مَا لَا يُبَاعُ، كَمَا قَدْ نُضْطَرُّ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ كَالْمَيْتَةِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَيْتَةِ، لِذَلِكَ قَيَّدُوا بِهَذِهِ الْقُيُودِ.. أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِمَّا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ، فَيَكُونُ -حِينَئِذٍ- مُنْتَفِعًا بِالْمَيْتَةِ، فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَيْتَةِ؟!!

لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقَيْدَ أَخْرَجَ الْمَيْتَةَ.

((فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ كَالْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَآلَاتِ اللَّهْوِ، وَالْمَعَازِفِ)) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ.. فَآلَاتُ الطَّرَبِ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْخِنْزِيرُ وَالْخَمْرُ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةَ، وَالْخِنْزِيرَ، وَالْأَصْنَامَ)) .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ)) .

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ)) .

الشَّرْطُ الْخَامِسُ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ كَالْمَعْدُومِ -سَوَاءً بِسَوَاءٍ-، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ إِذْ هُوَ دَاخِلٌ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ وَلَا يَحْصُلُ عَلَى الْمَبِيعَ، فَلَا يَجُوزُ -مَثَلًا- بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَلَا بَيْعُ النَّوى فِي التَّمْرِ، وَلَا بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلَا بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَلَا بَيْعُ الْحَمْلِ الَّذِي فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَا بَيْعُ الْحَيَوَانِ الشَّارِدِ)) .

فَهَذَا كُلُّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ كَالْمَعْدُومِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((الصَّحِيحِ)) .

الشَّرْطُ السَّادِسُ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِرُؤْيَتِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ، أَوْ بِوَصْفِهِ وَصْفًا يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ غَرَرٌ، وَالْغَرَرُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا لَمْ يَرَهُ، أَوْ رَآهُ وَجَهِلَهُ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.

الشَّرْطُ السَّابِعُ وَالْأَخِيرُ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، بِتَحْدِيدِ سِعْرِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ، وَمَعْرِفَةِ قِيمَتَهَا)) .

فَهَذِهِ هِيَ شُرُوطُ الْبَيْعِ، وَفِيهَا مُرَاعَاةُ مَصْلَحَةِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَفِيهَا الْحِكْمَةُ الْعَالِيَةُ لِفَضِّ النِّزَاعِ بَيْنَ النَّاسِ عِنْدَ التَّبَايُعِ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الْمُطَهَّرَةَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ عِنْدِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

 ((ضَرُورَةُ مَعْرِفَةِ الْبُيُوعِ الْمُحَرَّمَةِ))

 

إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- أَمَرَنَا بِالْأَكْلِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَاتًا وَكَسْبًا؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 171]، أَنْ يَكُونَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، طَيِّبًا فِي كَسْبِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طَيِّبًا فِي ذَاتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ حَرَامًا فِي كَسْبِهِ، فَتَعْلَقُ بِهِ الْحُرْمَةُ أَيْضًا.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- سَوَّى بَيْنَ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي وُجُوبِ الْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ وَاجْتِنَابِ الْحَرَامِ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المُؤْمِنُون: 51].

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

وَلَا يَأْكُلْ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ دُونَ وَجْهٍ مِنَ الْحَقِّ، كَالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْغِشِّ، وَالتَّغْرِيرِ، وَالرِّبَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَلَا يَسْتَحِلَّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ إِلَّا لِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ؛ كَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ، وَالْعَقْدِ الصَّحِيحِ الْمُبِيحِ لِلْمِلْكِ.

وَلَا يُنَازِعْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فِي الْمَالِ وَهُوَ مُبْطِلٌ، وَيَرْفَعْ إِلَى الْحَاكِمِ أَوِ الْقَاضِي؛ لِيَحْكُمَ لَهُ، وَيَنْتَزِعَ مِنْ أَخِيهِ مَالَهُ بِشَهَادَةٍ بَاطِلَةٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ كَاذِبَةٍ، أَوْ رِشْوَةٍ خَبِيثَةٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ.

فَإِنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَلْيَمْتَثِلْ كُلُّ عَبْدٍ أَمْرَ اللهِ بِاجْتِنَابِ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ؛ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ، لَا يُبَاحُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ.

فَعَلَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي تَعَلُّمُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهَذَا عَلَى الْوُجُوبِ، فَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى مَنْ يُزَاوِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي ((السُّنَنِ)) ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ-: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)).

فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ صَحِيحَ الْعُقُودِ مِنْ فَاسِدِهَا؛ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَالْحَرَامِ.

 ((وَالْمُعَامَلَاتُ الْمُحَرَّمَةُ تَرْجِعُ إِلَى ضَوَابِطَ؛ أَعْظَمُهَا الثَّلَاثَةُ الْآتِيَةُ:

1- الرِّبَا بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ: رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ، وَرِبَا الْقَرْضِ.. فَالرِّبَا بِأَنْوَاعِهِ مُحَرَّمٌ.

2- الْجَهَالَةُ وَالْغَرَرُ.

3- الْخِدَاعُ وَالتَّغْرِيرُ)) .

الْمُعَامَلَاتُ الْمُحَرَّمَةُ تَرْجِعُ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ أَعْظَمُ الضَّوَابِطِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا تَحْرِيمُ الْعُقُودِ.

 ((فَأَعْظَمُ الْمَحَاذِيرِ الْمَانِعَةِ مِنْ صِحَّةِ الْمُعَامَلَاتِ: الرِّبَا، وَالْغَرَرُ، وَالظُّلْمُ.

فَالرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ يَدْخُلُ فِيهِ (رِبَا الْفَضْلِ)، وَهُوَ بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَبَيْعُ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا النَّوْعِ فِي حِلِّهِ مَا شَرَطَ الشَّارِعُ، وَهُوَ التَّمَاثُلُ بَيْنَ الْمَبِيعَيْنِ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ، مَكِيلًا كَانَ أَوْ مَوْزُونًا، وَالْقَبْضُ لِلْعِوَضَيْنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ.. مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ.

وَ(رِبَا النَّسِيئَةِ): وَهُوَ بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ إِلَى أَجَلٍ، أَوْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ -وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ-، وَبَيْعُ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ إِلَى أَجَلٍ أَوْ بِلَا قَبْضٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا السَّلَمُ.

وَأَشَدُّ أَنْوَاعِ هَذَا النَّوْعِ قَلْبُ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [آل عمران: 130].

وَذَلِكَ إِذَا حَلَّ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ قَالَ لَهُ الْغَرِيمُ: ((إِمَّا أَنْ تَقْضِيَنِي دَيْنِي، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي ذِمَّتِكِ))؛ فَيَتَضَاعَفُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً بِلَا نَفْعٍ وَلَا انْتِفَاعٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْسِرَ قَدْ أَوْجَبَ اللهُ عَلَى غَرِيمِهِ إِنْظَارَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

وَسَوَاءٌ كَانَ قَلْبُ الدَّيْنِ الْمَذْكُورُ صَرِيحًا أَوْ يَتَحَيَّلُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا التَّوَصُّلُ إِلَى مُضَاعَفَةِ مَا فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ؛ فَهَذَا الَّذِي قَدْ تَوَعَّدَهُ اللهُ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَأَنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى بَعْثِهِمْ وَنُشُورِهِمْ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ؛ أَيْ: مِنَ الْجُنُونِ، فَيَقُومُونَ مَرْعُوبِينَ مُنْزَعِجِينَ قَدِ اخْتَلَّتْ حَرَكَاتُهُمْ لِمَا يَعْلَمُونَ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْقَلَاقِلِ وَالْأَهْوَالِ الْمُزْعِجَةِ وَالْعُقُوبَاتِ لِأَكَلَةِ الرِّبَا.

وَقَدْ آذَنَهُمُ اللهُ بِمُحَارَبَتِهِ وَمُحَارَبَةِ رَسُولِهِ إِذَا لَمْ يَتُوبُوا، وَمَنْ كَانَ مُحَارِبًا لِلهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ مَخْذُولٌ، وَإِنَّ عَوَاقِبَهُ وَخِيمَةٌ، وَإِنِ اسْتُدْرِجَ فِي وَقْتٍ فَآخِرُ أَمْرِهِ الْمَحْقُ وَالْبَوَارُ؛ قَالَ تَعَالَى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ} [الروم: 39].

فَالْمُرَابِي يَأْخُذُهُ الْأَمْنُ وَالْغُرُورُ الْحَاضِرُ، وَلَا يَدْرِي مَا خُبِئَ لَهُ فِي مُسْتَقْبَلِ أَمْرِهِ، وَأَنَّ اللهَ سَيَجْمَعُ لَهُ بَيْنَ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا إِنْ تَابَ وَأَنَابَ، فَإِذَا تَابَ فَلَهُ مَا سَلَفَ، وَأَمَّا الْعُقُودُ الْحَاضِرَةُ فَالزِّيَادَةُ لَا تَحِلُّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ رَأْسِ مَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} بِأَخْذِ الزِّيَادَةِ، {وَلَا تُظْلَمُونَ} بِأَخْذِ بَعْضِ رُءُوسِ أَمْوَالِكُمْ.

وَمِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا: الْقَرْضُ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا; فَإِنَّ الْقَرْضَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْمَرَافِقِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَإِذَا دَخَلَتْهُ الْمُعَاوَضَةُ وَشَرَطَ الْمُقْرِضُ عَلَى الْمُقْتَرِضُ رَدَّ خَيْرٍ مِنْهُ بِالصِّفَةِ أَوِ بِالْمِقْدَارِ، أَوْ شَرَطَ نَفْعًا أَوْ مُحَابَاةً فِي مُعَاوَضَةٍ أُخْرَى فَهُوَ مِنَ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ مُؤَخَّرَةٍ، وَالرِّبْحُ ذَلِكَ النَّفْعُ الْمَشْرُوطُ.

فَاللهُ -تَعَالَى- وَعَظَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا كُلِّهِ وَالْمُعَامَلَةِ بِهِ، وَأَنْ يَكْتَفُوا بِالْمَكَاسِبِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي فِيهَا الْبَرَكَةُ وَصَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَفِيهَا تَزْكُو الْأَخْلَاقُ، وَيَحْصُلُ الِاعْتِبْارُ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَالصِّدْقُ، وَالْعَدْلُ، وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ التَّبِعَاتِ.

وَمِنَ الْمَحَاذِيرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَحْذُورُ الْمَيْسِرِ وَالْغَرَرِ؛ فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ فِي كِتَابِهِ الْمَيْسِرَ، وَقَرَنَهُ بِالْخَمْرِ، وَذَكَرَ مَضَارَّ ذَلِكَ وَمَفَاسِدَهُ.

وَالْمَيْسِرُ يَدْخُلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَمَا يَدْخُلُ فِي الْمُغَالَبَاتِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُرَاهَنَاتِ وَالْمُقَامَرَاتِ وَتَوَابِعَهَا مِنَ الْمَيْسِرِ؛ فَالْبُيُوعُ الَّتِي فِيهَا غَرَرٌ وَمُخَاطَرَاتٌ وَجَهَالَاتٌ دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْسِرِ.

وَلِهَذَا قَالَ ﷺ كَلِمَةً جَامِعَةً: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» كَمَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَيْعُ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَبَيْعُ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ، وَالشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يُرَ وَلَمْ يُوصَفْ، وَدَخَلَ فِيهِ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، وَجَمِيعُ الْعُقُودِ الَّتِي فِيهَا جَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ -أَيْضًا-؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَعَامِلَيْنَ إِمَّا أَنْ يَغْنَمَ، وَإِمَّا أَنْ يَغْرَمَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَقَاصِدِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي يُقْصَدُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعَوَّضِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوِي فِيهِ عِلْمُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ، فَإِذَا جُهِلَ الثَّمَنُ أَوِ الْمُثَمَّنُ، أَوْ كَانَ الْأَجَلُ فِي الدُّيُونِ غَيْرَ مُسَمًّى وَلَا مَعْلُومٍ دَخَلَ هَذَا فِي بَيْعِ الْغَرَرِ وَالْمَيْسِرِ الَّذِي زَجَرَ اللهُ عَنْهُ.

وَمِنَ الْمَحَاذِيرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ: الظُّلْمُ، وَالْغِشُّ، وَالتَّدْلِيسُ، وَبَخْسُ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ، وَبَخْسُ الْحُقُوقِ أَخْذًا وَإِعْطَاءً؛ بِأَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ، أَوْ يُعْطِيَ أَقَلَّ مِمَّا عَلَيْهِ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَهْلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً بِسَبَبِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْخَبِيثَةِ، وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ الْمُحَرَّمَةُ تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْغَصْبُ وَالسَّرِقَةُ وَنَحْوُهُمَا)) .

عِبَادَ اللهِ! ((إِنَّ مَعْصِيَةَ اللهِ -تَعَالَى- تُزِيلُ النِّعَمَ، وَتُحِلُّ النِّقَمَ، وَمَا زَالَتْ عَنِ الْعَبْدِ نِعْمَةٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا حَلَّتْ بِهِ نِقْمَةٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ»» .

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُنَنِهِ))  مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ». وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ))، وَفِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ))، وَفِي غَيْرِهِمَا.

((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ)): وَهِيَ السِّلْعَةُ تَدْخُلُ بَيْنَ أَخْذٍ وَعَطَاءٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ مَعَ زِيَادَةٍ فِي نَظِيرِ الْأَجَلِ بِلَا مُقَابِلٍ، وَهِيَ حِيلَةٌ مِنَ الْحِيَلِ يَأْخُذُ بِهَا مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، يَشْتَرِي سِلْعَةً بِأَلْفٍ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِمَّنْ بَاعَهَا لَهُ بِثَمَانِمِائَةٍ -مَثَلًا- نَقْدًا فِي الْحَالِ، فَيَأْخُذُ ثَمَانِمِائَةٍ وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ أَلْفٌ، فَدَخَلَتِ السِّلْعَةُ وَخَرَجَتْ -حِيلَةً- مِنْ أَجْلِ تَحْلِيلِ الرِّبَا، وَهَيْهَاتَ!!

إِذَا فَسَدَتْ حَيَاتُكُمْ الِاقْتِصَادِيَّةُ، ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ))..

((وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ)): فَصِرْتُمْ تَابِعِينَ حَتَّى لِلْبَقَرِ، وَانْحَطَّتْ هِمَمُكُمْ، ((وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)).

فَجَعَلَ رَفْعَ الذُّلِّ مَرْهُونًا بِالرُّجُوعِ إِلَى الدِّينِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الدِّينِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ، وَمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ.

قَدْ يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ الدِّينَ الْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْلُكُ إِلَى هَذَا الدِّينِ السَّبِيلَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مُحْسِنًا وَلَا يُرْفَعُ الذُّلُّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا لَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَلَا بُدَّ مْنْ مَعْرِفَةِ الدِّينِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ وَمَعْرِفَةِ السَّبِيلِ الْمُوصِلَةِ إِلَيْهِ.

فَإِذَا تَحَصَّلَ الْمُجْتَمَعُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ رَفَعَ اللهُ مَا سَلَّطَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ حَتَّى يَعُودَ إِلَى عِزِّهِ وَعِزَّتِهِ، وَرِفْعَتِهِ وَسُؤْدُدِهِ وَمَجْدِهِ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].

فَأَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ نِعَمَهُ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُغَيِّرُ مَا بِنَفْسِهِ، فَيُغَيِّرُ طَاعَةَ اللهِ بِمَعْصِيَتِهِ، وَشُكْرَ اللهِ بِكُفْرِهِ، وَأَسْبَابَ رِضَاهُ -تَعَالَى- بِأَسْبَابِ سَخَطِهِ، فَإِذَا غَيَّرَ غُيِّرَ عَلَيْهِ جَزَاءً وِفَاقًا -وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ-.

فَمَنْ صَفَّى صُفِّيَ لَهُ، وَمَنْ كَدَّرَ كُدِّرَ عَلَيْهِ، وَمَنْ شَابَ شِيبَ لَهُ، فَمَنْ أَحْسَنَ أُحْسِنَ إِلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ أَسَاءَ السُّوأَىٰ -وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ-.

 ((جُمْلَةٌ مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَسْوَاقِ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ آدَابَ السُّوقِ مِنْ جُمْلَةِ الْآدَابِ الَّتِي بَيَّنَهَا كِتَابُ رَبِّنَا, وَوَضَّحَتْهَا سُنَّةُ نَبِيِّنَا ﷺ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْكِتَابُ وَذَكَرَتِ السُّنَّةُ آدَابًا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ فَيَنْبَغِي لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَنْ يَتَخَلَّقَا بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ.

وَمَا أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ تَارِيخِهِمْ إِلَى مَعْرِفَةِ الْآدَابِ الَّتِي دَلَّهُمْ عَلَيْهَا دِينُهُمْ, وَأَرْشَدَتْهُمْ إِلَيْهَا سُنَّةُ نَبِيِّهِمْ ﷺ.

وَمِنْ هَذِهِ الْآدَابِ:

*إِخْلَاصُ النِّيَّةِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ لِإِعْفَافِ نَفْسِهِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى عِيَالِهِ، وَإِعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ ثَرْوَاتِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْجَرُ بِهِ الْعَبْدُ، وَلَا يَكُونُ هَمُّهُ جَمْعَ الْأَمْوَالِ تَكُثُّرًا وَبَطَرًا وَأَشَرًا وَإِعْجَابًا.

فَطَلَبُ الْكَسْبِ وَطَلَبُ الرِّبْحِ وَالْمَالِ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُؤَسَّسًا عَلَى نِيَّةٍ صَالِحَةٍ، وَذَلِكَ لِإِعْفَافِ نَفْسِهِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى عِيَالِهِ، وَلِإِعْزَازِ الْمُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ ثَرْوَاتِهِمْ، وَلِحِيَاطَةِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْجَرُ بِهِ الْعَبْدُ.

 ((*وَمِنْ آدَابِ الْأَسْوَاقِ: ذِكْرُ اللهِ -تَعَالَى- وَحُسْنُ مُرَاقَبَتِهِ، فَذِكْرُ اللهِ يَلْتَزِمُهُ الْمُسْلِمُ فِي كُلِّ حَالٍ كَمَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَالسُّوقُ لَهُ دُعَاءٌ يَقُولُهُ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْلِمَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كَلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ)) )) . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ.

((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ...)): قَالَ الطِّيبِيُّ: ((خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مَكَانُ الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالِاشْتِغَالِ بِالتِّجَارَةِ؛ فَهُوَ مَوْضِعُ سَلْطَنَةِ الشَّيْطَانِ، وَمَجْمَعُ جُنُودِهِ، فَالذَّاكِرُ هُنَاكَ يُحَارِبُ الشَّيْطَانَ وَيَهْزِمُ جُنُودَهُ، فَهُوَ خَلِيقٌ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الثَّوَابِ)).

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ؛ وَذَلِكَ بِالدِّرَاسَةِ الْجَيِّدَةِ لِإِتْقَانِ مِهْنَةِ الْعَمَلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ، وَمَعْرِفَةِ إِيجَابِيَّاتِهِ وَسَلْبِيَّاتِهِ، وَمُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ فِيهِ، وَاتِّخَاذِ أَحْسَنِ السُّبُلِ الَّتِي فِي مَقْدُورِهِ لِتَحْصِيلِ أَحْسَنِ النَّتَائِجِ بِمُزَاوَلَةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ -رَحِمَهُ اللهُ- -: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنَّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)).

فَيَأْخُذُ بِالْأَسْبَابِ مُتَوِّكِلًا عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَالِقِهَا.

وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: ((وَاسْتَعِنْ بِاللهِ))، فَمَنْ أَخَذَ بِالْأَسْبَابِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَى رَبِّ الْأَسْبَابِ، لَا أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ، بَلْ يَكُونُ مُتَوَكِّلًا وَمُسْتَعِينًا بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، مُعَلِّقًا قَلْبَهُ بِرَبِّهِ لِتَحْصِيلِ الرِّزْقِ، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: عَدَمُ الِانْشِغَالِ عَنِ الطَّاعَاتِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُدَاوِمًا عَلَى التَّقْوَى، وَهِيَ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ فِي تَحْصِيلِ الْأَرْزَاقِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].

وَقَدْ أَثْنَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37]، وَذَمَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- آخَرِينَ بِقَوْلِهِ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الجمعة: 11].

قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ-: ((لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَفِيهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ)).

*مِنْ آدَابِ الْأَسْوَاقِ: عَدَمُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 9-10].

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: طَلَبُ الرِّزْقِ الْحَلَالِ؛ قَالَ تَعَالَى: {قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168].

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ»: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ)) .

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ؛ فَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

وَوَرَدَ الذَّمُّ فِيمَنْ لَا يُبَالِي مَنْ أَيْنَ أَصَابَ الْمَالَ؛ مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَامٍ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ؛ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) .

يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ وَلَا مَا أَخَذَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ! هُوَ لَا يُبَالِي!!

نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: تَعَلُّمُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهَذَا عَلَى الْوُجُوبِ، فَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى مَنْ يُزَاوِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي ((السُّنَنِ))، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ-: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)) .

فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ صَحِيحَ الْعُقُودِ مِنْ فَاسِدِهَا؛ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَالْحَرَامِ.

وَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ يَطُوفُ بِالسُّوقِ وَيَضْرِبُ بَعْضَ التُّجَّارِ بِالدِّرَّةِ، وَيَقُولُ: ((لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا هَذَا إِلَّا مَنْ تَفَقَّهَ، وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا شَاءَ أَمْ أَبَى)) .

فَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْبَيْعِ فِي السُّوقِ إِلَّا مِمَّنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا شَاءَ أَمْ أَبَى.. كَمَا قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: السَّمَاحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ فَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ, وَإِذَا اشْتَرَى, وَإِذَا اقْتَضَى)). وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) .

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي شَرْحِهِ: ((فِيهِ الْحَضُّ عَلَى السَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَاسْتِعْمَالُ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ، وَتَرْكُ الْمُشَاحَّةِ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَفِيهِ الْحَضُّ عَلَى أَخْذِ الْعَفْوِ مِنْهُمْ)).

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: تَجَنُّبُ الصَّخَبِ بِالْأَسْوَاقِ، وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَ الْمُعَامَلَةِ، فَهَذَا يَتَنَافَى مَعَ الْوَقَارِ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَقَدْ سُئِلَ عَنْ وَصْفِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: ((أَجَلْ؛ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِصِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ -وَأَيْضًا بِالسِّينِ عَلَى الْمُعَاقَبَةِ بَيْنَ السِّينِ وَالصَّادِ، وَهُمَا بِمَعْنًى- وَلَا سَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ؛ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَيَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا)). وَالْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: إِنْظَارُ الْمُوسِرِ وَالْعَفْوُ عَنِ الْمُعْسِرِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

وَعَنْ حُذَيْفَةَ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟

قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ: ((أَنْظِرُوا الْمُوسِرَ، وَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ -هُوَ-: ((كُنْتُ أُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ)).

قَالَ: ((فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ)).

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ- : ((فَإِذَا أَعْسَرَ الْمَدْيُونُ وَجَبَ إِنْظَارُهُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ضَرْبِهِ وَلَا إِلَى حَبْسِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، وَأَرْجَحُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ كَانَ حَالُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مِثْلِهِ يُعَدُّ يَسَارًا فَهُوَ مُوسِرٌ، وَعَكْسُهُ بِعَسْكِهِ)).

فَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْحَافِظُ فِي ((الْفَتْحِ))، وَبِنَحْوِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَبْلُ -رَحِمَ اللهُ عُلَمَاءَنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَجْمَعِينَ-.

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ التاجرُ الْغِشَّ وَالْكَذِبَ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا أَمِينًا، وَلْيَحْذَرِ الْكَذِبَ وَالْكِتْمَانَ مَعَ مَنْ يَتَعَامَلُ مَعَهُمْ مِنَ الشُّرَكَاءِ وَالْعُمَلَاءِ؛ فَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ وَعَدَمُ التَّدْلِيسِ وَالْخِيَانَةِ..

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ -مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كَوْمَةٍ مِنْ طَعَامٍ-، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟!»

قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

قَالَ ﷺ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) .

قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلَّا أَخْبَرَهُ)) ؛ أَيْ: إِلَّا أَخْبَرَ الْمُشْتَرِيَ.

هَذِهِ آدَابُ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ قَوَاعِدُهُ: لَا غِشَّ، وَلَا خِدَاعَ، وَلَا تَدْلِيسَ، وَلَا تَزْيِيفَ.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: عَدَمُ تَرْوِيجِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْحَلِفُ مُنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ)).

وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: ((الْحَلِفُ الْكَاذِبُ..)).

وَمَعْنَى: ((مَنْفَقَةٌ))؛ أَيْ: يَكْثُرُ الْمُشْتَرُونَ وَيَرْغَبُونَ فِي سِلْعَتِهِ بِسَبَبِ حَلِفِهِ، ((مَمْحَقَةٌ)): مِنَ الْمَحْقِ وَهُوَ النَّقْصُ وَالْإِعْطَالُ.

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، قَالَهَا النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا.. مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((الْمُسْبِلُ))؛ وَهُوَ الَّذِي يُطِيلُ ثَوْبَهُ أَسْفَلَ الْكَعْبَيْنِ، وَالْكَعْبُ: الْعَظْمُ النَّاتِئُ فِي جَانِبِ الرِّجْلِ.. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَا سُئِلَ عَنْهُمْ، قَالَ: ((الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)) .

فَهَذَا -كَمَا تَرَى- مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُجَانِبَهَا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ عِنْدَ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَمُعَامَلَتِهِ مَعَ إِخْوَانِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَ غَيْرِهِمْ -أَيْضًا-؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِغَشَّاشٍ بِحَالٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي)).

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ -الَّذِي يَمُنُّ بِالْعَطِيَّةِ يُعْطِيهَا، لَوْ لَمْ يُعْطِ لَكَانَ أَحْسَنَ- وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ))؛ الَّذِي يُرَوِّجُ السِّلْعَةَ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، هَذَا مِنَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَهَؤُلَاءِ خَابُوا وَخَسِرُوا كَمَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

*مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: الْإِكْثَارُ مِنَ الصَّدَقَاتِ.. لِمَاذَا؟!!

لِكَيْ يُطَهِّرَ الْمَالَ مِمَّا قَدْ يَشُوبُهُ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْإِثْمِ؛ فَعَنْ قَيْسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نُسَمِّي السَّمَاسِرَةَ، فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ، قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالْإِثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ؛ فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ)). الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

السِّمْسَارُ أَعْجَمِيٌّ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُعَالِجُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ مِنَ الْعَجَمِ، فَتَلَقَّى الْعَرَبُ هَذَا الْاسْمَ عَنْهُمْ، فَغَيَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى التِّجَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ نُسَمِّي السَّمَاسِرَةَ، فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالْإِثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ؛ فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ)).

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: أَنْ يَفِيَ الْمَدِينُ بِالدَّيْنِ إِذَا حَلَّ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ  الْغَنِيِّ  ظُلْمٌ , فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَع ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

وَهِيَ الْحَوَالَةُ, ((فَإِنَّهُ إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ -أَيْ: عَلَى غَنِيٍّ- فَلْيَتْبَعْ)). الْحَدِيثُ مُتَّفَقُ عَلَيْهِ.

وَالْمَطْلُ: مَنْعُ قَضَاءِ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ.

فَـ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ؛ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ)).

*وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: عَدَمُ تَطْفِيفِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ؛ فَمِنْ كَبائِرِ الإِثْمِ وَعَظَائِمِ الذُّنُوبِ: تَطْفِيفُ المَكَايِيلِ وَالمَوَازِينِ.

وَالتَّطْفِيفُ: البَخْسُ وَالنَّقْصُ؛ فَهُوَ مُطَفِّفٌ، وَالْجَمْعُ: مُطَفِّفُونَ.

وَالْمَكَايِيلُ: جَمْعُ: مِكْيَالٍ، وَهُوَ وِعَاءُ الْكَيْلِ.

وَالْكَيْلُ: تَحْدِيدُ مِقْدَارِ الشَّيءِ بِوَاسِطَةِ آلَةٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ تُسَمَّى الْمِكْيَالَ.

وَالْمَوَازِينُ: جَمْعُ: مِيزَانٍ، وَهُوَ آلَةُ الْوَزْنِ، وَالْوَزْنُ: تَقْدِيرُ الشَّيءِ بِوَاسِطَةِ الْمِيزَانِ.

وَمِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ وُجُودُ هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ وَالْآلَاتِ الَّتِي تُساعِدُهُمْ عَلَى تَحْدِيدِ مَقَادِيرِ الْمَوْزُونَاتِ وَالْمَكِيلَاتِ، فَيَأْخُذُ الشَّخْصُ مَا يَجِبُ لَهُ تَامًّا، وَيُعْطِي مَا لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ أَيْضًا.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7-9].

وَقَالَ ﷺ فِي رِعَايَةِ الْمَوَازِينِ: «إِذَا وَزَنْتُمْ فَأَرْجِحُوا».

وَأَوْضَحُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ تَجْعَلُ التَّلَاعُبَ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ كَبِيرَةً مُوبِقَةً مُهْلِكَةً؛ هِيَ قَوْلُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 1-6].

وَالْوَيْلُ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَتَهَدَّدُ بِهِ الرَّبُّ -جَلَّ وَعَلَا- أُولَئِكَ الَّذِينَ خَانُوا أَمَانَاتِهِمْ، وَبَاعُوا ذِمَمَهُمْ، وَتَعَدَّوْا عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ.

وَقَدْ حَذَّرَ نَبِيُّ اللهِ شُعَيْبٌ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ بَخْسِ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ وَالتَّطْفِيفَ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، كَمَا حَكَى ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ؛ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 84-85].

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ فِي النَّسَبِ وَاللُّغَةِ وَالْمَوْطِنِ شُعَيْبًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، قَالَ: يَا قَوْمِ! وَحِّدُوا اللهَ وَلَا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَكُمْ فِي الْوَاقِعِ وَالْحَقِيقَةِ مِنْ مَعْبُودٍ حَقٍّ يَصِحُّ أَنْ يُعْبَدَ سِوَاهُ.

وَلَا تَكِيلُوا وَتَزِنُوا لِلْغَيْرِ نَاقِصًا وَتَسْتَوفُوا الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ لِأَنْفُسِكُمْ زَائِدًا، إِنِّي أَرَاكُمْ فِي نِعْمَةٍ وَسَعَةٍ تُغْنِيكُمْ عَنِ التَّطْفِيفِ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ يُدْرِكُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِالْعَذَابِ فَيُهْلِكَكُمْ جَمِيعًا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ فِي الْآخِرَةِ بَعْدَ الْبَعْثِ لِلْحِسَابِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ وَتَحْقِيقِ الْجَزَاءِ.

وَيَا قَوْمِ! أَتِّمُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ وَافِيَيْنِ بِالْعَدْلِ، وَلَا تُطَفِّفُوا فِيهِمَا، وَلَا تَنْقُصُوا النَّاسَ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا، وَلَا تَتَمَادَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بِأَعْمَالِكُمُ الْإِجْرَامِيَّةِ الظَّالِمَةِ، وَمَنْعِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُسْافِرِينَ.

إِنَّ هَذَا الدَّاءَ الخَطِيرَ إِنَّمَا يَنْشَأُ عَادَةً مِنْ جَشَعِ النَّفْسِ، وَخَرَابِ الضَّمِيرِ، وَقِلَّةِ الخَشْيَةِ مِنَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يَمُرُّ بِالبَائِعِ فَيَقُولُ: «اتَّقِ اللهَ، وَأَوْفِ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ، فَإِنَّ الْمُطَفِّفِينَ يُوقَفُونَ، حَتَّى إِنَّ الْعَرَقَ لَيُلْجِمُهُمْ إِلَى أَنْصَافِ آذَانِهِمْ».

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- لِأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ: «إِنَّكُمْ قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرًا فِيهِ هَلَكَتِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ قَبْلَكُمْ».

قَالَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ: «وَيْلٌ ثُمَّ وَيْلٌ لِمَنْ يَبِيعُ بِحَبَّةٍ يُنْقِصُهَا جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؛ وَيَشْتَرِي بِحَبَّةٍ يَزِيدُهَا وَادِيًا فِي جَهَنَّمَ يُذِيبُ جِبَالَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «وَلَمْ يُنْقِصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ المَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ».

فَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ الْعَدْلِ فِي الْبَيْعِ وَفِي الشِّرَاءِ وَفِي كُلِّ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يَقْبَلُ الظُّلْمَ, وَقَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ الْعِبَادِ مُحَرَّمًا.

*وَيَنْبَغِي اجْتِنَابُ الْبُيُوعِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْخَبِيثَةِ؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف:  157].

لَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَ الضَّمَائِرِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لَا تُرَاقِبُ رَبَّهَا، وَحَذَّرَ كُلَّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الْخَبِيثَةُ خِدَاعَ النَّاسِ وَأَكْلَ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ مِنَ الْغِشِّ؛ فَقَدْ رَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الغِشِّ، وَرَغَّبَ فِي النَّصِيحَةِ فِي البَيْعِ وَغَيْرِهِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمِنْ آدَابِ السُّوقِ: عَدَمُ التَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ؛ وَمِنْ ذَلِكَ: نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَنْ يَبِيعَ الْإِنْسَانُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ». وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

وَمِنْ صُوَرِ التَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ: الِاحْتِكَارُ الَّذِي يُمَثِّلُ تَلَاعُبًا بِأَقْوَاتِ النَّاسِ، وَيَضُرُّ بِالْبِلَادِ وَالْعِبَادِ؛ فَاحْتِكَارُ السِّلَعِ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ, وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) » .

فَرَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الِاحْتِكَارِ.

وَالِاحْتِكَارُ: هُوَ شِرَاءُ الشَّيْءِ وَحَبْسُهُ لِيَقِلَّ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَيَغْلُوَ سِعْرُهُ، وَيُصِيبَهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الضَّرَرُ.

وَالِاحْتِكَارُ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَنَهَى عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الجَشَعِ، وَالطَّمَعِ، وَسُوءِ الخُلُقِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ.

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مَعْمَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ, وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»، وَالخَاطِئُ: الآثِمُ، وَالمَعْنَى: لا يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا الفِعْلِ الشَّنِيعِ إِلَّا مَنِ اعْتَادَ المَعْصِيَةَ.

إِنَّ الأُمَّةَ تُعَانِي فِي هَذَا الوَقْتِ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الوَبِيلِ الَّذِي حَرَّمَهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، وَنَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْ فَعَلَهُ؛ وَهُوَ الِاحْتِكَارُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ التُّجَّارِ الَّذِينَ يُتَاجِرُونَ فِي السِّلَعِ الغِذَائِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ حَاجَةً مَاسَّةً، يَقُومُونَ بِهَذَا العَمَلِ الشَّنِيعِ، وَيَتَوَفَّرُونَ عَلَى صَنِيعِهِ، مِمَّا يُؤَدِّي بِالأُمَّةِ إِلَى الوُقُوعِ فِي الفَوْضَى، وَالِاضْطِرَابِ فِي النِّظَامِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يُعَجِّلُ بِالوُصُولِ إِلَى غَايَةِ المُؤَامَرَةِ الَّتِي يَأْتَمِرُ بِهَا وَفِيهَا أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ.

فَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ يَدْعُوهُمْ جَشَعُهُمْ، وَعَدَمُ حِرْصِهِمْ عَلَى آخِرَتِهِمْ، إِلَى إِنْفَاذِ هَذَا الْمُخَطَّطِ الْمَلْعُونِ، الَّذِي يُؤَدِّي فِي النِّهَايَةِ إِلَى دُخُولِ الْأُمَّةِ فِي الْمَأْزِقِ الَّذِي لَا مَخْرَجَ لَهَا مِنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ يَصْنَعُونَهُ لِشَيْءٍ مَوْهُومٍ، فَإِنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْفَوْضَى، أَوْ سَقَطَتِ الدَّوْلَةُ، أَوْ ذَهَبَ النِّظَامُ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْأَمْوَالِ لَنْ يَنْتَفِعُوا بِأَمْوَالِهِمْ، وَمَا سَيَكُونَ عِنْدَهُمُ حِينَئِذٍ مِنَ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهَا لَا تُسَاوِي الْوَرَقَ الَّذِي طُبِعَتْ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَقْضِي بِهِ الْعَقْلُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَاقِعُ، وَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الِاحْتِكَارَ يَكُونُ فِي حَالِ الضِّيقِ وَالضَّرُورَةِ، لَا فِي وَقْتِ السَّعَةِ؛ وَفِي الْبَلَدِ الصَّغِيرِ عَادَةً؛ وَمِنْ طَرِيقِ الشِّرَاءِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْبَيْعِ مِمَّا يَضُرُّ بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَبْسِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ -أَيْضًا- عَلَى أَنَّ الِاحتِكَارَ حَرَامٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ فِي الْأَقْوَاتِ، وَالطَّعَامِ؛ طَعَامِ الْإِنْسَانِ، مِثْلِ: الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالذُّرَةِ، وَالْأُرْزِ، وَمَا أَشْبَهَ، وَالتِّينِ، وَالْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَاللَّوْزِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقُومُ بِهِ الْبَدَنُ.

وَكَذِلِكَ يَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي طَعَامِ الْبَهَائِمِ؛ كَتِبْنٍ وَغَيْرِهِ مِنْ عَلَفِ الدَّوَابِّ؛ فَيَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ فِيهَا.

وَيَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ -أَيْضًا- عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ، لَا فِي وَقْتِ السَّعَةِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ الِاحْتِكَارُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، مِنَ الْكَتَّانِ، وَالْقُطْنِ، وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ، أَوْ كُلِّ مَا أَضَرَّ بِالنَّاسِ حَبْسُهُ، قُوتًا كَانَ أَوْ لَا، وَلَوْ ثِيَابًا، أَوْ دَرَاهِمَ.

كَمَا يَصْنَعُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ يُرِيدُونَ الشَّرَّ لِلْأُمَّةِ، وَمِمَّنْ يَتَعَامَلُونَ عَلَى غَفْلَةٍ، وَلَا يَنْظُرُونَ فِي مَآلَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا تَوَفَّرَتْ عُمْلَةٌ صَعْبَةٌ، تَوَفَّرُوا هُمْ عَلَى الِاسْتِحْوَاذِ عَلَيْها وَكَنْزِهَا؛ فَتَظَلُّ الْأَزْمَةُ قَائِمَةً، بَلْ إِنَّهَا تَزْدَادُ عُتُوًّا -وَإِلَى اللهِ الْمشْتَكَى-.

وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ الْجُمْهُورَ خَصُّوا الِاحْتِكَارَ بِالْقُوتَيْنِ: قُوتِ النَّاسِ، وَقُوتِ الْبَهَائِمِ؛ نَظَرًا لِلْحِكْمَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ؛ وَهِيَ: دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ، وَالْأَغْلَبُ فِي ذَلِكَ إِنَّما يَكُونُ فِي الْقُوتَيْنِ. وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ -أَيْ: مَنَعُوا الِاحْتِكَارَ- مُطْلَقًا.

فَلْيَتَّقِ اللهَ أَقْوَامٌ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَآلَاتِ الْأُمُورِ، وَلْيَحْرِصُوا عَلَى أَنْ يُرْضُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ.

وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي دِينِهِمْ، وَفِي إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الدَّوَابِّ؛ فَإِنَّ الِاحْتِكَارَ لِقُوتِ الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- -كَمَا مَرَّ-.

 فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِكَارَ لِقُوتِ الدَّوَابِّ لَا يَجُوزُ، بَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ، فَكَيْفَ بِاحْتِكَارِ أَقْوَاتِ الْبَشَرِ، أَقْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ؟!!

عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ يَفِيئُوا إِلَيْهِ، وَأَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَعَاصِيهِمْ، بِالْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَبَذْلِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ -وَهُوَ عَلَى عَكْسِ مَا يَفْعَلُونَ-: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ثَوْبٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ثَوْبَ لَهُ»، فَمَا زَالَ يُعَدِّدُ مِنْ أَصْنَافِ الفَضْلِ، حَتَّى ظَنَّ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْفَضْلِ؛ يَعْنِي فِي الزِّيَادَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ.

إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ بِهَذَا الْعَمَلِ الشَّنِيعِ: وَهُوَ احْتِكَارُ مُتَطَلَّبَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَحَبْسُهَا حَتَّى يَغْلُوَ سِعْرُهَا وَثَمَنُهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَكَسَّبُوا بِمُسْتَقْبَلِ بَلَدِهِمُ الْمُسْلِمِ، حَتَّى يَنْهَارَ وَحَتَّى تَضْمَحِلَّ قُوَى الْإِسْلَامِ فِيهِ؟!! فَهَذِهِ خِيَانَةٌ عُظْمَى.

 ((عَلَى أَنَّنَا نُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّقَابَةَ عَلَى الْأَسْوَاقِ مِنَ الْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ لِلدَّوْلَةِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَاوُنُ مَعَ كُلِّ الْأَجْهِزَةِ الْمَعْنِيَّةِ لِمَنْعِ كُلِّ جَرَائِمِ الْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ وَاسْتِغْلَالِ الْمُسْتَهْلِكِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الظَّوَاهِرِ السَّلْبِيَّةِ يُسْهِمُ بِقُوَّةٍ فِي تَحْقِيقِ الْأَمْنِ النَّفْسِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ، وَيُسْهِمُ فِي دَفْعِ عَجَلَةِ الِاقْتِصَادِ الْجَادِّ، وَفِي التَّمَيُّزِ وَالْإِتْقَانِ مَحَلِّيًّا وَدَوْلِيًّا، أَمَّا الْغِشُّ فَبَابٌ وَاسِعٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفَسَادِ وَتَدْمِيرِ اقْتِصَادِيَّاتِ الدُّوَلِ.

كَمَا أَنَّنَا نُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ الْإِشْرَافَ عَلَى الْأَسْوَاقِ وَمُرَاقَبَتَهَا أَمَانَةٌ كَبِيرَةٌ وَمَسْئُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي أَيْدِي كُلِّ مَنْ كُلِّفَ بِمَهَمَّةٍ مِنْ مَهَامِّهَا، وَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- سَائِلٌ كُلَّ إِنْسَانٍ عَمَّا كُلِّفَ بِهِ أَحَفِظَ أَوْ ضَيَّعَ!!)) .

فَأُولُو الْأَمْرِ لَهُمْ -كَمَا حَدَّدَ الشَّرْعُ- أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ -وَلَا يُبَالُونَ- مِنْ أَجْلِ إِعَادَةِ الْأَمْرِ إِلَى نِصَابِهِ، مَعَ عَدَمِ ظُلْمِهِمْ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا احْتَكَرُوهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلَوْ عَذَّرَهُمْ وَلِيُّ الْأَمْرِ بِأَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحْتَكَرَاتِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لِيَرُدَّهَا عَلَى الْمُحْتَاجِينَ؛ فَلَعَلَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.

وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالسُّوقِ, وَلَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْتَزَمَ هَذِهِ الْآدَابَ لَآتَاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَضْلًا عَظِيمًا, وَحَبَاهُ خَيْرًا كَثِيرًا؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِي اتِّبَاعِ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ, وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ فَشُؤْمٌ لَا يَتَأَتَّى مِنْ وَرَائِهَا إِلَّا كُلُّ شَرٍّ, نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا التَّوْحِيدَ وَالِاتِّبَاعَ, إِنَّهُ -تَعَالَى- هُوَ الْبَرُّ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.

 ((نَصَائِحُ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ لِتُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ))

((إِنَّ أَمْنَ النَّاسِ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ قَضِيَّةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ تَأْتِي عَلَى رَأْسِ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ الْمَادِّيَّةِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ حَيَاةٍ كَرِيمَةٍ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ آمِنًا عَلَى غِذَائِهِ وَدَوَائِهِ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَضَافَرُ الْجُهُودُ فِي مُوَاجَهَةِ جَمِيعِ ظَوَاهِرِ الْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ، وَلَا سِيَّمَا مَا يَتَّصِلُ بِشُئُونِ الْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ.

عَلَى أَنَّ التَّاجِرَ الْفَاهِمَ لِدِينِهِ يَظْهَرُ أَثَرُ عِبَادَتِهِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِهَا فِي صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ؛ فَـ((رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ)) .

وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُلُوِّ مَنْزِلَةِ التَّاجِرِ الصَّدُوقِ الْأَمِينِ وَرِفْعَةِ دَرَجَتِهِ»؛ فَرَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ التُّجَّارَ فِي الصِّدْقِ، وَرَهَّبَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَمِنَ الْحَلِفِ وَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وَقَالَ الْأَلْبَانيُّ: «صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ».

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا الْبَيِّعَانِ وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى؛ فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! »، فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ».

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَيْسَ قَدْ أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ؟

قَالَ: «بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ فَيَأْثَمُونَ، وَيُحَدِّثُونَ فَيَكْذِبُونَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.

وَعَنْ سَلْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ أُشَيْمِطٌ زَانٍ -وَهُوَ مَنِ ابْيَضَّ شَعْرُ رَأْسِهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي فَاحِشَةِ الزِّنَا-، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ -وَالْعَائِلُ: الْفَقِيرُ-، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ».

رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ»، وَفِي «الصَّغِيرِ» وَ«الْأَوْسَطِ»؛ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِمَا: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ...». فَذَكَرَهُ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِفَلَاةٍ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَتِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ فَأَخَذَهَا وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ، وإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ».

وَفِي رِوَايَةٍ نَحْوُهُ، وَقَالَ: «وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَرْبَعَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ: الْبَيَّاعُ الْحَلَّافُ، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْإِمَامُ الْجَائِرُ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ بِنَحْوِهِ.

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ ثَلَاثَةً وَيُبْغِضُ ثَلَاثَةً...))، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: قُلْتُ: فَمَنِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللهُ؟

قَالَ: «الْمُخْتَالُ الْفَخُورُ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللهِ الْمُنْزَّلِ: {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 81]، وَالْبَخِيلُ الْمَنَّانُ، وَالتَّاجِرُ أَوِ الْبَائِعُ الْحَلَّافُ». أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: مَرَّ أَعْرَابِيٌّ بِشَاةٍ، فَقُلْتُ: تَبِيعُهَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ؟

فَقَالَ: لَا وَاللهِ! ثُمَّ بَاعَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ إِلَيْنَا وَكُنَّا تُجَّارًا، وَكَانَ يَقُولُ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ)) .

حَضَّ النَّبِيُّ ﷺ التُّجَّارَ عَلَى الصِّدْقِ وَعَلَى الْأَمَانَةِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبِيئَةَ وَالزَّمَانَ الَّذِي نَعِيشُ يُمَهِّدَانِ لِمَا يُسَمَّى بِالْغِنَى عَنْ طَرِيقِ أَسَالِيبِ تُجَّارِ الْحُرُوبِ، فَفِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ وَهَذِهِ الْبِيئَةِ وَهَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَغْتَنِي كَثِيرٌ مِمَّنْ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخِيَانَةِ وَالْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ، يَأْخُذُونَ السِّلَعَ ثُمَّ يَحْتَكِرُونَهَا؛ يَعْنِي يُغَيِّبُونَهَا وَلَا يُظِهرُونَهَا، حَتَّى إِذَا شَحَّتْ فِي الْأَسْوَاقِ وَعَلَا ثَمَنُهَا وَغَلَا؛ فَإِنَّهُمْ يُخرِجُونَهَا لِإِحْدَاثِ هَذَا الْغَلَاءِ الَّذِي تَرَوْنَ وَتَسْمَعُونَ وَتُعَانُونَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ».

فَالَّذِي يَحْتَكِرُ السِّلَعَ، وَيُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ يُضَيِّقُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ، وَمَهْمَا جَمَعَ فَإِنَّهُ سَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ فِي الدُّنْيَا؛ مِنْ مَرَضٍ يَمْحَقُ مَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي أَخَذَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْفَقَةً لِلسِّلْعَةِ -يَعْنِي جَالِبًا لِارْتِفَاعِ السِّعْرِ لَهَا- إِلَّا أَنَّهُ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ، فَلَا يَبْقَى عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُبَهْرَجُ بِهِ أَمَامَ الْعَيْنِ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.

عَلَيْنَا أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ فِي دِينِنَا وَفِي بَلَدِنَا؛ فَإِنَّهَا عَلَى شَفَا، ثَبَّتَهَا اللهُ وَحَفِظَهَا وَحَمَاهَا، وَهُوَ الْبَرُّ الْجَوَادُ الرَّحِيمُ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

 

المصدر: ضَوَابِطُ الْأَسْوَاقِ وَآدَابُهَا

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  رَمَضَانُ شَهْرُ عِبَادَةٍ وَعَمَلٍ
  رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ وَقَضِيَّةُ فِلَسْطِينَ قَضِيَّةُ الْأُمَّةِ
  تَكْرِيمُ المَرْأَةِ فِي الإِسْلَامِ وَدَوْرُهَا فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ
  السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَمَكَانَتُهَا فِي التَّشْرِيعِ وَرَدُّ شُبُهَاتِ الطَّاعِنِينَ فِيهَا
  الأسماء والصفات أصل العلم
  مع سيد قطب رحمه الله
  أهداف المجوس في المملكة السعودية
  الإشاعات وهدم المجتمعات
  التَّأَسِّي بِأَخْلَاقِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ﷺ
  الإسلام رحمة في السلم والحرب
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان