فِقْهُ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَفَضَائِلُ الْمُحَرَّمِ وَعَاشُورَاءَ

فِقْهُ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ  وَفَضَائِلُ الْمُحَرَّمِ وَعَاشُورَاءَ

((فِقْهُ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ

وَفَضَائِلُ الْمُحَرَّمِ وَعَاشُورَاءَ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْهِجْرَةُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ))

((فَلَمَّا فَصَلَتْ عِيرُ السَّفَرِ، وَاسْتَوْطَنَ الْمُسَافِرُ دَارَ الْغُرْبَةِ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَأْلُوفَاتِهِ وَعَوَائِدِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَطَنِ وَلَوَازِمِهِ؛ أَحْدَثَ لَهُ ذَلِكَ نَظَرًا، فَأَجَالَ فِكْرَهُ فِي أَهَمِّ مَا يَقْطَعُ بِهِ مَنَازِلَ السَّفَرِ إِلَى اللهِ، وَيُنْفِقُ فِيهِ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ، فَأَرْشَدَهُ مَنْ بِيَدِهِ الرُّشْدُ إِلَى أَنَّ أَهَمَّ شَيْءٍ يَقْصِدُهُ إِنَّمَا هُوَ الْهِجْرَةُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَا انْفِكَاكَ لِأَحَدٍ عَنْ وُجُوبِهَا، وَهِيَ مَطْلُوبُ اللهِ وَمُرَادُهُ مِنَ الْعِبَادِ)).

((وَلِكُلِّ سَالِكٍ إِلَى اللهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ هِجْرَتَانِ:

* هِجْرَةٌ إِلَى اللهِ؛ بِالطَّلَبِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالْعُبُودِيَّةِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْإِنَابَةِ، وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ، وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَصِدْقِ اللَّجْإ وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ نَفَسٍ.

* وَهِجْرَةٌ إِلَى رَسُولِهِ؛ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُوَافِقَةً لِشَرْعِهِ الَّذِي هُوَ تَفْصِيلُ مَحَابِّ اللهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ، وَكُلُّ عَمَلٍ سِوَاهُ فَعَيْشُ النَّفْسِ وَحَظُّهَا لَا زَادُ الْمَعَادِ)).

((الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ:

* هِجْرَةٌ بِالْجِسْمِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَهَذِهِ أَحْكَامُهَا مَعْلُومَةٌ.

* وَالْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ: الْهِجْرَةُ بِالْقَلْبِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ هُنَا، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ هِيَ الْهِجْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَهِيَ الْأَصْلُ، وَهِجْرَةُ الْجَسَدِ تَابِعَةٌ لَهَا.

وَهِيَ هِجْرَةٌ تَتَضَمَّنُ (مِنْ) وَ (إِلَى)، فَيُهَاجِرُ بِقَلْبِهِ مِنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللهِ إِلَى مَحَبَّتِهِ، وَمِنْ عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ إِلَى عُبُودِيَّتِهِ، وَمِنْ خَوْفِ غَيْرِهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ إِلَى خَوْفِ اللهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَمِنْ دُعَاءِ غَيْرِهِ وَسُؤَالِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالذُّلِّ وَالِاسْتِكَانَةِ لَهُ إِلَى دُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالذُّلِّ لَهُ وَالِاسْتِكَانَةِ لَهُ؛ وَهَذَا بِعَيْنِهِ مَعْنَى الْفِرَارِ إِلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50]، وَالتَّوْحِيدُ الْمَطْلُوبُ مِنَ الْعَبْدِ هُوَ الْفِرَارُ مِنَ اللهِ إِلَيْهِ.

وَتَحْتَ (مِنْ) وَ (إِلَى) فِي هَذَا سِرٌّ عَظِيمٌ مِنْ أَسْرَارِ التَّوْحِيدِ؛ فَإِنَّ الْفِرَارَ إِلَيْهِ -تَعَالَى- يَتَضَمَّنُ إِفْرَادَهُ بِالطَّلَبِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَلَوَازِمِهَا؛ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْخَشْيَةِ، وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ، وَسَائِرِ مَنَازِلِ الْعُبُودِيَّةِ؛ فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ دَعْوَةُ الرُّسُلِ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-.

وَأَمَّا الْفِرَارُ مِنْهُ إِلَيْهِ فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَإِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْكَوْنِ مِنَ الْمَكْرُوهِ وَالْمَحْذُورِ الَّذِي يَفِرُّ مِنْهُ الْعَبْدُ فَإِنَّمَا أَوْجَبَتْهُ مَشِيئَةُ اللهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَوَجَبَ وُجُودُهُ بِمَشِيئَتِهِ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَامْتَنَعَ وُجُودُهُ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ.

فَإِذَا فَرَّ الْعَبْدُ إِلَى اللهِ فَإِنَّمَا يَفِرُّ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ وُجِدَ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقَدَرِهِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فَارٌّ مِنَ اللهِ إِلَيْهِ.

وَمَنْ تَصَوَّرَ هَذَا حَقَّ تَصَوُّرِهِ فَهِمَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ))، وَقَوْلِهِ: ((لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ))؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ يُفَرُّ مِنْهُ وَيُسْتَعَاذُ مِنْهُ وَيُلْتَجَأُ مِنْهُ إِلَّا هُوَ مِنَ اللهِ خَلْقًا وَإِبْدَاعًا.

فَالْفَارُّ وَالْمُسْتَعِيذُ فَارٌّ مِمَّا أَوْجَدَهُ قَدَرُ اللهِ وَمَشِيئَتُهُ وَخَلْقُهُ إِلَى مَا تَقْتَضِيهِ رَحْمَتُهُ وَبِرُّهُ وَلُطْفُهُ وَإِحْسَانُهُ، فَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ هَارِبٌ مِنَ اللهِ إِلَيْهِ، وَمُسْتَعِيذٌ بِاللهِ مِنْهُ.

فَتَأَمَّلْ كَيْفَ عَادَ الْأَمْرُ كُلُّهُ إِلَى الْفِرَارِ مِنَ اللهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)).

وَلِهَذَا يَقْرِنُ اللهُ -سُبْحَانَهُ- بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ لِتَلَازُمِهِمَا وَاقْتِضَاءِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْهِجْرَةَ إِلَى اللهِ تَتَضَمَّنُ: هِجْرَانَ مَا يَكْرَهُهُ، وَإِتْيَانَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَأَصْلُهَا الْحُبُّ وَالْبُغْضُ؛ فَإِنَّ الْمُهَاجِرَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا هَاجَرَ مِنْهُ، فَيُؤْثِرُ أَحَبَّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيْهِ عَلَى الْآخَرِ.

وَإِذَا كَانَ نَفْسُ الْعَبْدِ وَهَوَاهُ وَشَيْطَانُهُ إِنَّمَا يَدْعُونَهُ إِلَى خِلَافِ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَقَدْ بُلِيَ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ، فَلَا يَزَالُونَ يَدْعُونَهُ إِلَى غَيْرِ مَرْضَاةِ رَبِّهِ، وَدَاعِي الْإِيمَانِ يَدْعُوهُ إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّهِ؛ فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى اللهِ، وَلَا يَنْفَكُّ فِي هِجْرَتِهِ وَلَا عَنْهَا إِلَى الْمَمَاتِ.

وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ تَقْوَى وَتَضْعُفُ بِحَسَبِ دَاعِي الْمَحَبَّةِ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ الدَّاعِي أَقْوَى كَانَتْ هَذِهِ الْهِجْرَةُ أَقْوَى وَأَتَمَّ وَأَكْمَلَ، وَإِذَا ضَعُفَ الدَّاعِي ضَعُفَتِ الْهِجْرَةُ، حَتَّى لَا يَكَادَ يَشْعُرُ بِهَا عِلْمًا، وَلَا يَتَحَرَّكُ لَهَا إِرَادَةً.

وَالَّذِي لَا يَنْقَضِي مِنْهُ الْعَجَبُ: أَنَّ الْمَرْءَ يُوَسِّعُ الْكَلَامَ وَيُفَرِّعُ الْمَسَائِلَ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَفِي الْهِجْرَةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ بِالْفَتْحِ، وَهَذِهِ هِجْرَةٌ عَارِضَةٌ، رُبَّمَا لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْعُمُرِ أَصْلًا.

وَأَمَّا هَذِهِ الْهِجْرَةُ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَدَى الْأَنْفَاسِ فَإِنَّهُ لَا يُحَصِّلُ فِيهَا عِلْمًا وَلَا إِرَادَةً، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِلْإِعْرَاضِ عَمَّا خُلِقَ لَهُ، وَالِاشْتِغْاَلِ بمِاَ لَا يُنْجِيهِ وَحْدَهُ عَمَّا لَا يُنْجِيهِ غَيْرُهُ، وَهَذَا حَالُ مَنْ عَشَتْ بَصِيرَتُهُ، وَضَعُفَتْ مَعْرِفَتُهُ بِمَرَاتِبِ الْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ.

وَأَمَّا الْهِجْرَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَعِلْمٌ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ سِوَى اسْمِهِ، وَمَنْهَجٌ لَمْ تَتْرُكْ بُنَيَّاتُ الطَّرِيقِ سِوَى رَسْمِهِ، وَمَحَجَّةٌ سَفَتْ عَلَيْهَا السَّوَافِي فَطَمَسَتْ رُسُومَهَا، وَغَارَتْ عَلَيْهَا الْأَعَادِيُّ فَغَوَّرَتْ مَنَاهِلَهَا وَعُيُونَهَا.

فَسَالِكُهَا غَرِيبٌ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَرِيدٌ بَيْنَ كُلِّ حَيٍّ وَنَادٍ، بَعِيدٌ عَلَى قُرْبِ الْمَكَانِ، وَحِيدٌ عَلَى كَثْرَةِ الْجِيرَانِ، مُسْتَوْحِشٌ مِمَّا بِهِ يَسْتَأْنِسُونَ، مُسْتَأْنِسٌ مِمَّا بِهِ يَسْتَوْحِشُونَ، مُقِيمٌ إِذَا ظَعَنُوا، ظَاعِنٌ إِذَا قَطَنُوا، مُنْفَرِدٌ فِي طَرِيقِ طَلَبِهِ، لَا يَقَرُّ قَرَارُهُ حَتَّى يَظْفَرَ بِأَرَبِهِ، فَهُوَ الْكَائِنُ مَعَهُمْ بِجَسَدِهِ، الْبَائِنُ مِنْهُمْ بِمَقْصِدِهِ، نَامَتْ فِي طَلَبِ الْهُدَى أَعْيُنُهُمْ، وَمَا لَيْلُ مَطِيَّتِهِ بِنَائِمٍ، وَقَعَدُوا عَنِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ فِي طَلَبِهَا مُشَمِّرٌ قَائِمٌ، يَعِيبُونَهُ بِمُخَالَفَةِ آرَائِهِمْ، وَيُزْرُونَ عَلَيْهِ إِزْرَاءَهُ عَلَى جَهَالَاتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، قَدْ رَجَمُوا فِيهِ الظُّنُونَ، وَأَحْدَقُوا فِيهِ الْعُيُونَ، وَتَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52]، {قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 112].

نَحْنُ وَإِيَّاكُمْ نَمُوتُ فَما      =     أَفْلَحَ عِنْدَ الْحِسَابِ مَنْ نَدِمَا

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ، وَطَرِيقُهَا عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَاقِ بَعِيدٌ.

بَعِيدٌ عَلَى كَسْلَانِ أَوْ ذِي مَلَالَةٍ     =     أَمَّا عَلَى الْمُشْتَاقِ فَهُوَ قَرِيبُ

وَلَعَمْرُ اللهِ! مَا هِيَ إِلَّا نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَلَكِنْ أَنْتَ ظَلَامُهُ، وَبَدْرٌ أَضَاءَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَلَكِنْ أَنْتَ غَيْمُهُ وقَتَامُهُ، وَمَنْهَلٌ عَذْبٌ صَافٍ، وَأَنْتَ كَدَرُهُ، وَمُبْتَدَأٌ لِخَيْرٍ عَظِيمٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ عِنْدَكَ خَبَرٌ.

فَاسْمَعِ الْآنَ شَأْنَ هَذِهِ الْهِجْرَةِ وَالدَّلَالَةَ عَلَيْهَا، وَحَاسِبْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ، هَلْ أَنْتَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهَا أَوِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهَا؟

الْهِجْرَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدُّهَا وَتَعْرِيفُهَا: سَفَرُ الْفِكْرِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ، وَنَازِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْقُلُوبِ، وَحَادِثَةٍ مِنْ حَوَادِثِ الْأَحْكَامِ، إِلَى مَعْدِنِ الْهُدَى، وَمَنْبَعِ النُّورِ الْمُتَلَقَّى مِنْ فَمِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ الَّذِي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم: 3-4].

فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ طَلَعَتْ عَلَيْهَا شَمْسُ رِسَالَتِهِ، وَإِلَّا فَاقْذَفْ بِهَا فِي بَحْرِ الظُّلُمَاتِ، وَكُلُّ شَاهِدٍ عَدَّلَهُ هَذَا الْمُزَكِّي، وَإِلَّا فَعُدَّهُ مِنْ أَهْلِ الرَّيْبِ وَالتُّهَمَاتِ.

فَهَذَا حَدُّ الْهِجْرَةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.

فَمَا لِلْمُقِيمِ فِي مَدِينَةِ طَبْعِهِ وَعَوَائِدِهِ، الْقَاطِنِ فِي دَارِ مَرْبَاهُ وَمَوْلِدِهِ، الْقَائِلِ: إِنَّا عَلَى طَرِيقَةِ آبَائِنَا سَالِكُونَ، وَإِنَّا بِحَبْلِهِمْ مُتَمَسِّكُونَ، وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، وَمَا لِهَذِهِ الْهِجْرَةِ الَّتِي عَمِيَتْ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَنَدَ فِي طَرِيقَةِ نَجَاحِهِ وَفَلَاحِهِ إِلَيْهِمْ، مُعْتَذَرًا بِأَنَّ رَأْيَهُمْ خَيْرٌ مِنْ رَأْيِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّ ظُنُونَهُمْ وَآرَاءَهُمْ أَوْثَقُ مِنْ ظَنِّهِ وَحَدْسِهِ، وَلَوْ فَتَّشْتَ عَنْ مَصْدَرِ مَقْصُودِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَوَجَدْتَهَا صَادِرَةً عَنِ الْإِخْلَادِ إِلَى أَرْضِ الْبَطَالَةِ، مُتَوَلِّدَةً بَيْنَ الْكَسَلِ وَزَوْجِهِ الْمَلَالَةِ.

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَهِيَ مُقْتَضَى (شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ )، كَمَا أَنَّ الْهِجْرَةَ الْأُولَى مُقْتَضَى (شَهَادَةِ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ).

وَعَنْ هَاتَيْنِ الْهِجْرَتَيْنِ يُسْأَلُ كُلُّ عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي الْبَرْزَخِ، وَيُطَالَبُ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَدَارِ الْبَرْزَخِ وَدَارِ الْقَرَارِ.

قَالَ قَتَادَةُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((كَلِمَتَانِ يُسْأَلُ عَنْهُمَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ: مَاذَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، وَمَاذَا أَجْبَتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟)).

وَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ فِي ((التَّفْسِيرِ)) مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92-93]، قَالَ: ((يُسْأَلُ الْعِبَادُ كُلُّهُمْ عَنْ خَلَّتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ عَمَّا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَمَاذَا أَجَابُوا الْمُرْسَلِينَ)).

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَجَوَابُ الْأُولَى: بِتَحْقِيقِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مَعْرِفَةً وَإِقْرَارًا وَعَمَلًا، وَجَوَابُ الثَّانِيَةِ: بِتَحْقِيقِ أَنَّ (مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) مَعْرِفَةً وَإِقْرَارًا وَانْقِيَادًا وَطَاعَةً)).

((وَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ يَعْلَمُ أَنَّ سَعَادَتَهُ وَفَلَاحَهُ فِي تَسْلِيمِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَعْلَمُ بِأَنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَبَرُّ بِهِ مِنْهَا، وَأَرْحَمُ بِهِ مِنْهَا، وَأَنْصَحُ لَهُ مِنْهَا، وَأَعْلَمُ بِمَصَالِحِهِ مِنْهَا، وَأَقْدَرُ عَلَى تَخْلِيصِهَا مِنْهَا.

فَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ اسْتَسْلَمَ لَهُ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ، وَانْقَادَتْ لَهُ كُلُّ عِلَّةٍ فِي قَلْبِهِ، وَرَأَى أَلَّا سَعَادَةَ لَهُ إِلَّا بِهَذَا التَّسْلِيمِ وَالِانْقِيَادِ، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَحْصُلُ مَعْنَاهُ بِالْعِبَارَةِ وَالْكَلَامِ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ انْشَقَّ الْقَلْبُ وَاسْتَقَرَّ فِي سُوَيْدَائِهِ، لَا تَفِي الْعِبَارَةُ بِمَعْنَاهُ، وَلَا مَطْمَعَ فِي حُصُولِهِ بِالدَّعْوَى وَالْأَمَانِيِّ، وَكُلٌّ يَدَّعِي وَصْلًا لِلَيْلَى وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَ!

وَفَرْقٌ بَيْنَ عِلْمِ الْحُبِّ، وَحَالِ الْحُبِّ، فَكَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ عَلَى الْعَبْدِ عِلْمُ الشَّيْءِ بِحَالِهِ وَوُجُودِهِ.

وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَرِيضِ وَالْعَارِفِ بِالصِّحَّةِ وَالِاعْتِدَالِ وَهُوَ مُثْخَنٌ بِالْمَرَضِ، وَبَيْنَ الصَّحِيحِ السَّلِيمِ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ وَصْفَ الصِّحَّةِ وَالْعِبَارَةَ عَنْهَا.

وَكَذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ وَصْفِ الْخَوْفِ وَالْعِلْمِ بِهِ، وَبَيْنَ حَالِهِ وَوُجُودِهِ)).

نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَرْزُقَنَا تَمَامَ الْمُتَابَعَةِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ.

((الْهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ غَيَّرَتْ مَجْرَى التَّارِيخِ))

لَقَدْ كَانَتِ الْهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ الْحَدَثَ الْإِسْلَامِيَّ الْكَبِيرَ الَّذِي غَيَّرَ مَجْرَى التَّارِيخِ، وَاللَّبِنَةَ الْأُولَى لِقِيَامِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ.

وَالْمُتَأَمِّلُ فِي حَدَثِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ يَجِدُ الْكَثِيرَ مِنَ الدُّرُوسِ وَالْعِبَرِ الَّتِي تَسْتَفِيدُ مِنْهَا الْأَجْيَالُ الْمُسْلِمَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ -أَيْ: فِي شِدَّةِ الْحَرِّ- قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا)).

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((فِدَاءً لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللهِ! مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ)).

قَالَتْ: ((فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: ((أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ)).

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ)).

قَالَ: ((فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ)).

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ)).

وَالصَّحَابَةُ، يَعْنِي: الصُّحْبَةَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((نَعَمْ)).

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((فَخُذْ -بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ- إِحْدَى رَاحِلَتَيَ هَاتَيْنِ)).

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((بِالثَّمَنِ)).

قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ -أَيْ: أَسْرَعَ الْجِهَازِ-، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ -وَالْجِرَابُ: وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ، وَالنِّطَاقُ: مَا يُشَدُّ بِهِ الْوَسَطُ-، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَسْمَاءُ بِذَاتِ النِّطَاقَيْنِ)).

قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ -أَيْ: حَاذِقٌ-، لَقِنٌ -أَيْ: سَرِيعُ الْفَهْمِ-، فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ.

وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ -أَيْ: شَاةً تَحْلِبُ إِنَاءً بِالْغَدَاةِ وَإِنَاءً بِالْعَشِيِّ-، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ -أَيْ: فِي اللَّبَنِ- وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ.

وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيَلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، كَانَ هَادِيًا خِرِّيتًا -وَالْخِرِّيتُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ-، قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ)).

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ أَنَّ أَبَاهَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنُ جُعْشُمٍ يَقُولُ: ((جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِ بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ! إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ.

قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي الْمَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الْأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ، حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا.

فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الْأَزْلَامَ، فَاسْتَقْسَمْتُ  بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ تُقَرِّبُ بِي -يَعْنِي: الْفَرَسُ-، حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الْأَرْضِ -أَيْ: غَاصَتْ فِيهَا- حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِع فِي السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ.

فَاسْتَقْسَمْتُ بِالْأَزْلَامِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالْأَمَانِ، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهْمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتَ مَا لَقِيتُ مِنَ الْحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالْمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي -لَمْ يَنْقُصَانِي-، وَلَمْ يَسْأَلَانِي، إِلَّا أَنْ قَالَا: أَخْفِ عَنَّا.

فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمَانٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ -وَالْأَدِيمُ: جِلْدٌ مَدْبُوغٌ-، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ)).

الْهِجْرَةُ زَمَانًا وَمَكَانًا كَانَتْ وَحْيًا مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: ((إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ)).

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((الصَّحَابَةُ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ)).

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرٌ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ)).

((مِنْ دُرُوسِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ: الْأُخُوَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ))

مِنْ أَعْظَمِ دُرُوسِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَعِبَرِهَا: حُصُولُ الْأُخُوَّةِ، وَذَوَبَانُ الْعَصَبِيَّاتِ، فَمِنْ أَعْظَمِ حَسَنَاتِ الْهِجْرَةِ مَا قَامَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَعْنَى هَذَا: ذَوَبَانُ عَصَبِيَّاتِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَلَا حَمِيَّةَ إِلَّا لِلْإِسْلَامِ، وَلَا وَلَاءَ إِلَّا لَهُ، فَتَسْقُطُ بِذَلِكَ فَوَارِقُ النَّسَبِ وَاللَّوْنِ وَالْجِنْسِ وَالتُّرَابِ، فَلَا يَتَأَخَّرُ أَحَدٌ وَلَا يَتَقَدَّمُ إِلَّا بِتَقْوَاهُ وَمُرُوءَتِهِ.

وَقَدْ جَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ هَذِهِ الْأُخُوَّةَ عَقْدًا نَافِذًا، لَا لَفْظًا فَارِغًا، وَعَمَلًا يَرْتَبِطُ بِالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، لَا تَحِيَّةً تُثَرْثِرُ بِهَا الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَقُومُ بِهَا أَثَرٌ، وَكَانَتْ عَوَاطِفُ الْإِيثَارِ وَالْمُسَاوَاةِ وَالْمُؤَانَسَةِ تَمْتَزِجُ فِي هَذِهِ الْأُخُوَّةِ، وَتَمْلَأُ الْمُجْتَمَعَ الْجَدِيدَ بِأَرْوَعِ الْأَمْثَالِ.

وَقَدْ حَرَصَ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَفَاوَةِ بِإِخْوَانِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ؛ فَمَا نَزَلَ مُهَاجِرِيٌّ عَلَى أَنْصَارِيٍّ إِلَّا بِقُرْعَةٍ.

وَلَقَدْ قَدَّرَ الْمُهَاجِرُونَ هَذَا الْبَذْلَ الْخَالِصَ الْعَظِيمَ، فَمَا اسْتَغَلُّوهُ، وَمَا نَالُوا مِنْهُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَتَوَجَّهُونَ بِهِ إِلَى الْعَمَلِ الْحُرِّ الشَّرِيفِ.

وَلَا يَخْفَى مَا لِهَذَا الْإِخَاءِ مِنْ دَوْرٍ فِي الْبِنَاءِ وَالرُّقِّي وَالتَّعَاوُنِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الدَّرْسِ أَنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَنَهْجِ الْأَسْلَافِ الْكِرَامِ، وَإِلَّا أَصْبَحَتْ مُفَكَّكَةً مُتَنَافِرَةً مُبْعَثَرَةً، لَا يُهَابُ جَنَابُهَا، وَلَا تُسْمَعُ كَلِمَتُهَا.

((مِنْ دُوُرسِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ:

إِصْلَاحُ الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ))

وَمِنْ دُوُرسِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ: إِصْلَاحُ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ وَالسُّلُوكِ الْمُنْحَرِفِ، وَالتَّرْبِيَةُ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ؛ فَلَقَدْ كَانَ الْعَالَمُ يَتَخَبَّطُ فِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ؛ ظُلْمَةٌ مِنَ الْجَهْلِ، وَظُلْمَةٌ مِنْ دَنَاسَةِ الْأَخْلَاقِ، وَظُلْمَةٌ مِنْ مُنْكَرِ الْأَعْمَالِ، فَبَعَثَ اللهُ رَسُولَهُ الْمُصْطَفَى ﷺ؛ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ هَذِهِ الظُّلُمَاتِ إِلَى نُورٍ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فِي الْحَيَاةِ الْأُولَى، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى السَّعَادَةِ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى، فَلَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِكِتَابٍ عَظِيمٍ، مُصْلِحٍ لِلْأَخْلَاقِ وَالْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ، وَمُنَظِّمٍ لِجَمِيعِ شُؤُونِ الْحَيَاةِ، فَتَدَبَّرَتْهُ فِئَةٌ قَلِيلَةٌ، وَاتَّخَذَتْهُ قَائِدَهَا الْمُطَاعَ، فَكَانَتْ خَيْرَ أُمَّةٍ جَاهَدَتْ فِي اللهِ وَانْتَصَرَتْ، وَغَلَبَتْ فَرَحِمَتْ، وَحَكَمَتْ فَعَدَلَتْ، وَسَاسَتْ فَأَطْلَقَتِ الْعُقُولَ مِنْ عِقَالِهَا، وَفَجَّرَتْ يَنَابِيعَ الْمَعَارِفِ بَعْدَ نُضُوبِهَا.

وَاسْأَلُوا التَّارِيخَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدِ اسْتَوْدَعَتْهُ مِنْ مَآثِرِهَا الْغُرِّ مَا بَصُرَ بِضَوْئِهِ الْأَعْمَى، وَازْدَهَرَ فِي الْأَرْضِ ازْدِهَارَ الْكَوَاكِبِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ؛ فَلَقَدْ جَاهَدَ النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى ﷺ الْجَهْلَ، وَشَرُّ الْجَهْلِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ خَالِقِ الْكَائِنَاتِ وَمُبْدِعِهَا، وَتَرْكُ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ بِشَتَّى الْقُرُبَاتِ، وَجَاهَدَ الْأَخْلَاقَ الرَّذِيلَةَ، فَكَرَّهَ لِلنُّفُوسِ الْجَزَعَ، وَالْجُبْنَ، وَالْبُخْلَ، وَالصَّغَارَ، وَالْكِبْرَ، وَالْقَسْوَةَ، وَالْأَثَرَةَ.

وَعَلَّمَ النُّفُوسَ الصَّبْرَ، فَهَانَ عَلَيْهَا كُلُّ عَسِيرٍ، وَعَلَّمَهَا الشَّجَاعَةَ فَحَقُرَ أَمَامَهَا كُلُّ خَطِيرٍ، وَعَلَّمَهَا الْكَرَمَ فَجَادَتْ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ بِكُلِّ نَفِيسٍ، وَعَلَّمَهَا الْعِزَّةَ فَسَمَتْ إِلَى كُلِّ مَقَامٍ مَجِيدٍ، وَعَلَّمَهَا التَّوَاضُعَ فَتَآلَفَتْ قُلُوبُهَا، وَكَذَا كُلُّ قَلْبٍ سَلِيمٍ، وَعَلَّمَهَا الرَّحْمَةَ، وَالرَّحْمَةُ رِبَاطُ التَّآزُرِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى تَكَالِيفِ الْحَيَاةِ، وَعَلَّمَهَا الْإِيثَارَ، وَالْإِيثَارُ مِنْ أَقْصَى مَا يَبْلُغُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَرَاتِبِ الْجُودِ.

فَهَذَا الدِّينُ أَحْدَثَ تَحَوُّلًا عَامًّا فِي حَيَاةِ الْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ، بِحَيْثُ تَغَيَّرَ سُلُوكُ الْأَفْرَادِ الْيَوْمِيُّ، وَعَادَاتُهُمُ الْمُتَأَصِّلَةُ، كَمَا تَغَيَّرَتْ نَظْرَتُهُمْ إِلَى الْكَوْنِ وَالْحَيَاةِ وَالْحُكْمِ عَلَى الْأَشْيَاءِ.

وَهَذِهِ الْمَعَانِي إِنَّمَا تَجَلَّتْ أَعْظَمَ التَّجَلِّي بَعْدَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ الْمُبَارَكَةِ.

((فِقْهُ الْهِجْرَةِ الْيَوْمَ وَحَاجَةُ الْأُمَّةِ إِلَيْهَا))

وَنَحْنُ الْيَوْمَ مُحْتَاجُونَ مِنْ مَعَانِي الْهِجْرَةِ وَأَهْدَافِهَا وَحِكَمِهَا إِلَى مَا نُصْلِحُ بِهِ مَا فَسَدَ مِنْ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَى أَنْ نَنْخَلِعَ فِي بُيُوتِنَا عَنِ الْآدَابِ الَّتِي تُخَالِفُ الْإِسْلَامَ، وَأَنْ نُعِيدَ إِلَى الْبُيُوتِ الصِّدْقَ وَالصَّرَاحَةَ، وَالنُّبْلَ وَالِاسْتِقَامَةَ، وَالِاعْتِدَالَ وَالتَّوَاضُعَ، وَالْعِزَّةَ، وَالْكَرَمَ، وَالتَّعَاوُنَ عَلَى الْخَيْرِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي السَّامِيَةِ؛ فَالْبَيْتُ الْمُسْلِمُ وَطَنٌ، بَلْ هُوَ دَوْلَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَقَبْلَ أَنْ نَبْدَأَ فِي عِلَاجِ الْأُمَّةِ يَجِبُ أَنْ نَبْدَأَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبُ، فَنَبْدَأُ فِي بُيُوتِنَا فَنُهَاجِرُ.. فَنُهَاجِرُ نَحْنُ وَمَنْ فِيهَا إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَنَنْخَلِعُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يُرْضِيهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

ثُمَّ نَتَحَرَّى فِي مُجْتَمَعَاتِنَا أَنْظِمَةَ الْإِسْلَامِ وَآدَابَهِ، وَنَهْجُرُ كُلَّ مَا خَالَفَهَا مِمَّا اقْتَبَسْنَاهُ مِنْ غَيْرِنَا، وَخَذَلْنَا بِهِ مَقَاصِدَ الْإِسْلَامِ، فَضَيَّعْنَا أَغْرَاضَهُ الْجَوْهَرِيَّةَ.

وَإِذَا أَخَذْنَا بِهَذِهِ التَّرْبِيَةِ، وَتَأَصَّلَتْ فِي أَذْوَاقِنَا وَمُيُولِنَا وَسُلُوكِنَا، وَتَعَوَّدْنَا الْعَمَلَ بِهَا فِي شَتَّى الْمَيَادِينِ؛ لَمْ تَلْبَثْ أَوْطَانُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ.

فَيَكُونُ لِهَذَا الْأُسْلُوبِ مِنَ أَسَالِيبِ الْهِجْرَةِ مِثْلُ الْآثَارِ الَّتِي كَانَتْ لِهِجْرَةِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الْأَوَّلِينَ الْأَبْرَارِ.

قَالَ ﷺ: ((الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ)).

وَقَالَ: ((الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ)).

وَلَمَّا قِيلَ لَهُ: ((مَا أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ؟)).

قَالَ: ((مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ)).

اللهم وَفِّقْنَا لِفْعِلِ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ، وَأَحْسِنْ لَنَا الْخِتَامَ أَجْمَعِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

 

 

((فَضَائِلُ الْمُحَرَّمِ وَعَاشُورَاءَ))

 

 

 

 


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

«بِدَايَةُ التَّأرِيخِ العَرَبيِّ الإِسْلَامِيِّ الهِجْريِّ»

فَلَمْ يَكُنِ التَّارِيخُ مَعْمُولًا بِهِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَاتَّسَعَتْ رُقْعَةُ الْإِسْلَامِ وَاحْتَاجَ النَّاسُ إِلَى التَّأْرِيخِ فِي أُعْطِيَاتِهِمْ وَغَيْرِهَا.

فَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ مِنْ خِلَافَتِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَأْرِيخٌ، فَجَمَعَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فَاسْتَشَارَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخُوا كَمَا تُؤَرِّخُ الْفُرْسُ بِمُلُوكِهَا، كُلَّمَا هَلَكَ مَلِكٌ أَرَّخُوا بِوِلَايَةِ مَنْ بَعْدَهُ، فَكَرِهَ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخُوا بِتَارِيخِ الرُّومِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ أَيْضًا.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخُوا مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ مَبْعَثِهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ هِجْرَتِهِ.

فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((الْهِجْرَةُ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فَأَرِّخُوا بِهَا، فَأَرَّخُوا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ)).

ثُمَّ تَشَاوَرُوا مِنْ أَيِّ شَهْرٍ يَكُونُ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا.

وَاخْتَارَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ شَهْرٌ حَرَامٌ يَلِي شَهْرَ ذِي الْحِجَّةِ الَّذِي يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ فِيهِ حَجَّهُمُ الَّذِي بِهِ تَمَامُ أَرْكَانِ دِينِهِمْ، وَكَانَتْ فِيهِ بَيْعَةُ الْأَنْصَارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْعَزِيمَةُ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْهِجْرِيَّةِ مِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ الْمُحَرَّمِ.

((فَضَائِلُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ))

أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّقُوا اللهَ، وَعَظِّمُوا شَهْرَكُمْ هَذَا -أَعْنِي: شَهْرَ اللهِ الْحَرَامَ الْمُحَرَّمَ-، عَظِّمُوهَ بِطَاعَةِ رَبِّكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ شَرَّفَهُ وَفَضَّلَهُ، وَأَضَافَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اللهِ وَعَظَّمَهُ، فَقَالَ: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

لَقَدْ جَعَلَ اللهُ الزَّمَانَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ وَهِيَ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَشَهْرٌ مُفْرَدٌ وَهُوَ رَجَبٌ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ.

فَهَذِهِ الشُّهُورُ الْأَرْبَعَةُ مُحْتَرَمَاتٌ مُعَظَّمَاتٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، خَصَّهُنَّ اللهُ تَعَالَى بِالنَّهْيِ عَنْ ظُلْمِ النَّفْسِ فِيهِنَّ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36].

فَنَهَانَا رَبُّنَا -تَعَالَى- أَنْ نَظْلِمَ فِيهِنَّ أَنْفُسَنَا، وَالنَّهْيُ عَنْ ظُلْمِ النَّفْسِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ، لَكِنَّ لِهَذِهِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ خُصُوصِيَّةً؛ يَكُونُ ظُلْمُ النَّفْسِ فِيهَا أَشَدَّ، وَلِذَلِكَ نَهَى اللهُ عَنِ الظُّلْمِ فِيهَا بِخُصُوصِهَا، فَاحْتَرِمُوهَا وَعَظِّمُوهَا وَاجْتَنِبُوا فِيهَا ظُلْمَ النَّفْسِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، فَإِنْ سَأَلْتُمْ مَا هُوَ ظُلْمُ النَّفْسِ؟

فَظُلْمُ النَّفْسِ يَكُونُ بِشَيْئَيْنِ؛ إِمَّا تَرْكٌ لِمَا أَوْجَبَ اللهُ، وَإِمَّا فِعْلٌ لِمَا حَرَّمَ اللهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ أَمَانَةٌ عِنْدَكَ، عَلَيْكَ أَنْ تَرْعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، فَتَسْلُكَ بِهَا مَا فِيهِ سَعَادَتُهَا وَصَلَاحُهَا، وَتَتَجَنَّبَ بِهَا مَا فِيهِ شَقَاؤُهَا وَفَسَادُهَا، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 1-10].

فَمِنَ الْأُشْهُرِ الْحُرُمِ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَقَدْ شَرَّفَهُ اللهُ تَعَالَى وَفَضَّلَهُ وَأَضَافَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اللهِ وَعَظَّمَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ في «صَحِيحِهِ» بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ».

وَعَنْ جُنْدُبَ بْنِ سُفْيَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ»، وَصَحَّحَهُ لِغَيْرِهِ الْأَلْبَانِيُّ.

الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ، وَأَنَّ صِيَامَهُ يَلِي فَضْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ.

وَفَضْلُ الصِّيَامِ فِيهِ جَاءَ مِنْ فَضْلِ أَوْقَاتِهِ، وَتَعْظِيمِ الْأَجْرِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

* وَشَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ هُوَ الشَّهْرُ الَّذِي تَبْدَأُ بِهِ السَّنَةُ الْهِجْرِيَّةُ، كَمَا تَمَّ الِاتِّفَاقُ عَلَى ذَلِكَ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

* وَالْمُحَرَّمُ أَحَدُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ -تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36].

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرٍ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَهَذَا تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ لِمَا ذَكَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُجْمَلًا فِي قَوْلِهِ: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}، مَا هُنَّ؟

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرٍ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ)).

* لَقَدْ أَضَافَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- هَذَا الشَّهْرَ إِلَيْهِ؛ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا: شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، هَذِهِ الْإِضَافَةُ -إِضَافَةُ اللهِ -تَعَالَى- هَذَا الشَّهْرَ إِلَيْهِ -سُبْحَانَهُ- عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ وَالتَّعْظِيمِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُضِيفُ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ -سُبْحَانَهُ- إِلَّا خَوَاصَّهَا، كَبَيْتِ اللهِ، وَرَسُولِ اللهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَسُمِّيَ (مُحَرَّمًا)؛ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَتَقَلَّبُ فِيهِ؛ فَتُحِلُّهُ عَامًا وَتُحَرِّمُهُ عَامًا.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أَيْ: فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْمُحَرَّمَةِ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ وَأَبْلَغُ فِي الْإِثْمِ مِنْ غَيْرِهَا.

قَالَ قَتَادَةُ: ((إِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ)).

وَقَدْ جَعَلَ اللهُ هَذِهِ الشُّهُورَ الْهِلَالِيَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ؛ لِأَنَّهَا عَلَامَاتٌ مَحْسُوسَةٌ يَعْرِفُ كُلُّ أَحَدٍ بِدَايَتَهَا وَنِهَايَتَهَا.

وَمِمَّا يُؤْسَفُ عَلَيْهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَرَكُوا التَّارِيخَ الْهِجْرِيَّ، وَأَخَذُوا بِتَارِيخِ النَّصَارَى الْمِيلَادِيِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى أَشْهُرٍ وَهْمِيَّة غَيْرِ مَبْنِيَّةٍ عَلَى مَشْرُوعٍ وَلَا مَعْقُولٍ وَلَا مَحْسُوسٍ، وَهَذَا دَلِيلُ الضَّعْفِ وَالِانْهِزَامِيَّةِ وَالتَّبَعِيَّةِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.

وَمِنْ مَفَاسِدِ اسْتِعْمَالِ التَّارِيخِ الْمِيلَادِيِّ: رَبْطُ الْمُسْلِمِينَ وَنَاشِئَتِهِمْ بِتَارِيخِ النَّصَارَى، وَإِبْعَادِهِمْ عَنْ تَارِيخِهِمُ الْهِجْرِيِّ الَّذِي ارْتَبَطَ بِرَسُولِهِمْ ﷺ، وَبِشَعَائِرِ دِينِهِمْ، وَبِعِبَادَاتِهِمْ، فَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ مِنَ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمُ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ شَهْرٍ يُتَطَوَّعُ بِصِيَامِهِ بَعْدَ رَمَضَانَ، أَمَّا التَّطَوُّعُ بِصِيَامِ بَعْضِ الْأَيَّامِ مِنْهُ فَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَيَّامِ أَفْضَلَ مِنْ أَيَّامِهِ، كَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ.

فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ: فَضْلُ صِيَامِ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ كَامِلًا، حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْإِكْثَارِ مِنَ الصِّيَامِ فِي شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ، لَا عَلَى صَوْمِهِ كُلِّهِ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَالْحَدِيثُ -إِذَنْ- فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضْلِ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ.

((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ)).

«فَضْلُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ»

لَقَدْ رَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، رَغَّبَ فِي صِيَامِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ».

وَلَفْظُهُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ».

وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ», مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ».

وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ غُفِرَ لَهُ سَنَةٌ أَمَامَهُ وَسَنَةٌ خَلْفَهُ، وَمَنْ صَامَ عَاشُورَاءَ غُفِرَ لَهُ سَنَةٌ».

فَهَذَا كُلُّهُ قَدْ وَرَدَ صَحِيحًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنَ الْعَامِ الَّذِي مَضَى، فَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُكَفِّرُ عَنْهُ ذُنُوبَ سَنَةٍ خَلَتْ وَذُنُوبَ سَنَةٍ يَسْتَقْبِلُهَا.

فَإِذَا كَانَ فِي السَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَصَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَصَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فِإنَّ التَّكْفِيرَ يَقَعُ عَلَى تِلْكَ السَّنَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فِحِينَئِذٍ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- قَدْ غَفَرَ لَهُ الذُّنُوبَ جَمِيعَهَا أَمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا؟

الْجَوَابُ:

فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لَا مَحَالَةَ؛ فَإِنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي تُغْفَرُ وَتُكَفَّرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنَ الصِّيَامِ وَغَيْرِهِ إِنَّمَا هِيَ الَّتِي تَقْبَلُ التَّكْفِيرَ كَاللَّمَمِ وَكَالصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ، وَدُونَ حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِنَّ الْكَبَائِرَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَوْبَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.

وَكَذَلِكَ حُقُوقُ الْعِبَادِ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ مِنَ الظُّلْمِ فِيهَا أَنْ تُرَدَّ إِلَى أَصْحَابِهَا، فَمَهْمَا قَالَ الْمَرْءُ أَنَّهُ تَائِبٌ وَلَمْ يَرُدَّ الْحَقَّ إِلَى صَاحِبِهِ؛ مَا صَحَّتْ لَهُ تَوْبَةٌ وَلَا تَصِحُّ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ إِلَى صَاحِبِهِ.

وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ عَلَيْهِ أَلَّا يَتَوَرَّطَ فِي الظُّلْمِ وَأَلَّا يَظْلِمَ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ بِتَرْكِ وَاجِبٍ كَمَا أَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ خَاصَّةً: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة:36].

وَكَذَلِكَ نَهَى اللهُ عَنِ الظُّلْمِ عَامَّةً، وَأَمْرٌ حَرَّمَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى نَفْسِهِ؛ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يُبِيحُهُ لِغَيْرِهِ؟

يَقُولُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ الصَّحِيحِ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»، وَفِي رِوَايَةٍ بِالتَّشْدِيدِ: «فَلَا تَظَّالَمُوا».

فَحَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ الْعِبَادِ مُحَرَّمًا، فَمَهْمَا تَوَرَّطَ الْعَبْدُ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ يَظْلِمُ فِيهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَلْ أَحَدًا مِنَ الخَلْقِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْقَصَاصِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ.

فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي صِيَامِ هَذِهِ الْأَيَّامِ الَّتِي نَدَبَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى صِيَامِهَا، كَهَذَا الْيَوْمِ الَّذِي يَعْرِضُ لَنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَهُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ.

هَذَا الْيَوْمُ الْعَظِيمُ يُكَفِّرُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِصِيَامِهِ ذُنُوبَ سَنَةٍ مَضَتْ، هَذَا إِذَا وَقَعَ هَذَا الصِّيَامُ عَلَى النَّحْوِ الْمَرْضِيِّ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَالرَّسُولُ ﷺ أَخْبَرَ إِنَّه: «كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لهُ مِن صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ»، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ إِذَا أَصْبَحَ الْمَرْءُ صَائِمًا فَعَلَيْهِ أَلَّا يَصْخَبَ وَأَلَّا يَرْفُثَ وَأَلَّا يَقُولَ الْكَلِمَةَ الْعَوْرَاءَ، بَلْ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ كَمَا هُوَ صَائِمٌ عَمَّا أَحَلَّ اللهُ، فَإِنَّ الَّذِي قَدْ كَفَّ عَنْهُ فِي يَوْمِ الصِّيَامِ هُوَ مِمَّا أَحَلَّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ، أَفَيَكُفُّ عَمَّا أَحَلَّ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَهُ وَهُوَ رَاتِعٌ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ؟!! فَهَذَا لَا يُعْقَلُ!!

فَالْتَفِتْ إِلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا يُكَفِّرُ صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَكَذَلِكَ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ -وَاللهُ يَرْعَاكَ-.

رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»، فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ ﷺ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ وَهَمَّ بِصَوْمِ التَّاسِعِ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ ﷺ».

فَهُمَا مَرْتَبَتَانِ:

الْأُولَى: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى صِيَامِ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَصُومَ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ.

وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ أَفْضَلُ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِنْهُمُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- صِيَامَ الْيَوْمِ الْحَادِيَ عَشَرَ مَعَ التَّاسِعِ وَالعَاشِرِ.

((مُنَاسَبَةُ صِيَامِ عَاشُورَاءَ))

فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ نَجَّى اللهُ مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ، فَإِنَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- دَعَا فِرْعَونَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، فَاسْتَكْبَرَ وَأَبَى وَقَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى.

ثُمَّ اسْتَطَالَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْأَذَى، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى يَسِيرُ بِأَمْرِ اللهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ وَوَجَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَادَرُوا بِلَادَهُ، اغْتَاظَ لِذَلِكَ، فَحَشَرَ جُمُوعَهُ وَأَجْنَادَهُ، فَخَرَجَ بِهِمْ مِنَ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ وَالْكُنُوزِ وَالْمَقَامِ الْكَرِيمِ يُرِيدُ مُوسَى وَقَوْمَهُ، لِيَسْتَأْصِلَهُمْ وَيُبِيدَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ أَمَامَهُمْ وَفِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ وَرَاءَهُم؛ فَأَجَابَهُمْ مُوسَى إِجَابَةَ ذِي الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].

فَلَمَّا وَصَلُوا الْبَحْرَ وَهُوَ الْبَحْرُ الْأَحْمَرُ أَمَرَ اللهُ نَبيَّهُ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: 63]، فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ فَكَانَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا بِعَدَدِ الْأَسْبَاطِ، فَصَارَ الْمَاءُ بَيْنَ الطُّرُقِ كَالْجِبَالِ، وَصَارَ الطَّرِيقُ يَبَسًا، فَسَلَكَهُ مُوسَى وَقَوْمُهُ لَا يَخَافُ دَرَكًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَلَا يَخْشَى غَرَقًا.

فَلَمَّا تَكَامَلَ مُوسَى وَقَوْمُهُ خَارِجِينَ، إِذَا بِفِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ قَدْ دَخَلُوا أَجْمَعِينَ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى الْبَحْرِ فَانْطَبَقَ فَصَارَتْ أَجْسَادُهُمْ لِلْغَرَقِ وَأَرْوَاحُهُمْ لِلنَّارِ وَالْحَرَقِ.

فَانْظُرُوا كَيْفَ نَصَرَ اللهُ مَنْ نَصَرَهُ وَاتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ النَّصْرُ مِنْ كَثْرَتِهِم وَلَا كَانَ هَذَا النَّصْرُ يَدُورُ لَهُمْ فِي خِيَالٍ، وَلَا يَخْطُرُ لَهُمْ عَلَى بَالٍ، وَلَكِنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَ وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47].

فَهَذِهِ هِيَ الْمُنَاسَبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ»، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَفِي آخِرِ حَيَاتِهِ قَالَ: «لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ -إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ- لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»، فَمَاتَ ﷺ.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ حَرِيصًا عَلَى مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ، فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْمَدِينَةَ وَافَقَهُمْ فِي صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَلَكِنْ أَرَادَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ أَنْ يُخَالِفَهُمْ بِصِيَامِ الْيَوْمِ التَّاسِعِ مَعَ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ.

النَّبِيُّ ﷺ فِي آخِرِ عُمُرِهِ عَزَمَ أَلَّا يَصُومَهُ وَحْدَهُ بَلْ يَضُمَّ إِلَيْهِ الْيَوْمَ التَّاسِعَ -كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومنَّ التَّاسِعَ»؛ يَعْنِي: مَعَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ.

«بِدَعٌ وَمُخَالَفَاتٌ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ»

مِنَ الْبِدَعِ فِي هَذَا الْيَوْمِ: دُعَاءُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ هُوَ دُعَاءٌ مُخْتَرَعٌ مَصْنُوعٌ.

وَهَذِهِ الْخُزَعْبَلَاتُ الَّتِي يَأَتِي بِهَا مَنْ يَأْتِي مِنْ أَمْثَالِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدُورُونَ فِي الشَّوَارِعِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَحْلِبُوا أَمْوَالَ الْبُلَهَاءِ وَالسُّذَّجِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يُؤْتُوهُمْ مَا يُؤْتُونَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْخُزَعْبَلَاتِ وَالْخُرَافَاتِ وَالْبِدَعِ، كُلُّ هَذَا لَيْسَ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَمَا وَرَدَ مِنَ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ, وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ عَامَّةَ سَنَتِهِ -يَعْنِي: بَقيَّةَ سَنَتِهِ-؛ فَهَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ, بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ عَليْهِ ﷺ.

فَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ هُوَ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

وَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي فَضْلِ الِاكْتِحَالِ فِيهِ وَالِاخْتِضَابِ وَالِاغْتِسَالِ فَمَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَأَمَّا اتِّخَاذُهُ مَأْتَمًا كَمَا يَفْعَلُ حَمِيرُ الْيَهُودِ مِنَ الرَّوَافِضِ لِأَجْلِ مَقْتَلِ الحُسَيْنِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ فَهَذَا الَّذِي يَفْعَلُونَهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؛ مِنْ عَمَلِ مَنْ ضَلَّ سَعْيُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.

وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمْ يَأمُرْ بِذَلِك وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ نَبيُّهُ ﷺ، وَلَمْ يَأْمُرْ رَبُّنَا وَلَمْ يَأْمُرْ نَبِيُّنَا ﷺ بِاتِّخَاذِ أَيَّامِ مَصَائِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا أَيَّامِ مَوْتِهِمْ مَأْتَمًا، فَكيفَ بِمَنْ دُونَ الأنبيَاءِ والمُرْسَلِينَ، فَالدِّينُ مِنْ هَذَا الذي يَصْنَعُونَهُ بَرِيءٌ.

وَهَذَا الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ؛ جَعَلُوا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ضُحَكَةَ الْأُمَمِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْتُونَ بِهِ يَتَنَافَى مَعَ الْمُرُوءَةِ، وَيَتَنَافَى قَبْلَ ذَلِكَ مَعَ الشَّرْعِ وَالدِّينِ، وَلَكِنَّهُ فِي ظَاهِرِهِ يَتَنَافَى مَعَ الْمُرُوءَةِ، بَلْ يَتَنَافَى مَعَ الْعَقْلِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَجْعَلُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ضُحَكَةً عِنْدَ أَصْحَابِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ.

وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَحْسَبُ أَنَّ أُولَئِكَ الرَّوَافِضَ مِنَ الْمَعْدُودِينَ عَلَى أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ؛ بِقَالَ اللهُ.. قَالَ رَسُولُهُ.. قَالَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.

فَعَليْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ فِي صِيَامِهِ، وَعَليْنَا أَنْ نَخْرُجَ عَنِ الابْتِدَاعِ فِيهِ.

النَّاسُ فِي عَاشُورَاءَ أَضَلَّ الشَّيْطَانُ قِسْمَيْنِ كَبِيرَيْنِ مِنْهُمْ، وَعَصَمَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَهْلَ السُّنَّةِ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا يُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.

فَقِسْمٌ مِنَ النَّاسِ يَنُوحُونَ وَيُحْيُونَ النَّوْحَ وَالْبُكَاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ -وَهُمْ أُولَئِكَ الرَّوَافِضُ-، يَأْتُونَ بِمَا لَا يَأْتِ بِهِ عَاقِلٌ، فَيَخْرُجُونَ وَقَدْ عَرَّوُا الصُّدُورَ.

وَأَمَّا النِّسَاءُ فَقَدْ نَشَرْنَ الشُّعُورَ يَلْطِمْنَ وَيَضْرِبْنَ الصُّدُورَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ فَإِنَّهُمْ يَخْرُجُونَ وَقَدْ عَرُّوا صُدُورَهُمْ، وَيَأْتُونَ بِالسَّلَاسِلِ -وَقَدْ جَعَلُوا فِي أَطْرَافِهَا الشَّفْرَاتِ الدِّقَاقَ-، وَيَضْرِبُونَ بِتِلْكَ السَّلَاسِلِ صُدُورَهُمْ وَظُهُورَهُمْ.

وَبَعْضُهُمْ يَأْتِي بِسُيُوفٍ وَخَنَاجِرَ وَيَجْرَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ وَرُؤُوسَهُمْ وَيُسِيلُونَ الدِّمَاءَ، وَيُحْيُونَ النَّوْحَ وَالْبُكَاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ النِّيَاحَةَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذُّنُوبِ الَّتِي يُبَارَزُ بِهَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ النِّيَاحَةَ، يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أَوْ لَا يَعْلَمُونَهُ!

وَمِنْ أَكْبَرِ الذُّنُوبِ الَّتِي يُبَارَزُ بِهَا اللَّهُ هُوَ إِحْيَاءُ النِّيَاحَةِ وَالْبُكَاءِ عَلَى الْمَصَائِبِ الَّتِي مَضَتْ، فَيُحْيُونَ ذَلِكَ كَفِعْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَذَلُوهُ بَدْءًا، وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوهُ سَابِقًا، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ إِمَامُ ضَلَالَتِهِمُ الْخُمَيْنِيُّ: إِنَّهُ مَا حَفَظَ الْإِسْلَامَ مِثْلُ الْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ عَلَى سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- -كَمَا يَقُولُ!- وَمَا يَحْدُثُ فِي الْحُسَيْنِيَّاتِ. وَكَذَبَ!!

بَلْ إِنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ مَعَاوِلِ الْهَدْمِ لِدِينِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَا أُتِيَ الْإِسْلَامُ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يُوَالُونَ كُلَّ عَدُوٍّ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَلِدِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَمَا كَانُوا فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ مِنْ حَمَلَةِ الْجِهَادِ وَالسَّيْفِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا تَسَلُّطُهُمْ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ.

يُوَالُونَ الْيَهُودَ، وَيُوَالُونَ كُلَّ بَاغٍ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى أَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى كُلِّ سُنِّيٍّ، وَحِقْدُهُمْ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ مَعْلُومٌ مَعْلُومٌ.

فَهَذَا قِسْمٌ مِنَ النَّاسِ يُحْيُونَ النِّيَاحَةَ كَفِعْلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ -بَلْ أَشَدُّ-، وَيُشْمِتُونَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ كُلَّ أَعْدَائِهِ بِمَا يَصْنَعُونَ مِمَّا يَتَرَفَّعُ عَنْهُ كُلُّ صَاحِبِ عَقْلٍ مِنْ كُلِّ مِلَّةٍ كَانَتْ وَتَكُونُ، وَلَكِنْ كَذَلِكَ يَصْنَعُونَ!

فَيَتَّخِذُونَ هَذَا الْيَوْمَ مَنَاحَةً، وَيَتَّخِذُونَهُ عِيدًا لِلْحُزْنِ، فَيَفْعَلُونَ فِيهِ مَا يَفْعَلُونَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ.

وَالرَّوَافِضُ لَمْ يَأْتِ إِلَى آلِ الْبَيْتِ شَيْءٌ يَضُرُّ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمْ، وَمَا أُصِيبَ آلُ الْبَيْتِ إِلَّا بِسَبَبِهِمْ.

وَآلُ الْبَيْتِ؛ هَؤُلَاءِ الشِّيعَةُ أَسْلَمُوهُمْ مَرَّةً وَمَرَّةً وَمَرَّةً، هُمُ الَّذِينَ خَذَلُوا الْحَسَنَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَهُمُ الَّذِينَ خَذَلُوا حُسَيْنًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَهُمُ الَّذِينَ خَذَلُوا زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَهُمُ الَّذِينَ رَفَضُوهُ؛ وَبِهَا سُمُّوا «رَوَافِضَ».

هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضُ أَخْبَثُ النَّاسِ نِحْلَةً، وَأَعْظَمُ النَّاسِ مَكْرًا، وَأَجْبَنُ النَّاسِ نَفْسًا.

هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضُ أَضَرُّ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْأُلُوهِيَّةَ فِي عَلِيٍّ -بَعْضُهُمْ-.

هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْعِصْمَةَ فِي الْأَئِمَّةِ.

هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضُ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ.

يَقُولُ الشَّعْبِيُّ عَنْهُمْ: «هُمْ أَحْمَقُ النَّاسِ، وَلَمْ أَرَ قَوْمًا أَحْمَقَ مِنَ الرَّوَافِضِ قَطُّ، لَوْ كَانُوا مِنَ الدَّوَابِّ لَكَانُوا حُمُرًا، وَلَوْ كَانُوا مِنَ الطَّيْرِ لَكَانُوا رَخَمًا».

هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضُ هُمْ أَحْمَقُ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْتُونَ بِأَسَاطِيرَ وَبِأُمُورٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُصَدَّقَ.

هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَذَلُوا حُسَيْنًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَتَّى قُتِلَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ اللَّهِ الْحَرَامِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُحَرَّمُ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِـ (كَرْبِلَاءَ).

أَسْلَمُوهُ بَعْدَمَا اسْتَقْدَمُوهُ فَاسْتَفَزُّوهُ حَتَّى أَخْرَجُوهُ ثُمَّ انْفَضُّوا عَنْهُ؛ فَكَانُوا هَبَاءً كَمَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-، فَصَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

هَؤُلَاءِ الرَّوَافِضُ يُحْيُونَ النُّوَاحَ عَلَيْهِ.

وَطَائِفَةٌ تَبِعُوا قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ مِنَ النَّوَاصِبِ مِنْ مُبْغِضِي آلِ الْبَيْتِ يَتَّخِذُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ فَرَحٍ وَيَوْمَ عِيدٍ وَيَوْمَ سُرُورٍ، فَيُوَسِّعُونَ فِيهِ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَيَضَعُونَ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ مَكْذُوبَةٌ عَلَى خَيْرِ الْعِبَادِ ﷺ.

وَيَدَّعُونَ كَاذِبِينَ أَنَّ مَنْ وَسَّعَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَعَلى أَهْلِ بَيْتِهِ وَسَّعَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ عَامَّةَ سَنَتِهِ، وَهَذَا كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

وَيَدَّعُونَ أَنَّ مَنْ تَكَحَّلَ بِالْإِثْمِدِ فِيهِ لَمْ يَرْمَدْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْخُرَافَاتِ الَّتِي وَضَعُوهَا مِنْ أَجْلِ حَضِّ النَّاسِ عَلَى إِظْهَارِ الْفَرَحِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ.

وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يَعْلَمُونَ مَنْشَأَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْفَرَحِ وَإِظْهَارِ الْفَرَحِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْعِيَالِ؛ هَذَا مِنْ فِعْلِ النَّوَاصِبِ مِنْ مُبْغِضِي آلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْفَرَحَ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ -رَضِيَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ وَعَنْ آلِ الْبَيْتِ أَجْمَعِينَ-.

لَقَدْ هَدَى اللهُ أَهْلَ السُّنَّةِ لِلْحَقِّ.. لِلْوَسَطِ فِي هَذَا الْأَمْرِ.

أَهْلُ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَسَطٌ بَيْنَ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الْمَنَاحَةَ, يُحْيُونَ أُمُورَ الْجَاهِلِيَّةِ, وَيَفْعَلُونَ مَا يَنْدَى لَهُ جَبِينُ كُلِّ مُسْلِمٍ يَنْتَمِي مُنْتَسِبًا إِلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَنْدَى جَبِينُهُ مِمَّا يَفْعَلُونَهُ خِزْيًا مِنْ هَذَا الَّذِي يَأْتُونَهُ, وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى الْقِبْلَةِ, وَمَحْسُوبُونَ عَلَى الْمِلَّةِ, وَلَكِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ!!

وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ النَّواصِبِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْفَرَحَ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ, وَيَتَّخِذُونَهُ عِيدًا يُوَسِّعُونَ فِيهِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ, وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ , وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي فِعْلِ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ-، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ, أَحَدَثَهُ الْعُبَيْدِيُّونَ بِمِصْرَ وَأَظْهَرُوا مَا أَظْهَرُوا مِنْ أَمْرِ النِّيَاحَةِ, فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ ظُهُورٍ لِأَمْرِ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَلَأِ -أَمْرًا عَامًّا- فِي أَيَّامِ الْعُبَيْدِيِّينَ الَّذِينَ انْتَسَبُوا -زُورًا وَإِفْكًا وَطُغْيَانًا- لِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ, وَهِيَ بَرِيئَةٌ مِنْهُمْ بَرَاءَةً كَامِلَةً، وَإِنَّمَا جَدُّهُمُ الَّذِي إِلَيْهِ يَنْتَسِبُونَ هُوَ ذَلِكَ الْقَدَّاحُ الْيَهُودِيُّ.

وَأَهْلُ السُّنَّةِ أَوْلَى النَّاسِ بِآلِ النَّبِيِّ ﷺ يُحِبُونَهُمْ وَيُقدِّمُونَهُمْ وَيُوالُونَهُمْ وَيَحْتَرِمُونَ آلَ الْبَيْتِ.

عِبَادَ اللهِ! أَهْلُ السُّنَّةِ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ مِنْ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ يَوْمٌ صَالِحٌ، وَقَدْ نَجَّى اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ؛ فَصَامَهُ مُوسَى؛ شُكْرًا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَالنَّبِيُّ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، فَصَامَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَرَغَّبَ فِي صِيَامِ التَّاسِعِ لِكَيْ يُخَالِفَ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي صِيَامِهِمْ لِهَذَا الْيَوْمِ، وَلَكِنَّهُ ﷺ قُبِضَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَلَكِنْ قَالَ مَا قَالَ، وَصَارَتْ سُنَّةً مَسْنُونَةً.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا مَوَاطِنَ الزَّلَلِ وَالْخَلَلِ وَالْخَطَلِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْأَجْلَادِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَلْقَوا رَبَّهُمْ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ نَبِيِّنَا ﷺ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: 

فِقْهُ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ

وَفَضَائِلُ الْمُحَرَّمِ وَعَاشُورَاءَ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان