نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ

نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ

((نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((إِرْسَالُ النَّبِيِّ ﷺ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ))

فَقَدْ قَالَ اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨].

((يَمْتَنُّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ بِمَا بَعَثَ فِيهِمُ النَّبِيَّ الأَمِينَ الأُمِّيَّ، الَّذِي هُوَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، يَعْرِفُونَ حَالَهُ، وَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الأَخْذِ عَنْهُ، وَلَا يَأْنَفُونَ مِنَ الِانْقِيَادِ لَهُ، وَهُوَ ﷺ فِي غَايَةِ النُّصْحِ لَهُمْ، وَالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِم.

{عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أَيْ: يَشُقُّ عَلَيْهِ الأَمْرُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْكُمْ وَيُعْنِتُكُم.

{حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}: فَيُحِبُّ لَكُمُ الخَيْرَ، وَيَسْعَى جَهْدَهُ فِي إِيصَالِهِ إِلَيْكُمْ، وَيَحْرِصُ عَلَى هِدَايَتِكُمْ إِلَى الإِيمَانِ، وَيَكْرَهُ لَكُمُ الشَّرَّ، وَيَسْعَى جَهْدَهُ فِي تَنْفِيرِكُمْ عَنْهُ.

{بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} أَيْ: شَدِيدُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ، أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْ وَالِدِيهِم، وَلِهَذَا كَانَ حَقُّهُ مُقَدَّمًا عَلَى سَائِرِ حُقُوقِ الخَلْقِ، وَوَاجِبٌ عَلَى الأُمَّةِ الإِيمَانُ بِهِ وَتَعْظِيمُهُ وَتَعْزِيرُهُ)).

قَالَ اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي وَصْفِ نَبِيِّهِ ﷺ وَفِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ عَلَى الأُمَّةِ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: ١٥٩].

وَاللِّينُ هَا هُنَا مَجَازٌ فِي سَعَةِ الخُلُقِ مَعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ وَالمُسْلِمِينَ، وَفِي الصَّفْحِ عَنْ جَفَاءِ المُشْرِكِينَ، وَإِقَالَةِ عَثَرَاتِ المُتَعَثِّرِينَ.

أَرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ مَفْطُورًا عَلَى الرَّحْمَةِ، فَكَانَ لِينُهُ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ فِي تَنْفِيذِ شَرِيعَتِهِ بِدُونِ تَسَاهُلٍ، وَبِرِفْقٍ وَإِعَانَةٍ عَلَى تَحْصِيلِهَا، فَلِذَلِكَ جَعَلَ لِينَهُ مُصَاحِبًا لِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِيهِ؛ إِذْ هُوَ قَدْ بُعِثَ لِلنَّاسِ كَافَّةً، وَلَكِنِ اخْتَارَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ دَعْوَتُهُ بَيْنَ العَرَبِ أَوَّلَ شَيْءٍ لِحِكْمَةٍ أَرَادَهَا اللَّهُ -تَعَالَى- فِي أَنْ يَكُونَ العَرَبُ هُمْ مُبَلِّغَ الشَّرِيعَةِ لِلْعَالَمِ.

وَالعَرَبُ أُمَّةٌ عُرِفَتْ بِالأَنَفَةِ، وَإِبَاءِ الضَّيْمِ، وَسَلَامَةِ الفِطْرَةِ، وَسُرْعَةِ الفَهْمِ، وَهُمُ المَتَلَقُّونَ الأَوَّلُونَ لِلدِّينِ، فَلَمْ تَكُنْ تَلِيقُ بِهِمُ الشِّدَّةُ وَالِغِلْظَةُ، وَلَكِنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى اسْتِنْزَالِ طَائِرِهِمْ فِي تَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ لَهُمْ؛ لِيَتَجَنَّبُوا بِذَلِكَ المُكَابَرَةَ الَّتِي هِيَ الحَائِلُ الوَحِيدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الإِذْعَانِ إِلَى الحَقِّ.

وَوَرَدَ أَنَّ صَفْحَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَفْوَهُ وَرَحْمَتَهُ كَانَ سَبَبًا فِي دُخُولِ كَثِيرٍ فِي الإِسْلَامِ، كَمَا ذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ عِيَاضٌ فِي كِتَابِ ((الشِّفَاءِ)).

وَقَالَ اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- مُبَيِّنًا شُمُولَ الرَّحْمَةِ لِلْعَالَمِينَ بِإِرْسَالِ النَّبِيِّ الأَمِينِ ﷺ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].

فَجَاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِلرَّحْمَةِ بِأُسْلُوبٍ مِنْ أَقْوَى أَسَالِيبِ التَّأْكِيدِ؛ أَلَا وَهُوَ أُسْلُوبُ الحَصْرِ، وَأَدَاتُهُ هُنَا النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَاءُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ عَامَّة.

قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَأَصَحُّ القَوْلَيْنِ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} أَنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَفِيهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ عُمُومَ العَالَمِينَ حَصَلَ لَهُمُ النَّفْعُ بِرِسَالَتِهِ؛ أَمَّا أَتْبَاعُهُ فَنَالُوا بِهَا كَرَامَةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَمَّا أَعْدَاؤُهُ المُحَارِبُونَ لَهُ فَالَّذِينَ عُجِّلَ قَتْلُهُمْ وَمَوْتُهُمْ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ حَيَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُمْ زِيَادَةٌ فِي تَغْلِيظِ العَذَابِ عَلَيْهِمْ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، وَهُمْ قَدْ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ، فَتَعْجِيلُ مَوْتِهِمْ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ طُولِ أَعْمَارِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ، وَأَمَّا المُعَاهِدُونَ لَهُ فَعَاشُوا فِي الدُّنْيَا تَحْتَ ظِلِّهِ وَعَهْدِهِ وَذِمَّتِهِ، وَهُمْ أَقَلُّ شَرًّا بِذَلِكَ العَهْدِ مِنَ المُحَارِبِينَ لَهُ، وَأَمَّا المُنَافِقُونَ فَحَصَلَ لَهُمْ بِإِظْهَارِ الإِيمَانِ بِهِ حَقْنُ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِهم وَاحْتِرَامُهَا، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوَارُثِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا الأُمَمُ النَّائِيَةُ عَنْهُ فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- رَفَعَ بِرِسَالَتِهِ العَذَابَ العَامَّ عَنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَأَصَابَ كُلَّ العَالَمِينَ النَّفْعُ بِرِسَالَتِهِ.

الوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ رَحْمَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ قَبِلُوا هَذِهِ الرَّحْمَةَ فَانْتَفَعُوا بِهَا دُنْيَا وَأُخْرَى، وَأَمَّا الكُفَّارُ فَرَدُّوهَا، فَلَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ رَحْمَةً لَكِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا، كَمَا يُقَالُ: هَذَا دَوَاءٌ لِهَذَا المَرَضِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ المَرِيضُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَنْ يَكُونَ دَوَاءً لِهَذَا المَرَضِ)).

((رَحْمَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

قَالَ اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].

وَقَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨].

وَقَالَ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: ١٥٩].

عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- )) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَن أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا، فَقَالَ: ((ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُم)). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.

وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ)). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ أَنَّ ابْنًا لَهَا قُبِضَ فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: ((إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)).

فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ﷺ، فَقَالَ سَعْدٌ: ((مَا هَذَا؟!)).

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ أَخَذَهُ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، فَجَعَلَتْ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟)).

فَقَالَ: ((يَا ابْنَ عَوْفٍ! إِنَّهَا رَحْمَةٌ، إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ وَإِنَّ القَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِي.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: ((إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا)).

فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ)). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِم.

وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ الهَادِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتَيِ العِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ؟)).

قَالَ: ((كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

((نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَدِينُ الرَّحْمَةِ))

إِنَّ بِعْثَتَهُ ﷺ كَانَتْ رَحْمَةً، وَسِيرَتَهُ رَحْمَةً، وَدِينَهُ رَحْمَةً، وَكَانَتْ مُعَامَلَتُهُ لِأَعْدَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ رَحْمَةً.

قالَ -تَعَالَى-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].

فَالَّذِي أَرْسَلَهُ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ -تَعَالَى- هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ العَظِيمَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ فِي سُورَةِ الفَاتِحَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ -تَعَالَى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: ١]؛ لِيُبَيِّنَ -سُبْحَانَهُ- لِعِبَادِهِ أَنَّ رُبُوبِيَّتَهُ لَهُمْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الرَّحْمَةِ.

وَهُوَ -تَعَالَى- الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، وَهُوَ -تَعَالَى- القَائِلُ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: ١٥٦].

وَالقَائِلُ -سُبْحَانَهُ-: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: ٤٩].

كَمَا أَنَّ الكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ هُدًى وَرَحْمَةً هُوَ تَنْزِيلُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

قالَ -تَعَالَى-: {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [فصلت: ٢-٣].

وَقالَ -تَعَالَى-: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [النمل: ٧٦-٧٧].

وَأُمَّتُهُ ﷺ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، وَأَعْظَمُ أَوْصَافِ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَنَّهُمْ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.

((ثَمَرَاتُ التَّخَلُّقِ بِخُلُقِ الرَّحْمَةِ))

أُمَّتُهُ ﷺ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ..

فَمَا ظَنُّكَ بِمُجْتَمَعٍ مُسْتَقِيمٍ عَلَى هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ، وَهُوَ سَائِرٌ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ الحَالَاتِ؟!

أَيُّ تَرَابُطٍ يَكُونُ بَيْنَ أَفْرَادِهِ؟!

وَأَيُّ سَعَادَةٍ تَغْمُرُ أَبْنَاءَهُ؟!

لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْرِفُ مَا لَهُ مِنَ الحُقُوقِ وَمَا عَلَيْهِ مِنَ الوَاجِبَاتِ، وَمَنْ حَصَلَ مِنْهُ مُخَالَفَةٌ مَدُّوا إِلَيْهِ يَدَ العَوْنِ، وَأَسْدَوْا إِلَيْهِ النَّصِيحَةَ؛ لِيَرْجِعَ إِلَى جَادَّةِ الصَّوَابِ، يُكَمِّلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَرْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

فالأَبَوَانِ يَنْعَمَانِ فِي ظِلِّ هَذِهِ التَّعَالِيمِ الرَّبَّانِيَّةِ بِالبِرِّ وَالإِحْسَانِ وَالرِّعَايَةِ وَالإِكْرَامِ، لَيْسَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ بَلْ طِيلَةَ الحَيَاةِ.

والأَبْنَاءُ يَنْعَمُونَ بِرِعَايَةِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ، وَهُمُ المَسْؤُولُونَ فِي الدَّرَجَةِ الأُولَى عَنْ تَرْبِيَتِهِمْ وَتَوْجِيهِهِمْ وَتَقْوِيمِ أَخْلَاقِهِمْ وَتَأْدِيبِهِمْ.

وَالجِيرَانُ يَنْعَمُونَ بِالإِحْسَانِ المُتَبَادَلِ مِنْ بَذْلِ الخَيْرِ بِكُلِّ صُوَرِهِ وَكَفِّ الأَذَى بِجَمِيعِ أَشْكَالِهِ.

وكُلُّ وَاحِدٍ يَعْرِفُ حُقُوقَ أَقَارِبِهِ مِنْ صِلَةٍ وَإِحْسَانٍ وَتَعَاوُنٍ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى.

والضَّيْفُ يُعَامَلُ بِالإِكْرَامِ وَالإِحْسَانِ وَلَا يَشْعُرُ بِغُرْبَةٍ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ أَهْلِهِ وَبَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ إِخْوَةٍ لَهُ فِي الدِّينِ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ.

والمَظْلُومُ يَجِدُ المُجْتَمَعَ مِنْ حَوْلِهِ خَيْرَ مُعِينٍ لَهُ وَنَصِيرٍ فِي الحَقِّ حَتَّى تُرَدَّ إِلَيْهِ مَظْلِمَتُهُ.

والفَقِيرُ وَالمِسْكِينُ وَاليَتِيمُ وَالأَرْمَلَةُ وَكُلُّ الضُّعَفَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ يَنْعَمُونَ بِعَطْفِ إِخْوَانِهِمْ وَإِحْسَانِهِمْ وَحِمَايَتِهِمْ وَمَدِّ يَدِ العَوْنِ إِلَيْهِمْ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ.

إِنَّ تِلْكَ التَّعَالِيمَ الرَّبَّانِيَّةَ السَّامِيَةَ كَفِيلَةٌ بِتَرَابُطِ الأُسَرِ وَالمُجْتَمَعَاتِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، بِحَيْثُ يَكُونُ المُجْتَمَعُ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الأَعْضَاءِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ.

فَنَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

((رَحْمَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْجَاهِلِ وَتَعْلِيمُهُ))

فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ تَتَبَدَّى رَحْمَتُهُ بِالجَاهِلِ فَيُعَلِّمُهُ وَيَهْدِيهِ إلى الصَّوَابِ وَيُرْشِدُهُ؛ فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ -يَعْنِي: فِي الصَّلَاةِ- فَقُلْتُ: ((يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي القَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ! مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ.

فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي- مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؛ فَوَاللَّهِ! مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، وَإِنَّمَا قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَهْ مَهْ -يَزْجُرُونَهُ-)).

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((لَا تُزْرِمُوهُ -أَيْ: لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ-، فَلْيُتِمَّ مَا بَدَأَ، دَعُوهُ))، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ.

ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: ((إِنَّ المَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا البَوْلِ وَالقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا!)).

فَأَقْبَلَ القَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: ((مَهْ مَهْ!)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((ادْنُ)).

فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ: ((أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟)).

قَالَ: ((لَا وَاللَّهِ! جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ)).

قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ)).

((أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟)).

قَالَ: ((لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ)).

قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ)).

قال: ((أَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟)).

قَالَ: ((لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ)).

قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ)).

((أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟)).

قَالَ: ((لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ)).

قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ)).

((أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟)).

قَالَ: ((لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ)).

قَالَ: ((وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ)).

قَالَ: ((فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ))، فَلَمْ يَكُنِ الفَتَى بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ)). أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ.

((رَحْمَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَيَوَانَاتِ وَأَجْرُهَا))

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: قَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)).

قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لَأَجْرًا؟!)).

قَالَ: ((فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَفِيهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا  -وَفِي رِوَايَةٍ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): سَجَنَتْهَا، حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ)).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ؛ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا -أَيْ: خُفَّهَا- فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ -أَيْ: بِالخُفِّ- فَسَقَتْهُ -أي: فَسَقَتِ الكَلْبَ- فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ -يَعْنِي: المَاءَ الَّذِي صَعِدَتْ بِهِ مِنَ البِئْرِ-، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ)). أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ دِينٍ يَرْحَمُ رَبُّهُ مَنْ رَحِمَتْ كَلْبًا وَهِيَ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ.. كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ دِينٍ يَرْحَمُ مَنْ أَنْزَلَهُ مَنْ كَانَتْ كَذَلِكَ لِرَحْمَتِهَا كَلْبًا.. كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنَّ دِينًا هَذَا شَأْنُهُ يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ لَا يَحُثُّ عَلَى رَحْمَةِ الإِنْسَانِ؟!!

عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ)) أَيْ: مِنْ هَوَامِّهَا.

فَهَذِهِ امْرَأَةٌ يُعَذِّبُهَا اللَّهُ بِالنَّارِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْحَمْ هَذَا الحَيَوَانَ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَرْحَمْ إِنْسَانًا مِنْ بَنِي آدَمَ؟!!

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالإِحْسَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

حَتَّى فِي هَذِهِ الأُمُورِ يَأْمُرُ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ بِالإِحْسَانِ، إِنَّ هَذَا هُوَ دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَرْحَمُ حَتَّى الشَّاةَ، فَيَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ)) قَالَهَا مَرَّتَيْنِ.

عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ فَأَرْحَمُهَا -أَوْ قَالَ: إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا)).

قَالَ: ((وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ))، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي ((الأَدَبِ المُفْرَدِ)).

((مَنْ رَحِمَ وَلَوْ ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)). كمَا أَخْرَجَ البُخَارِيُّ فِي ((الأَدَبِ المُفْرَدِ))، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي ((الكَبِيرِ))، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

((مَنْ رَحِمَ وَلَوْ ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)).

فَهَذَا دِينُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهَذِهِ هِيَ رَحْمَتُهُ ﷺ تَتَبَدَّى فِي كُلِّ شَأْنٍ، فَكَأَنَّمَا كَانَ مَفْطُورًا مِنْهَا مَفْطُورًا عَلَيْهَا ﷺ.

فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ أَنْ يَرْحَمَنَا دُنْيَا وَآخِرَةً.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان