((الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((كُلُّ مُسْلِمٍ دَاعٍ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ))
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا طَلَبَ الْعِلْمَ وَمَارَسَ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ بَدْءًا إِلَى تَحْقِيقِ النِّيَّةِ، وَيَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى اسْتِصْحَابِهَا.
قَدْ يَدْخُلُ الْمَرْءُ طَلَبَ الْعِلْمِ، وَقَدْ يَدْخُلُ الْقِيَامَ بِالدَّعْوَةِ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ كُلَّ حِينٍ إِلَى تَجْدِيدِهَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي غَمْرَةِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ أَشْغَالِهِ طَلَبًا لِلْعِلْمِ أَوْ قِيَامًا بِوَاجِبِ الدَّعْوَةِ قَدْ يَصِيرُ أَمْرُ النِّيَّةِ عِنْدَهُ غَائِمًا، فَيَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى تَجْلِيَةٍ وَكَشْفٍ وَبَيَانٍ.
كُلُّ مُسْلِمٍ حَقِيقِيٍّ هُوَ دَاعٍ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْحَقِيقِيَّ يَقُومُ بِوَاجِبِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَكُلُّ مُسْلِمٍ حَقِيقِيٍّ هُوَ مُلْتَزِمٌ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَآدَابِهِ، فَيَكُونُ دَاعِيًا بِحَالِهِ كَمَا يَكُونُ دَاعِيًا بِمَقَالِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَنْ تَكُونَ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَعْرَفُ مَعْرُوفٍ هُوَ التَّوْحِيدِ، وَأَنْكَرُ مُنْكَرٍ هُوَ الشِّرْكُ.
فَالْمَرْءُ فِي دَعْوَتِهِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَقُومُ بِهَذَا الْوَاجِبِ الْعَظِيمِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى مُسْتَوَيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
فِي أَيَّامِ الْفِتَنِ وَفِي أَزْمِنَةِ كَثْرَةِ الْهَرْجِ قَدْ يَذْهَبُ عَنِ الْإِنْسَانِ طَرِيقُهُ، فَتَضِلُّ قَدَمَاهُ سَوَاءَ السَّبِيلِ، فَيَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى التَّذْكِيرِ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَ الْخِصَالِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَفَّرَ فِي الْإِنْسَانِ حَتَّى يَكُونَ نَاجِيًا مِنَ الْخُسْرَانِ.. جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَصْلَةً تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، كَمَا قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} [العصر: 3].
فَدَائِمًا يَكُونُ التَّذْكِيرُ، {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55]، فَيَحْتَاجُ الْمَرْءُ دَائِمًا إِلَى مَنْ يُذَكِّرُهُ، وَيَحْتَاجُ هُوَ إِلَى أَنْ يُذَكِّرَ غَيْرَهُ، وَهَكَذَا تَسْتَمِرُّ الْخَيْرِيَّةُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَيِّرَةِ الْمَرْحُومَةِ.
((الْغَايَةُ مِنْ خَلْقِ الْخَلْقِ وَأَهَمِّيَّةُ الدَّعْوَةِ))
((إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِنَّمَا خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ؛ لِيُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُعَظَّمَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، وَلِيُعْرَفَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12].
فَبَيَّنَ -سُبْحَانَهُ- أَنَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ؛ لِيُعْبَدَ، وَيُعَظَّمَ، وَيُطَاعَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ: هِيَ تَوْحِيدُهُ وَطَاعَتُهُ، مَعَ تَعْظِيمِ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ.
وَبَيَّنَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- -أَيْضًا- أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي إِيجَادِ الْخَلِيقَةِ: أَنْ يُعْرَفَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ الْعَالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ -جَلَّ وَعَلَا-، كَمَا أَنَّ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي خَلْقِهِمْ وَإِيجَادِهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَيُعَظِّمُوهُ وَيُقَدِّسُوهُ، وَيَخْضَعُوا لِعَظَمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ: هِيَ الْخُضُوعُ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَالتَّذَلُّلُ لَهُ، وَسُمِّيَتِ الْوَظَائِفُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا الْمُكَلَّفِينَ -مِنْ أَوَامِرَ وَتَرْكِ نَوَاهٍ- عِبَادَةً؛ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى عِبَادَةِ اللهِ بِالْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ وَحْدَهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
وَلَمَّا كَانَتِ الْعِبَادَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَقِلَّ بِتَفَاصِيلِهَا الْعُقُولُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُعْرَفَ بِهَا الْأَحْكَامُ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي عَلَى التَّفْصِيلِ -أَيْ: بِالْعُقُولِ- أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى- الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ لِبَيَانِ الْأَمْرِ الَّذِي خَلَقَ اللهُ مِنْ أَجْلِهِ الْخَلْقَ، وَلِإِيضَاحِهِ وَتَفْصِيلِهِ لِلنَّاسِ، حَتَّى يَعْبُدُوا اللهَ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَحَتَّى يَنْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ عَلَى بَصِيرَةٍ.
وَالرُّسُلُ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- هُمْ هُدَاةُ الْخَلْقِ، وَهُمْ أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَدُعَاةُ الثَّقَلَيْنِ جَمِيعًا إِلَى طَاعَةِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ، وَاللهُ -سُبْحَانَهُ- أَكْرَمَ الْعِبَادَ بِهِمْ، وَرَحِمَهُمْ بِإِرْسَالِهِمْ إِلَيْهِمْ، وَأَوْضَحَ عَلَى أَيْدِيهِمُ الطَّرِيقَ السَّوِيَّ وَالصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَحَتَّى لَا يَقُولُوا: مَا نَدْرِي مَا أَرَادَهُ اللهُ مِنَّا، مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَقَطَعَ اللهُ الْمَعْذِرَةَ، وَأَقَامَ الْحُجَّةَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213].
فَبَيَّنَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ؛ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَالْقِسْطِ، وَلِيُوَضِّحَ لِلنَّاسِ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالْعَقَائِدِ مِنْ تَوْحِيدِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَشَرِيعَتِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
فَقَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً} يَعْنِي: عَلَى الْحَقِّ، لَمْ يَخْتَلِفُوا مِنْ عَهْدِ آدَمَ ﷺ إِلَى نُوحٍ، كَانَ النَّاسُ عَلَى الْهُدَى، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَكَانُوا عَلَى الْهُدَى، ثُمَّ وَقَعَ الشِّرْكُ فِي قَوْمِ نُوحٍ، فَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ، فَلَمَّا وَقَعَ الشِّرْكُ وَالِاخْتِلَافُ أَرْسَلَ اللهُ نُوحًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَبَعْدَهُ الرُّسُلَ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ} [النساء: 163].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 64].
فَاللهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ لِيُبَيِّنَ حُكْمَهُ -تَعَالَى- فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ، وَلِيُبَيِّنَ شَرْعَهُ فِيمَا جَهِلَهُ النَّاسُ، وَلِيَأْمُرَ النَّاسَ بِالْتِزَامِ شَرْعِ اللهِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَيَنْهَى النَّاسَ عَمَّا يَضُرُّهُمْ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَقَدْ خَتَمَ -سُبْحَانَهُ- الرُّسُلَ بِأَفْضَلِهِمْ وَإِمَامِهِمْ وَسَيِّدِهِمْ نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا وَسَيِّدِنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ-، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، وَجَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، وَدَعَا إِلَى اللهِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَأُوذِيَ فِي اللهِ أَشَدَّ الْأَذَى، وَلَكِنَّهُ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا صَبَرَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-، صَبَرَ كَمَا صَبَرُوا، وَبَلَّغَ كَمَا بَلَّغُوا، وَلَكِنَّهُ أُوذِيَ أَكْثَرَ، وَصَبَرَ أَكْثَرَ، وَقَامَ بِأَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ أَكْمَلَ قِيَامٍ -عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
فَمَكَثَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يُبَلِّغُ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَيَنْشُرُ أَحْكَامَهُ، مِنْهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي أُمِّ الْقُرَى -مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ- أَوَّلًا بِالسِّرِّ ثُمَّ بِالْجَهْرِ، صَدَعَ بِالْحَقِّ، وَأُوذِيَ، وَصَبَرَ عَلَى الدَّعْوَةِ وَعَلَى أَذَى النَّاسِ، مَعَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ، وَيَعْرِفُونَ فَضْلَهُ وَنَسَبَهُ وَمَكَانَتَهُ، وَلَكِنَّهُ الْهَوَى وَالْحَسَدُ وَالْعِنَادُ مِنَ الْأَكَابِرِ، وَالْجَهْلُ وَالتَّقْلِيدُ مِنَ الْعَامَّةِ؛ فَالْأَكَابِرُ جَحَدُوا وَاسْتَكْبَرُوا وَحَسَدُوا، وَالْعَامَّةُ قَلَّدُوا وَاتَّبَعُوا وَأَسَاءُوا، فَأُوذِيَ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَشَدَّ الْأَذَى ﷺ.
وَيَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الْأَكَابِرَ قَدْ عَرَفُوا الْحَقَّ وَعَانَدُوا قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].
فَبَيَّنَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، بَلْ يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ فِي الْبَاطِنِ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ (الْأَمِينَ) قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ ﷺ، وَلَكِنَّهُمْ جَحَدُوا الْحَقَّ حَسَدًا وَبَغْيًا عَلَيْهِ ﷺ، وَلَكِنَّهُ ﷺ لَمْ يُبَالِ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكْتَرِثْ بِهِ، بَلْ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ وَسَارَ فِي الطَّرِيقِ، وَلَمْ يَزَلْ دَاعِيًا إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَصَابِرًا عَلَى الْأَذَى، مُجَاهِدًا بِالدَّعْوَةِ، كَافًّا عَنِ الْأَذَى، مُحْتَمِلًا لَهُ، صَافِحًا عَمَّا يَصْدُرُ مِنْهُمْ حَسَبَ الْإِمْكَانِ، حَتَّى اشْتَدَّ الْأَمْرُ، وَعَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ ﷺ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَهَاجَرَ إِلَيْهَا ﷺ، وَصَارَتْ عَاصِمَةَ الْإِسْلَامِ الْأُولَى، وَظَهَرَ فِيهَا دِينُ اللهِ، وَصَارَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهَا دَوْلَةٌ وَقُوَّةٌ.
اسْتَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي الدَّعْوَةِ وَإِيضَاحِ الْحَقِّ، وَشَرَعَ فِي الْجِهَادِ بِالسَّيْفِ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْخَيْرِ وَالْهُدَى، وَيَشْرَحُونَ لَهُمْ دَعْوَةَ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَبَعَثَ السَّرَايَا، وَغَزَا الْغَزَوَاتِ الْمَعْرُوفَةَ، حَتَّى أَظْهَرَ اللهُ دِينَهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَحَتَّى أَكْمَلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ النِّعْمَةَ.
ثُمَّ تُوفِّيَ ﷺ بَعْدَمَا أَكْمَلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ، وَبَلَّغَ الْبَلَاغَ الْمُبِينَ، فَتَحَمَّلَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ الْأَمَانَةَ، وَسَارُوا عَلَى الطَّرِيقِ، فَدَعَوْا إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَانْتَشَرُوا فِي أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ دُعَاةً لِلْحَقِّ، وَمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، لَا يَخْشَوْنَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ، وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-.
فَانْتَشَرُوا فِي الْأَرْضِ -يَعْنِي: الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-- غُزَاةً مُجَاهِدِينَ، وَدُعَاةً مُهْتَدِينَ، وَصَالِحِينَ مُصْلِحِينَ، يَنْشُرُونَ دِينَ اللهِ، وَيُعَلِّمُونَ النَّاسَ شَرِيعَتَهُ، وَيُوَضِّحُونَ لَهُمُ الْعَقِيدَةَ الَّتِي بَعَثَ اللهُ بِهَا الرُّسُلَ، وَهِيَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ، وَتَرْكُ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يُدْعَى إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، وَلَا يُسْتَغَاثُ إِلَّا بِهِ، وَلَا يُحَكَّمُ إِلَّا شَرْعُهُ، وَلَا يُصَلَّى إِلَّا لَهُ، وَلَا يُنْذَرُ إِلَّا لَهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ.
وَأَوْضَحُوا لِلنَّاسِ: أَنَّ الْعِبَادَةَ حَقٌّ للهِ، وَتَلَوْا عَلَيْهِمْ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، كَقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21].
{وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23].
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5].
{فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163].
وَصَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- صَبْرًا عَظِيمًا، وَجَاهَدُوا فِي اللهِ جِهَادًا كَبِيرًا، وَتَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِ الْعَرَبِ، سَارُوا فِي هَذَا السَّبِيلِ -سَبِيلِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ--، وَتَحَمَّلُوا أَعْبَاءَهَا، وَأَدَّوُا الْأَمَانَةَ، مَعَ الصِّدْقِ وَالصَّبْرِ وَالْإِخْلَاصِ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَنْ دِينِهِ، وَصَدَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَلَمْ يُؤَدِّ الْجِزْيَةَ الَّتِي فَرَضَهَا اللهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهَا، فَهُمْ حَمَلَةُ الدَّعْوَةِ وَأَئِمَّةُ الْهُدَى بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَهَكَذَا أَتْبَاعُ الصَّحَابَةِ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى سَارُوا عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ، وَصَبَرُوا فِي ذَلِكَ، وَانْتَشَرَ دِينُ اللهِ، وَعَلَتْ كَلِمَتُهُ عَلَى أَيْدِي الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ مِنْ الْجَزِيرَةِ جَنُوبِهَا وَشَمَالِهَا، وَمِنْ غَيْرِ الْجَزِيرَةِ مِنْ سَائِرِ أَرْجَاءِ الدُّنْيَا، مِمَّنْ كَتَبَ اللهُ لَهُ السَّعَادَةَ، وَدَخَلَ فِي دِينِ اللهِ، وَشَارَكَ فِي الدَّعْوَةِ وَالْجِهَادِ، وَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَصَارَتْ لَهُمُ السِّيَادَةُ وَالْقِيَادَةُ وَالْأَمَانَةُ فِي الدِّينِ، بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَجِهَادِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَصَدَقَ فِيهِمْ قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ- فِيمَا ذَكَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].
صَدَقَ هَذَا فِي أَصْحَابِ الرَّسُولِ ﷺ وَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَفِيمَنْ سَارَ عَلَى سَبِيلِهِمْ، صَارُوا أَئِمَّةً وَهُدَاةً وَدُعَاةً لِلْحَقِّ، وَأَعْلَامًا يُقْتَدَى بِهِمْ، بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ وَإِيقَانِهِمْ؛ فَإِنَّ بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ، فَأَصْحَابُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَتْبَاعُهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا هُمُ الْأَئِمَّةُ، وَهُمُ الْهُدَاةُ، وَهُمُ الْقَادَةُ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ.
وَبِذَلِكَ يَتَّضِحُ لِكُلِّ طَالِبِ عِلْمٍ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ، وَأَنَّ الْأُمَّةَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ فِي أَشَدِّ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، بَلْ فِي أَشَدِّ الضَّرُورَةِ إِلَى ذَلِكَ)).
((حُكْمُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ))
((لَقَدْ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَأَنَّهَا مِنَ الْفَرَائِضِ، وَالْأَدِلَّةُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ:
مِنْهَا: قَوْلُهْ -سُبْحَانَهُ-: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [القصص: 87].
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108].
فَبَيَّنَ -سُبْحَانَهُ- أَنَّ أَتْبَاعَ الرَّسُولِ ﷺ هُمُ الدُّعَاةُ إِلَى اللهِ، وَهُمْ أَهْلُ الْبَصَائِرِ، وَالْوَاجِبُ هُوَ اتِّبَاعُهُ، وَالسَّيْرُ عَلَى مِنْهَاجِهِ ﷺ، كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
وَصَرَّحَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَقْطَارِ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا الدُّعَاةُ؛ فَإِنَّ كُلَّ قُطْرٍ إِقْلِيمٍ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّعْوَةِ وَإِلَى النَّشَاطِ فِيهَا، فَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهَا مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ، وَصَارَتِ الدَّعْوَةُ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، وَعَمَلًا صَالِحًا جَلِيلًا.
وَإِذَا لَمْ يَقُمْ أَهْلُ الْإِقْلَيمِ أَوْ أَهْلُ الْقُطْرِ الْمُعَيَّنِ بِالدَّعْوَةِ عَلَى التَّمَامِ صَارَ الْإِثْمُ عَامًّا، وَصَارَ الْوَاجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَعَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَقُومَ بِالدَّعْوَةِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ وَإِمْكَانِهِ.
أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى عُمُومِ الْبِلَادِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُوجَدَ طَائِفَةٌ مُنْتَصِبَةٌ تَقُومُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ، تُبَلِّغُ رِسَالَاتِ اللهِ، وَتُبَيِّنُ أَمْرَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالطُّرُقِ الْمُمْكِنَةِ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ بَعَثَ الدُّعَاةَ، وَأَرْسَلَ الْكُتُبَ إِلَى النَّاسِ وَإِلَى الْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
وَفِي وَقْتِنَا هَذَا قَدْ يَسَّرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَمْرَ الدَّعْوَةِ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ بِطُرُقٍ لَمْ تَحْصُلْ لِمَنْ قَبْلَنَا، فَأُمُورُ الدَّعْوَةِ الْيَوْمَ مُتَيَسِّرَةٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى النَّاسِ الْيَوْمَ مُمْكِنَةٌ بِطُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ؛ عَنْ طَرِيقِ الْإِذَاعَةِ، وَعَنْ طَرِيقِ الصَّحَافَةِ، وَمِنْ طُرُقٍ شَتَّى.
فَالْوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَعَلَى خُلَفَاءِ الرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَقُومُوا بِهَذَا الْوَاجِبِ، وَأَنْ يَتَكَاتَفُوا فِيهِ، وَأَنْ يُبَلِّغُوا رِسَالَاتِ اللهِ إِلَى عِبَادِ اللهِ، وَلَا يَخْشَوْا فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَلَا يُحَابُوا فِي ذَلِكَ كَبِيرًا وَلَا صَغِيرًا، وَلَا غَنِيًّا وَلَا فَقِيرًا، بَلْ يُبَلِّغُونَ أَمْرَ اللهِ إِلَى عِبَادِ اللهِ كَمَا أَنْزَلَ اللهُ وَكَمَا شَرَعَ اللهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فَرْضَ عَيْنٍ إِذَا كُنْتَ فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يُؤَدِّي ذَلِكَ سِوَاكَ، كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَيَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، فَإِذَا كُنْتُ فِي مَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يَقْوَى عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، وَيُبَلِّغُ أَمْرَ اللهِ سِوَاكَ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْتَ أَنْ تَقُومَ بِذَلِكَ، فَأَمَّا إِذَا وُجِدَ مَنْ يَقُومُ بِالدَّعْوَةِ وَالتَّبْلِيغِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ سِوَاكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ -حِينَئِذٍ- فِي حَقِّكَ سُنَّةً، وَإِذَا بَادَرْتَ إِلَيْهِ وَحَرَصْتَ عَلَيْهِ كُنْتَ بِذَلِكَ مُنَافِسًا فِي الْخَيْرَاتِ، وَسَابِقًا إِلَى الطَّاعَاتِ.
وَمِمَّا احْتُجَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- وَجَمَاعَةٌ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: ((يَقُولُ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ}: مُنْتَصِبَةً لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ اللهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ)).
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ مُنْتَصِبَةً لِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ تَدْعُو إِلَى اللهِ، وَتَنْشُرُ دِينَهُ، وَتُبَلِّغُ أَمْرَهُ.
وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْكُلِّ.
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ} أَيْ: وَلْتَكُونُوا جَمِيعًا {أُمَّةٌ}: يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، فَلْتَكُونُوا أُمَّةً تَدْعُو إِلَى الْخَيْرِ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ عَامًّا.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ} عَلَى أَنَّ (مِنْ) إِنَّمَا هِيَ لِلتَّبْعِيضِ فَيَكُونُ {مِنْكُمْ أُمَّةٌ} أَيْ: جَمَاعَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّصَّ إِذَا احْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَضَادٍّ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هَاهُنَا: إِنَّ الدَّعْوَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيُجْمَعُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّهَا تَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ.
الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هِيَ قِمَّةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- دَعْوَةٌ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَدَعْوَةٌ إِلَى نَبْذِ الشِّرْكِ، وَهَذَا فِي الْأَصْلِ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بَعْدُ مِنْ أُمُورٍ إلى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمْرًا وَنَهْيًا إِنَّمَا هُوَ دَائِرٌ حَوْلَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْكَبِيرَيْنِ: تَوْحِيدُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَالنَّهْيُ عَنْ ضِدِّ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ الشِّرْكُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ.
مَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ دَعَا إِلَى اللهِ، وَقَامَ بِأَمْرِ اللهِ فِي مَكَّةَ حَسَبَ طَاقَتِهِ، وَقَامَ الصَّحَابَةُ -كَذَلِكَ- -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- بِذَلِكَ حَسَبَ طَاقَاتِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرُوا قَامُوا بِالدَّعْوَةِ أَكْثَرَ وَأَبْلَغَ، وَلَمَّا انْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ قَامُوا بِذَلِكَ -أَيْضًا- -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، كُلٌّ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ وَعَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ، فَعِنْدَ قِلَّةِ الدُّعَاةِ، وَعِنْدَ كَثْرَةِ الْمُنْكَرَاتِ، وَعِنْدَ غَلَبَةِ الْجَهْلِ -كَحَالِنَا الْيَوْمَ- تَكُونُ الدَّعْوَةُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ طَاقَتِهِ.
وَإِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ مَحْدُودٍ كَقَرْيَةٍ وَمَدِينَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَوُجِدَ فِيهَا مَنْ يَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ، وَقَامَ بِهِ وَبَلَّغَ أَمْرَ اللهِ كَفَى، وَصَارَ التَّبْلِيغُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ سُنَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُقِيمَتِ الْحُجَّةُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، وَنُفِّذَ أَمْرُ اللهِ عَلَى يَدِ سِوَاهُ.
وَلَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّةِ أَرْضِ اللهِ وَإِلَى بَقِيَّةِ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِمْ، وَعَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِمْ، أَنْ يُبَلِّغُوا أَمْرَ اللهِ بِكُلِّ مَا يَسْتَطِيعُونَ، وَهَذَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ الطَّاقَةِ وَعَلَى حَسَبِ الْقُدْرَةِ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ كَوْنَهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَكَوْنَهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَخْتَلِفُ؛ فَقَدْ تَكُونُ الدَّعْوَةُ فَرْضَ عَيْنٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَقْوَامٍ وَإِلَى أَشْخَاصٍ، وَتَكُونُ سُنَّةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَشْخَاصٍ وَإِلَى أَقْوَامٍ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَحَلِّهِمْ وَفِي مَكَانِهِمْ مَنْ قَامَ بِالْأَمْرِ وَكَفَى عَنْهُمْ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمَنْ لَهُمُ الْقُدْرَةُ الْوَاسِعَةُ فَعَلَيْهِمْ مِنَ الْوَاجِبِ أَكْثَرُ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُبَلِّغُوا الدَّعْوَةَ إِلَى كُلِّ مَا اسْتَطَاعُوا مِنَ الْأَقْطَارِ، حَسَبَ الْإِمْكَانِ بِالطُّرُقِ الْمُمْكِنَةِ، وَبِاللُّغَاتِ الْحَيَّةِ الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا النَّاسُ، يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ أَنْ يُبَلِّغُوا أَمْرَ اللهِ بِتِلْكَ اللُّغَاتِ حَتَّى يَصِلَ دِينُ اللهِ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ بِاللُّغَةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا، بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَبِغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ الْآنَ مُمْكِنٌ وَمَيْسُورٌ بِالطُّرُقِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا؛ عَنْ طَرِيقِ الْإِذَاعَاتِ وَالصُّحُفِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي تَيَسَّرَتِ الْيَوْمَ، وَلَمْ تَتَيَسَّرْ فِي السَّابِقِ، كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْخُطَبَاءِ -فِي الِاحْتِفَالَاتِ، وَفِي الْجُمَعِ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ- أَنْ يُبَلِّغُوا مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ أَمْرِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَأَنْ يَنْشُرُوا دِينَ اللهِ حَسَبَ طَاقَتِهِمْ، وَحَسَبَ عِلْمِهِمْ.
وَنَظَرًا إِلَى انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْمَبَادِئِ الْهَدَّامَةِ، وَإِلَى الْإِلْحَادِ، وَإِنْكَارِ رَبِّ الْعِبَادِ، وَإِنْكَارِ الرِّسَالَاتِ، وَإِنْكَارِ الْآخِرَةِ، وَانْتِشَارِ الدَّعْوَةِ النَّصْرَانِيَّةِ فِي الْكَثِيرِ مِنَ الْبُلْدَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمُضَلِّلَةِ.. نَظَرًا إِلَى هَذَا فَإِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- الْيَوْمَ أَصْبَحَتْ فَرْضًا عَامًّا، وَوَاجِبًا عَلَى جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْحُكَّامِ الَّذِينَ يَدِينُونَ بِالْإِسْلَامِ، صَارَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَلِّغُوا دِينَ اللهِ حَسَبَ الطَّاقَةِ وَالْإِمْكَانِ؛ بِالْكِتَابَةِ، وَالْخَطَابَةِ، وَبِالْإِذَاعَةِ، وَبِكُلِّ وَسِيلَةٍ اسْتَطَاعُوا، وَأَلَّا يَتَقَاعَسُوا عَنْ ذَلِكَ، أَوْ يَتَّكِلُوا عَلَى زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو؛ فَإِنَّ الْحَاجَةَ بَلِ الضَّرُورَةَ مَاسَّةٌ الْيَوْمَ إِلَى التَّعَاوُنِ وَالِاشْتِرَاكِ وَالتَّكَاتُفِ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ مِنْ قَبْلُ؛ ذَلِكَ لِأَنَّ أَعْدَاءَ اللهِ قَدْ تَكَاتَفُوا وَتَعَاوَنُوا بِكُلِّ وَسِيلَةٍ لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَالتَّشْكِيكِ فِي دِينِهِ، وَدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى مَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ دِينِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
فَوَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يُقَابِلُوا هَذَا النَّشَاطَ الْمُضِلَّ، هَذَا النَّشَاطَ الْمُلْحِدَ بِنَشَاطٍ إِسْلَامِيٍّ، وَبِدَعْوَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ عَلَى شَتَّى الْمُسْتَوَيَاتِ، وَبِجَمِيعِ الْوَسَائِلِ وَبِجَمِيعِ الطُّرُقِ الْمُمْكِنَةِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ أَدَاءِ مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى سَبِيلِهِ)).
هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ..
((فَضْلُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ))
((لَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ الدَّعْوَةِ وَالدُّعَاةِ آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، كَمَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي إِرْسَالِ النَّبِيِّ ﷺ الدُّعَاةَ أَحَادِيثُ لَا تَخْفَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا التَّنْوِيهُ بِالدُّعَاةِ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَا أَحَدَ أَحْسَنُ قَوْلًا مِنْهُمْ، وَعَلَى رَأْسِهِمُ الرُّسُلُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-، ثُمَّ أَتْبَاعُهُمْ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الدَّعْوَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، فَأَنْتَ -يَا عَبْدَ اللهِ- يَكْفِيكَ شَرَفًا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ، وَمِنَ الْمُنْتَظِمِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.
وَالْمَعْنَى: لَا أَحَدَ أَحْسَنُ قَوْلًا مِنْهُ؛ لِكَوْنِهِ دَعَا إِلَى اللهِ، وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ، وَعَمِلَ بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، يَعْنِي: دَعَا إِلَى الْحَقِّ وَعَمِلَ بِهِ، وَأَنْكَرَ الْبَاطِلَ وَحَذَّرَ مِنْهُ، وَتَرَكَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ صَرَّحَ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخْجَلْ، بَلْ قَالَ: إِنَّنِي {مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: مُغْتَبِطًا وَفَرِحًا بِمَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَمَنْ يَسْتَنْكِفُ عَنْ ذَلِكَ وَيَكْرَهُ أَنْ يَنْطِقَ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، أَوْ بِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ، لِمُرَاعَاةِ فُلَانٍ أَوْ مُجَامَلَةِ فُلَانٍ، أَوْ لِقَوْلِ النَّاسِ إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ إِنَّمَا هُوَ رَجْعِيَّةٌ وَأَمْرٌ بَائِدٌ قَدْ عَفَتْ عَلَيْهِ الْقُرُونُ، إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعِيدَ النَّاسَ إِلَى عُصُورٍ خَلَتْ كَانَتْ فِي الظُّلْمَةِ وَفِي الْجَهَالَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتَفِكُونَ -وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ-.
الْمُؤْمِنُ الدَّاعِي إِلَى اللهِ الْقَوِيُّ الْإِيمَانِ، الْبَصِيرُ بِأَمْرِ اللهِ يُصَرِّحُ بِحَقِّ اللهِ، وَيَنْشَطُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَيَعْمَلُ بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَيَحْذَرُ مَا نَهَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْهُ، فَيَكُونُ مِنْ أَسْرَعِ النَّاسِ إِلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَمِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ كُلِّ مَا يَنْهَى عَنْهُ، وَلَا يَأْنَفُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَبِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَغْتَبِطُ بِذَلِكَ وَيَفْرَحُ بِهِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا- : {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
فَالْفَرَحُ بِرَحْمَةِ اللهِ وَفَضْلِهِ فَرَحُ الِاغْتِبَاطِ فَرَحُ السُّرُورِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ، أَمَّا الْفَرَحُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَهُوَ فَرَحُ الْكِبْرِ؛ الْفَرَحُ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا- فِي قِصَّةِ قَارُونَ: {لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص: 76].
هَذَا فَرَحُ الْكِبْرِ وَالتَّعَالِي عَلَى النَّاسِ وَالتَّعَاظُمِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُنْهَى عَنْهُ.
أَمَّا فَرَحُ الِاغْتِبَاطِ وَالسُّرُورِ بِدِينِ اللهِ، وَالْفَرَحُ بِهِدَايَةِ اللهِ، وَالِاسْتِبْشَارُ بِذَلِكَ وَالتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ لِيُعْلَمَ؛ فَأَمْرٌ مَشْرُوعٌ وَمَمْدُوحٌ وَمَحْمُودٌ.
فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَوْضَحِ الْآيَاتِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى فَضْلِ الدَّعْوَةِ، وَأَنَّهَا مِنْ أَهَمِّ الْقُرُبَاتِ، وَمِنْ أَفْضِل الطَّاعَاتِ، وَأَنَّ أَهْلَهَا فِي غَايَةٍ مِنَ الشَّرْفِ وَفِي أَرْفَعِ مَكَانَةٍ، وَعَلَى رَأْسِهِمُ الرُّسُلُ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَأَكْمَلُهُمْ فِي ذَلِكَ خَاتَمُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ-.
وَمِمَّا يَدُلُّ -أَيْضًا- عَلَى فَضْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ: قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108].
فَبَيَّنَ -سُبْحَانَهُ- أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَدْعُو عَلَى بَصِيرَةٍ، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُ كَذَلِكَ، فَهَذَا فِيهِ فَضْلُ الدَّعْوَةِ، وَأَنَّ أَتْبَاعَ الرَّسُولِ ﷺ هُمُ الدُّعَاةُ إِلَى سَبِيلِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَالْبَصِيرَةُ هِيَ الْعِلْمُ بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ وَمَا يَنْهَى عَنْهُ، وَفِي هَذَا شَرَفٌ لَهُمْ وَتَفْضِيلٌ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ».
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَرْفَعُهُ-: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا».
هَذَا -أَيْضًا- يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
وَصَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((فَوَاللهِ! لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)). هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
((فَوَاللهِ! لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)): وَهِيَ أَنْفَسُ الْأَمْوَالِ عِنْدَ الْعَرَبِ.
وَهَذَا -أَيْضًا- يَدُلُّنَا عَلَى فَضْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- يُعْطَى مِثْلَ أُجُورِ مَنْ هَدَاهُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَلَوْ كَانُوا آلَافَ الْمَلَايِينِ، وَتُعْطَى -أَيُّهَا الدَّاعِيَةُ- مِثْلَ أُجُورِهِمْ، فَهَنِيئًا لَكَ -أَيُّهَا الدَّاعِيَةُ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-- بِهَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ.
وَبِهَذَا يَتَّضِحُ -أَيْضًا- أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يُعْطَى مِثْلَ أُجُورِ أَتْبَاعِهِ، فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ؛ يُعْطَى نَبِيُّنَا ﷺ مِثْلَ أُجُورِ أَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ بَلَّغَهُمْ رِسَالَةَ اللهِ، وَدَلَّهُمْ عَلَى الْخَيْرِ ﷺ، وَهَكَذَا الرُّسُلُ يُعْطَوْنَ مِثْلَ أُجُورِ أَتْبَاعِهِمْ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-، وَأَنْتَ كَذَلِكَ -أَيُّهَا الدَّاعِيَةُ- فِي كُلِّ زَمَانٍ تُعْطَى مِثْلَ أُجُورِ أَتْبَاعِكَ وَالْقَابِلِينَ لِدَعْوَتِكَ، فَاغْتَنِمْ هَذَا الْخَيْرَ الْعَظِيمَ، وَسَارِعْ إِلَيْهِ)).
فَهَذَا بَعْضُ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ فَضْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
((الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ وَظِيفَةُ الْمُرْسَلِينَ))
الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هِيَ وَظِيفَةُ الْمُرْسَلِينَ، وَكَانَتِ الْأُمَمُ قَبْلَنَا يُرْسِلُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِمُ الرُّسُلَ وَيُنَبِّئُ فِيهِمُ الْأُنْبِيَاءَ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ أَتْبَعَهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِنَبِيٍّ آخَرَ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ سَائِدًا سَائِرًا فِيهِمْ، حَتَّى جَاءَ الرَّسُولُ، وَهُوَ رَسُولٌ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فِي مُطْلَقِ الزَّمَانِ وَمُطْلَقِ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَهُوَ الرَّسُولُ الْخَاتَمُ، وَرِسَالَتُهُ هِيَ الرِّسَالَةُ الْخَاتَمَةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرْسِلَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ ﷺ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ قُبِضَ؛ فَمَنْ يَقُومُ بِوَاجِبِ الْإِبْلَاغِ بَعْدَهُ، الْعُلَمَاءُ يُبَلِّغُونَ الْأُمَّةَ عِلْمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالرَّسُولُ فِي الْبَلَاغِ وَسِيطٌ بَيْنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَخَلْقِهِ، وَسِيطٌ فِي الْبَلَاغِ، فَجَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مُرْسَلًا مِنْهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ؛ لِيُبَلِّغَهُمْ دِينَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
وَأَمَّا الْوُسَطَاءُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ بَعْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ فَهُمُ الْمُبَلِّغُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ عَنْ رَبِّهِ، وَالْعُلَمَاءُ مُبَلِّغُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهُمْ يَقُومُونَ بِهَذِهِ الْوَظِيفَةِ الشَّرِيفَةِ، وَهِيَ أَشْرَفُ وَظِيفَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ كَانَتْ وَتَكُونُ؛ لِأَنَّهَا وَظِيفَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَوَظِيفَةُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَشْرَفُ الْوَظَائِفِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدُرْ هَذِهِ الْوَظِيفَةَ قَدْرَهَا، وَمَنْ لَمْ يَحْتَرِمْهَا وَيُعْطِهَا حَقَّهَا إِنْ أَقَامَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-- فَهَذَا كَافِرٌ بِنِعْمَةِ اللهِ، هَذَا جَاحِدٌ لِنِعْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ.
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَ شَرَفَ مَا يُزَاوِلُهُ، وَقِيمَةَ مَا يُحَاوِلُهُ، وَخَطَرَ مَا يَصْبُو إِلَيْهِ؛ فَهَذِهِ الدَّعْوَةُ هِيَ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، وَهَذَا فَضْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُبَلِّغُ دِينَ اللهِ كَمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ يَمْضِي، يَقْضِي اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ بِقَضَائِهِ، فَيَمْضِي مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ إِذَا خَلَّفَ وَرَاءَهُ عِلْمًا وَخَلَّفَ وَرَاءَهُ دَعْوَةً فَإِنَّ أَجْرَهُ مَعَ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ حَقِيقَةً يَكُونُ مَوْصُولًا لَهُ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ((كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا))، فَأُجُورُهُمْ مَحْفُوظَةٌ مُتَوَفِّرَةٌ، وَأَمَّا أَجْرُهُ هُوَ فَعَلَى حَسَبِ مَا بَلَّغَ وَعَلَى حَسَبِ مَنْ قَبِلَ مِنْهُ وَعَمِلَ بِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ: ((أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ)).
وَفِي هَذِهِ الثَّلَاثُ: عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ.
هَذَا مَقَامٌ جَلِيلٌ مَنْ فَرَّطَ فِيهِ فَهُوَ الْمُفَرِّطُ الْمَخْذُولُ، وَمَنْ ضَيَّعَهُ فَهُوَ الضَّائِعُ حَقًّا، وَمَنْ تَقَاعَسَ عَنْهُ فَهَذَا هُوَ الْمَحْرُومُ.
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَوْسَعُ مِنَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا؛ إِذَا أَمَرَ وَنَهَى عَلَى قَدْرِ مَا عَلِمَ وَعَلَى قَدْرِ مَا الْتَزَمَ فَإِنَّهُ يَكُونُ دَاعِيًا إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَهَذَا أَمْرٌ جَعَلَهُ اللهُ مَفْتُوحًا مَبْسُوطًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
فَكُلُّ مُسْلِمٍ عَلَيْهِ وَاجِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَعَلَيْهِ وَاجِبُ الِائْتِمَارِ وَالِانْتِهَاءِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْتَهِي عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَنْهَى عَنْهُ، وَيَأْتَمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَحَتَّى إِنَّ الْعُلَمَاءَ يَقُولُونَ إِنَّ الْإِنْسَانَ عَلَيْهِ وَاجِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُأْتَمِرًا وَلَا مُنْتَهِيًا، فَهَذَا وَاجِبٌ وَهَذَا وَاجِبٌ، صَحِيحٌ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَكُونُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، فَالَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتَمِرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْ يَنْتَهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ، وَهَذَا عَلَيْهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، وَوَقَعَ فِي إِثْمٍ كَبِيرٍ.
وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، لَمَّا سُئِلَ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: هَلْ مِنْ شَرْطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُأْتَمِرًا مُنْتَهِيًا فَلَا يَأْمُرُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا إِذَا كَانَ قَدْ أَتَى بِهِ وَلَا يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمُنْكَرِ إِلَّا إِذَا كَانَ قَدِ انْتَهَى عَنْهُ، فَأَفَادَ بِأَنَّهُ -حِينَئِذٍ- لَا يَصِحُّ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ، وَمَنِ الَّذِي لَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ!
فَإِذَا تَوَقَّفَ الْإِنْسَانُ عَنِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ حَتَّى يَصِيرَ كَامِلًا، لَيْسَ هُنَاكَ كَامِلٌ مِنَ الْبَشَرِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ.
فَهَذَا الْأَمْرُ مَبْسُوطٌ مَفْتُوحٌ، الْإِنْسَانُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْ يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ تَأْمُرَ الَّذِي لَا يُصَلِّي بِأَنْ يُصَلِّيَ، وَمِنَ الْعِلْمِ أَنْ تُعَلِّمَهُ كَيْفَ يُصَلِّي، هَذَا أَمْرٌ وَهَذَا أَمْرٌ، فَأَنْتَ إِذَا لَمْ تَكُنْ عَالِمًا بِكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ، بِمَعْنَى أَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعَلِّمَ غَيْرَكَ كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤَدِّيَ هَذَا وَيَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ وَمَزِيدٍ مِنْهُ، فَأَنْتَ لَا تَعْدِمُ أَنْ تَأْمُرَهُ بِالصَّلَاةِ إِذَا كَانَ لَا يُصَلِّي، وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِذَا وَجَدْتَهُ مُتَوَرِّطًا فِي مُنْكَرٍ فَأَنْتَ تَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَهَذِهِ دَعْوَةٌ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
مَنْ حَلَفَ أَمَامَكَ بِغَيْرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تَنْهَاهُ، تَقُولُ: هَذَا شِرْكٌ بِاللهِ، فَهَذَا نَهْيٌ عَنِ الشِّرْكِ، هَذَا نَهْيٌ عَنْ أَنْكَرِ مُنْكَرٍ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَتَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ تَقُولُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ حَالِفًا فَاحْلِفْ بِاللهِ، هَذَا أَمْرٌ بِالتَّوْحِيدِ.
وَكَذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا أَوْ سَمِعْتَهُ يَدْعُو غَيْرَ اللهِ تَقُولُ لَهُ: دُعَاءُ غَيْرِ اللهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ، الدُّعَاءُ لَا يَكُونُ إِلَّا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَإِذَا دَعَا غَيْرَ اللهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَتَوَرَّطَ فِيهِ.
فَأَنْتَ إِذَا سَمِعْتَ أَحَدًا يَدْعُو غَيْرَ اللهِ فَتَقُولُ لَهُ: لَا تَدْعُ إِلَّا اللهَ، إِذَا كُنْتَ دَاعِيًا فَادْعُ اللهَ وَحْدَهُ، فَتَأْمُرُ بِالتَّوْحِيدِ وَتَنْهَى عَنْ ضِدِّهِ وَهُوَ الشِّرْكُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَعَا إِلَى شَيْءٍ فَهُوَ نَاهٍ عَنْ نَقِيضِهِ، هَذَا فِي الْجُمْلَةِ؛ كُلُّ دَاعٍ إِلَى أَمْرٍ فَهُوَ نَاهٍ عَنْ نَقِيضِهِ، يَعْنِي مَنْ دَعَا إِلَى التَّوْحِيدِ فَهُوَ نَاهٍ عَنِ الشِّرْكِ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الشِّرْكِ فَهُوَ دَاعٍ إِلَى التَّوْحِيدِ، هَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ وَبِالشِّرْكِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ دَقَائِقَ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ.
فَلَا يَكْتَفِي الْمَرْءُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ الْعَامِّ وَلَا بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ الْعَامِّ، فَهَذَا الْأَمْرُ لَا يُنْكِرُهُ حَتَّى الْمُشْرِكُونَ، فَأَنْتَ إِذَا دَعَوْتَ الْمُشْرِكَ إِلَى التَّوْحِيدِ دَعْوَةً عَامَّةً أَمَّنَ عَلَى كَلَامِكَ، وَإِذَا نَهَيْتَ الْمُشْرِكَ عَنِ الشِّرْكِ نَهْيًا عَامًّا فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُ عَلَى كَلَامِكَ، وَلَكِنْ إِذَا مَا فَصَّلْتَ فِي التَّوْحِيدِ وَفَصَّلْتَ فِي الشِّرْكِ -حِينَئِذٍ- تَقَعُ الْخُصُومَةُ، وَأَمَّا عِنْدَ الْكَلَامِ الْعَامِّ فَإِنَّهُ لَا خُصُومَةَ هُنَاكَ.
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَنْ يَكُونَ فِي مَقَامِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ، نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، مُبَلِّغًا الْخَيْرَ، مَا عَلِمَ مِنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْخَيْرِ وَحَذِقَهُ وَتَوَثَّقَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَلِّغَهُ، وَلَكِنْ لَا يَفْتَاتُ، فَقَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا عَلِمَ، يَتَوَقَّفُ الْمَرْءُ عِنْدَ حُدُودِ مَا يَعْلَمُ وَلَا يَتَجَاوَزُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ تَجَاوَزَ وَقَعَ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ وَهُوَ الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلٍمٍ؛ لِأَنَّكَ تَدْرِي أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ عَظِيمٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِكَدِّ النَّفْسِ وِبِشِقِّهَا وَبِالتَّعَبِ وَالنَّصَبِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ الْكَبِيرَ لَا يَصِلُ الْمَرْءُ إِلَيْهِ إِلَّا عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ.
فَكَذَلِكَ الشَّأْنُ فِي كُلِّ أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَالْجَنَّةُ أَعْظَمُ مَطْلُوبٍ، كَمَا أَنَّ النَّارَ أَعْظَمُ مَرْهُوبٍ، فَلَا يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْجَنِّةِ وَلَا أَنْ يَتَجَنَّبَ النَّارَ إِلَّا عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ، حَتَّى إِنَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ لَا يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَذْلِ النَّفْسِ، كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَرُبَّمَا أَفْضَيْا إِلَى قَتْلِهِ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَالَاتِ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَيَتَكَاثَرُ عَلَيْهِ الْمُبْطِلُونَ، وَرُبَّمَا ضَرَبُوهُ وَآذَوْهُ حَتَّى يُقْتَلَ.
فَلَا يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ أَنْ يَصِلَ إِلَى مُبْتَغَاهُ إِذَا كَانَ عَالِيًا وَكَانَتْ قِمَّةً سَامِيَةً.. لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِلَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ: ((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا)).
فَلَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ، وَلَا يَعْلَمُ بِمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ إِلَّا حَرَصَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَدْخُلَهَا.
((ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَلَّا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ)).
فَهِيَ قِمَّةٌ عَالِيَةٌ هِيَ أَعْظَمُ مَطْلُوبٍ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا إِلَّا بِاقْتِحَامِ تِلْكَ الْمَكَارِهِ وَبِهَتْكِ ذَلِكَ الْحِجَابِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُونَ الْجَنَّةِ، وَهَذَا الْحِجَابُ هُوَ الْمَكَارِهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ هَتْكِ تِلْكَ السُّتُرِ وَالْبُلُوغِ وَالدُّخُولِ فِي تِلْكَ الْمَكَارِهِ حَتَّى يَتَجَاوَزَهَا إِلَى مَا وَرَاءَهَا، وَهُوَ أَعْظَمُ مَطْلُوبٍ -أَعْنِي: الْجَنَّةَ-.
((فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا)).
وَكَيْفَ يَسْمَعُ بِمَا أُعِدَّ فِيهَا مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ أَحَدٌ ثُمَّ يَأْتِي بِمُوجِبِ دُخُولِهَا؟!
((فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَلَّا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا)).
قَالَ: أَخْشَى أَلَّا يُفْلِتَ مِنْهَا أَحَدٌ، أَخْشَى أَلَّا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَهَافَتُونَ كَالْفَرَاشِ عَلَى النَّارِ عَلَى تِلْكَ الشَّهَوَاتِ، فَتُفْضِي بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَمَنْ هَتَكَ هَذَا الْحِجَابَ -وَهُوَ حِجَابُ الشَّهَوَاتِ- تَوَرَّطَ فِي النَّارِ، وَمَنْ هَتَكَ حِجَابَ الْمَكَارِهِ وَحَمَلَ النَّفْسَ عَلَى مَكْرُوهِهَا فَإِنَّهُ يُفْضِي بِهِ ذَلِكَ إِلَى الْجَنَّةِ.
هَذِهِ الْغَايَةُ الْعَظِيمَةُ -وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّتِي هِيَ وَظِيفَةُ الْأَنْبِيَاءِ- أَجَلُّ الْغَايَاتِ؛ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الْمَرْءِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا الْجَنَّةُ، لِذَلِكَ لَمَّا ذَكَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالتَّوَاصِيَ بِالْحَقِّ أَعْقَبَهُ بِذِكْرِ التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُرَكَّبٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}، قَالَ: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3].
لِمَاذَا عَقَّبَ التَّوَاصِيَ بِالْحَقِّ بِذِكْرِ التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ كَمَا فِي: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17]؟
لِمَاذَا ذَكَرَ الصَّبْرَ عَلَى الْمُصَابِ بِعَقِبِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؟
لِأَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، مَا مِنْ أَحَدٍ يُوصِي أَخَاهُ بِالْحَقِّ وَيُوصِيهِ أَخُوهُ بِالْحَقِّ، مَا مِنْ مُجْتَمَعٍ يَقَعُ فِيهِ التَّوَاصِي بِالْحَقِّ إِلَّا وَقَعَ الْأَذَى عَلَى مَنْ تَوَاصَى بِالْحَقِّ وَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ دَاعٍ إِلَى اللهِ وَأَنَّ كُلَّ مُتَمَسِّكٍ بِدِينِ اللهِ وَمُتَّبِعٍ لِرَسُولِ اللهِ لَهُ مِنَ الْقَانُونِ -الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ- نَصِيبُهُ عَلَى قَدْرِ تَمَسُّكِهِ وَاتِّبَاعِهِ، فَإِنَّهُ مَا أَتَىَ أَحَدٌ قَوْمَهُ بِمِثْلِ مَا أَتَيْتَهُمْ بِهِ إِلَّا أُوذِيَ، فَكُلُّ مَنْ أَتَى الْقَوْمَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيذَاءِ بِقَدْرِ اتِّبَاعِهِ لِرَسُولِ اللهِ، وَيَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذَا الْقَانُونِ عَلَى قَدْرِ اتِّبَاعِهِ لِلرَّسُولِ وَعَلَى قَدْرِ تَمَسُّكِهِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ.
فَالدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَعْظَمُ الْوَظَائِفِ، لَا وَظِيفَةَ فَوْقَهَا، وَلَا أَحَدَ فَوْقَ الدُّعَاةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، فَهُمْ فَوْقَ الْعُلَمَاءِ.
((كَيْفِيَّةُ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ وَأُسْلُوبُهَا))
((لَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- كَيْفِيَّةَ الدَّعْوَةِ وَأُسْلُوبَهَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ وَفِيمَا جَاءَ فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ ﷺ.
وَمِنْ أَوْضَحِ ذَلِكَ: قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
فَأَوْضَحَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَّصِفَ بِهَا الدَّاعِيَةُ وَيَسْلُكَهَا، يَبْدَأُ أَوَّلًا بِالْحِكْمَةِ، وَالْمُرَادُ بِهَا: الْأَدِلَّةُ الْمُقْنِعَةُ الْوَاضِحَةُ الْكَاشِفَةُ لِلْحَقِّ، الدَّاحِضَةُ لِلْبَاطِلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمَعْنَى: بِالْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ الْحِكْمَةُ الْعَظِيمَةُ، وَلِأَنَّ فِيهِ الْبَيَانَ وَالْإِيضَاحَ لِلْحَقِّ بِأَكْمَلِ وَجْهٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: بِالْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ}: بِالْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْحِكْمَةُ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ، مَعْنَاهَا: الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ بِالْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ، وَالْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ الْمُقْنِعَةِ الْكَاشِفَةِ لِلْحَقِّ وَالْمُبَيِّنَةِ لَهُ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مُشْتَرَكَةٌ تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ؛ تُطْلَقُ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَعَلَى الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ، وَعَلَى الْعَقْلِ، وَعَلَى الْوَرَعِ، وَعَلَى أَشْيَاءَ أُخْرَى.
وَهِيَ فِي الْأَصْلِ كَمَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: الْأَمْرُ الَّذِي يَمْنَعُ عَنِ السَّفَهِ.
هَذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ وَكُلَّ مَقَالَةٍ تَرْدَعُكَ عَنِ السَّفَهِ، وَتَزْجَرُكَ عَنِ الْبَاطِلِ فَهِيَ حِكْمَةٌ، وَهَكَذَا كُلُّ مَقَالٍ وَاضِحٍ صَرِيحٍ صَحِيحٍ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ حِكْمَةٌ، فَالْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ أَوْلَى بِأَنْ تُسَمَّى حِكْمَةً، وَهَكَذَا السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أَوْلَى بِأَنْ تُسَمَّى حِكْمَةً بَعْدَ كِتَابِ اللهِ، وَقَدْ سَمَّى اللهُ -تَعَالَى- السُّنَّةَ حِكْمَةً فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 129] يَعْنِي: السُّنَّةَ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269].
فَالْأَدِلَّةُ الْوَاضِحَةُ تُسَمَّى حِكْمَةً، وَالْكَلَامُ الْوَاضِحُ الْمُصِيبُ لِلْحَقِّ يُسَمَّى حِكْمَةً، وَمِنْ ذَلِكَ الْحِكْمَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُلْتَزَمَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْأَدِلَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبِالْكَلَامِ الْوَاضِحِ الْمُصِيبِ لِلْحَقِّ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَكَمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي فَمِ الْفَرَسِ: الْحَكَمَةُ -بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْكَافِ- سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الْفَرَسَ مِنَ الْمُضِيِّ فِي السَّيْرِ إِذَا جَذَبَهَا صَاحِبُهَا بِهَذِهِ الْحَكَمَةِ.
فَالْحِكْمَةُ كَلِمَةٌ تَمْنَعُ مَنْ سَمِعَهَا مِنَ الْمُضَيِّ فِي الْبَاطِلِ، وَتَدْعُوهُ إِلَى الْأَخْذِ بِالْحَقِّ وَالتَّأَثُّرِ بِهِ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ الْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-.
فَعَلَى الدَّاعِي إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَدْعُوَ بِالْحِكْمَةِ، وَيَبْدَأَ بِهَا، وَيُعْنَى بِهَا.
فَإِذَا كَانَ الْمَدْعُوُّ عِنْدَهُ بَعْضُ الْجَفَاءِ وَالِاعْتِرَاضِ دَعَوْتَهُ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الْوَعْظُ وَالتَّرْغِيبُ.
فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ شُبْهَةٌ جَادَلْتَهُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَلَا تُغْلِظْ عَلَيْهِ، بَلِ اصْبِرْ عَلَيْهِ وَلَا تَتَعَجَّلْ وَلَا تَعْنُفْ، بَلِ اجْتَهِدْ فِي كَشْفِ الشُّبْهَةِ، وَإِيضَاحِ الْأَدِلَّةِ بِالْأُسْلُوبِ الْحَسَنِ.
هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ -أَيُّهَا الدَّاعِي إِلَى اللهِ- وَأَنْ تَتَحَمَّلَ وَتَصْبِرَ؛ لِأَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِالْحَقِّ وَقَبُولِهِ وَتَأَثُّرِ الْمَدْعُوِّ، وَصَبْرِهِ عَلَى الْمُجَادَلَةِ وَالْمُنَاقَشَةِ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- مُوسَى وَهَارُونَ لَمَّا بَعَثَهُمَا إِلَى فِرْعَوْنَ أَنْ يَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، وَهُوَ أَطْغَى الطُّغَاةِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي أَمْرِهِ لِمُوسَى وَهَارُونَ: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} [طه: 44].
وَقَالَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- فِي وَصْفِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأُسْلُوبَ الْحَكِيمَ وَالطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي حَكِيمًا فِي الدَّعْوَةِ، بَصِيرًا بِأُسْلُوبِهَا، لَا يَعْجَلْ وَلَا يَعْنُفْ، بَلْ يَدْعُو بِالْحِكْمَةِ، وَهِيَ الْمَقَالُ الْوَاضِحُ الْمُصِيبُ لِلْحَقِّ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ، وَبِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَالْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، هَذَا هُوَ الْأُسْلُوبُ الَّذِي يَنْبَغِي لِلدَّاعِي إِلَى اللهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
وَأَمَّا الدَّعْوَةُ بِالْجَهْلِ فَهَذَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَدْعُو بِجَهْلٍ يَضُرُّ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْفَعُ، وَيَصُدُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَقُولُ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِلَا عِلْمٍ؛ وَلِأَنَّ الدَّعْوَةَ مَعَ الْجَهْلِ بِالْأَدِلَّةِ قَوْلٌ عَلَى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهَكَذَا الدَّعْوَةُ بِالْعُنْفِ وَالشِّدَّةِ ضَرَرُهَا أَكْثَرُ، إِنَّمَا الْوَاجِبُ وَالْمَشْرُوعُ هُوَ الْأَخْذُ بِمَا بَيَّنَهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي سُورَةِ النَّحْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النحل: 125]، إِلَّا إِذَا ظَهَرَ مِنَ الْمَدْعُوِّ الْعِنَادُ وَالظُّلْمُ، فَلَا مَانِعَ مِنَ الْإِغْلَاظِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ اللهُ -سُبْحَانَهُ-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: 9]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46])).
فَهَذِهِ هِيَ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُتَّبَعَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
((الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ أَوَّلًا))
عِبَادَ اللهِ! مِنْ رَحْمَةِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِعِبَادِهِ أَنْ أَرْسَلَ لَهُمُ الرُّسُلَ، بَدْءًا بِنُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَانْتِهَاءً بِمُحَمَّدٍ ﷺ، أَرْسَلَهُمْ لِلدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالنَّـهْيِ عَنِ الشِّرْكِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
عِبَادَةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.
كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) تَضَمَّنَتِ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ.
تَضَمَّنَتْ نَفْيَ عِبَادَةِ مَا سِوَى اللهِ، وَإِثْبَاتَ الْعِبَادَةِ للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ فَمَنْ عَبَدَ اللهَ وَلَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ؛ فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ، وَمَا أَكْثَرَ الْجَهْلَ بِذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ!
مِثَالُ ذَلِكَ: مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ عِبَادَةِ الْقُبُورِ؛ فَهَذَا غَيْرُ مُوَحِّدٍ.
عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165]؛ أَوَّلُهُمْ نُوحٌ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ-، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَوحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163].
أَرْسَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ الْحِكْمَةَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}
الرُّسُلُ: هُمُ الْأَدِلَّاءُ عَلَى اللهِ، هُمُ الْقَادَةُ إِلَى مَرْضَاتِهِ وَجِنَانِهِ؛ فَبِهِمْ يُعْرَفُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتُعْرَفُ مَرْضَاتُهُ وَالطُّرُقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَيْهَا؛ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الرُّسُلِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِمْ وَسَلمَ-.
مَا هِيَ دَعْوَةُ الرُّسُلِ؟
إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَرْسَلَ هَذَا الرَّكْبَ الْمُبَارَكَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ؛ مِنْ أَجْلِ هِدَايَةِ الْبَشَرِيَّةِ لَمَّا حَادَتْ عَنِ الطَّرِيقِ وَضَلَّتْ، وَدَخَلَ الشِّرْكُ عَلَيْهَا فِي قَوْمِ نُوحٍ، فَأَرْسَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نُوحًا وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، إِلَى أَنْ جَاءَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٌ ﷺ.
وَدَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ: عِبَادَةُ اللهِ، وَاجْتِنَابُ الطَّاغُوتِ.
وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا رَسُولًا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَّمٍد -صَلى اللهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ-؛ يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ، وَالْإِيمَانَ بِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: ((مَعْنَى الطَّاغُوتِ: مَا تَجَاوَزَ الْعَبْدُ بِهِ حَدَّهُ؛ مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ)).
فَبَعَثَ اللهُ -تَعَالَى- فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا؛ يُحَذِّرُهُمْ، وَيُنْذِرُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِه -جَلَّ وَعَلَا-.
فَكُلُّ الرُّسُلِ مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: الْأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللهِ -تَعَالَى- وَحْدَهُ.
وَالثَّانِي: النَّهْيُ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، وَالْكُفْرُ بِهِ.
وَالطَّاغُوتُ يَشْمَلُ: كُلَّ مَنْ عُبِدَ بِبَاطِلٍ.
إِذَنْ؛ أَرْسَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُرْسَلِينَ دَاعِينَ إِلَى عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْكُفْرِ بِكُلِّ مَنْ وَمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ -جَلَّ وَعَلَا-، فَجَاءُوا جَمِيعًا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَهِيَ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ.
فَمَعْنَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ: نَفْيُ اسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللهِ، وَإِثْبَاتُهَا للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ.
((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) لَهَا رُكْنَانِ: النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ.
فَـ ((لَا إِلَهَ)): تَنْفِي الْعِبَادَةَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى.
((إِلَّا اللهُ)): تُثْبِتُ جَمِيعَ الْعِبَادَةِ للهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.
وَالنَّـفْيُ وَالْإِثْبَاتُ هُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأُنْزِلَتْ بِهِ الْكُتُبُ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ للهِ وَحْدَهُ؛ بِأَنْ يَشْهَدَ الْعَبْدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا يَعْبُدَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَلَا يَتَوَكَّلَ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يُوَالِيَ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُعَادِيَ إِلَّا فِيهِ، وَلَا يَعْمَلَ إِلَّا لِأَجْلِهِ.
وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ -كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ- نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ، وَلَا يَتِمُّ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِهِمَا؛ بِنَفْيِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى -مِنَ الْمُرْسَلِينَ؛ حَتَّى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ-، وَإِثْبَاتِ الْأُلُوِهيَّةِ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحْدَهُ.
فَلَا يَكْفِي النَّـفْيُ وَحْدَهُ، وَلَا يَكْفِي الْإِثْبَاتُ وَحْدَهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الِاثْنَيْنِ مُقْـتَرِنَيْنِ.
وَمَعْنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)): لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ.
وَلِهَذَا عَرَفَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ مَعْنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَقَالُوا مُتَعَجِّبِينَ كَمَا ذَكَر اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5].
وَإِلَّا فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ الرَّزَّاقُ الْكَرِيمُ؛ كَمَا قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [لقمان:25].
فَكَانُوا يَعْلَمُونَ مَعْنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوهَا، وَحَارَبُوا عَلَى رَفْضِهَا، وَلَمْ يَتَّبِعُوهَا، وَكَذَّبُوا الْمَبْعُوثَ بِهَا ﷺ.
وَمَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَارِفًا لِمَعْنَاهَا عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا؛ مِنْ نَفْيِ الشِّرْكِ، وَإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ، مَعَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ، وَالْعَمَلِ بِهِ؛ فَهُوَ الْمُسْلِمُ حَقًّا.
وَمَنْ عَمِلَ بِـ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ؛ فَهُوَ الْمُنَافِقُ حَقًّا.
وَمَنْ عَمِلَ بِخِلَافِهَا مِنَ الشِّرْكِ؛ فَهُوَ الْمُشْرِكُ الْكَافِرُ، وَإِنْ قَالَهَا بِلِسَانِهِ نُطْقًا.
وَ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)): كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ، هِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْـقَى، وَكَلِمَةُ التَّقْوَى، وَهِي كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ.
وَهِيَ الَّتِي قَامَتْ بِهَا السَّمَاوَاتُ والْأَرْضُ، وَشُرِعَ لِتَكْمِيلِهَا السُّنَّةُ وَالْفَرْضُ.
وَلِأَجْلِهَا جُرِّدَتْ سُيُوفُ الْجِهَادِ، فَمَنْ قَالَهَا وَعَمِلَ بِهَا صِدْقًا وَإِخْلَاصًا وَقَبُولًا وَمَحَّبَةً؛ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَشْرَفُ وَأَكْرَمُ مَقَامَاتِ التَّعَبُّدِ للهِ.. هِيَ أَكْرَمُ مَقَامٍ يَقُومُهُ عَبْدٌ لِرَبِّهِ أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا إِلَيْهِ، دَالًّا عَلَيْهِ، مُرْشِدًا إِلَى صِرَاطِهِ، مُتَّبِعًا لِسَبِيلِ نَبِيِّهِ، مُقِيمًا عَلَى ذَلِكَ، مُخْلِصًا فِيهِ، آتِيًا بِهِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِمَا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، -وَفِي رِوَايَةٍ-: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ-، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ». أَخْرَجَاهُ.
(( ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)): هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْيَمَنِ أَكْثَرَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَوْ أَغْلَبَ.
((فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ))؛ أَيْ: شَهِدُوا وَانْقَادُوا لِدَعْوَتِكَ، وَكَفَرُوا بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ؛ ((فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ))؛ أَيْ: أَوْجَبْ عَلَيْهِمْ ((خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ)).
((فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ)): آمَنُوا بِفَرْضِيَّتِهَا وأَقَامُوهَا؛ ((فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً)): أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ.
وَهَذِهِ الزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، لَسْنَا جُبَاةً، نَحْنُ هُدَاةٌ، نَحُنْ دُعَاةٌ وَلَسْنَا بِجُبَاةٍ، حَتَّى إِذَا مَا أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ فَرَضَهَا اللهُ -تَعَالَى- عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا تُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ: ((فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ))؛ لَنْ نَأْخُذَ مِنْكُمْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ؛ لِنَرُدَّ عَلَى فُقَرَائِكُمْ.
قَالَ: ((فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ)).
((كَرَائِمَ)): خِيَارُ الْمَالِ وَنَفَائِسُهُ، لِأَنَّ النَّفْسَ شَقِيقَةُ الْمَالِ، مُلْتَصِقَةٌ بِهِ؛ فَقَالَ: ((وَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ))؛ يَعْنِي: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ؛ فَاحْذَرْ أَنْ تَأْخُذَ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّمَا خُذِ الْوَسَطَ.. لَا تَأْخُذِ الدُّونَ، وَلَا تَأْخُذْ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ.
((وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ)): احْذَرْهَا، وَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا وِقَايَةً، بِفِعْلِ الْعَدْلِ وَتَرْكِ الظُّلْمِ.
((فَإِنَّهُ))؛ أَيِ: الْحَالُ وَالشَّأْنُ.
((لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ))؛ أَيْ: لَا تُحْجَبُ عَنِ اللهِ، بَلْ تُرْفَعُ إِلَيْهِ فَيَقْبَلُهَا.
النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا وَجَّهَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَى الْيَمَنِ دَاعِيًا إِلَى اللهِ وَمُعَلِّمًا، وَضَعَ لَهُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي يَسِيرُ عَلَيْهَا فِي دَعْوَتِهِ، فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ سَيُوَاجِهُ قَوْمًا أَهْلَ عِلْمٍ وَجَدَلٍ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ لِيَكُونَ عَلَى أُهْبَةٍ لِمُنَاظَرَتِهِمْ وَرَدِّ شُبَهِهِمْ.
ثُمَّ لِيَبْدَأْ فِي دَعْوَتِهِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، فَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى إِصْلَاحِ الْعَقِيدَةِ أَوَّلًا؛ فَالتَّوْحِيدُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ الْأَسَاسُ، فَإِذَا انْقَادُوا لِذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْوَاجِبَاتِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ، فَإِذَا أَقَامُوهَا أَمَرَ أَغْنِيَاءَهُمْ بِدَفْعِ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَى فُقَرَائِهِمْ؛ مُوَاسَاةً لَهُمْ وَشُكْرًا للهِ.
ثُمَّ حَذَّرَ مِنْ أَخْذِ جَيِّدِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْوَسَطُ، ثُمَّ حَثَّهُ عَلَى الْعَدْلِ وَتَرْكِ الظُّلْمِ؛ لِئَلَّا يَدْعُوَ عَلَيْهِ الْمَظْلُومُ، وَدَعْوَتُهُ مُسْتَجَابَةٌ.
فَأَوَّلُ مَا يُدْعَى إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمَعْنَاهَا: تَوْحِيدُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ وَتَرْكُ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ مَعْرِفَةِ الدَّاعِي لِأَحْوَالِ النَّاسِ)).
وَقَدْ أَرْشَدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى قَوَاعِدَ هَامَّةٍ يَسْتَنِيرُ بِضَوْئِهَا الدُّعَاةُ فِي دَعْوَتِهِمْ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ: التَّوْحِيدُ أَوَّلُ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الدُّعَاةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ».
فَالتَّوْحِيدُ أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ، وَلَا يُقْبَلُ أَيُّ عَمَلٍ بِدُونِهِ، هُوَ مَعْنَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ.
لَابُدَّ مِنَ التَّدَرُّجِ فِي الدَّعْوَةِ، وَقَدْ نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْفَرَائِضِ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ التَّوْحِيدِ؛ بَعْدَ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، فَإِذَا تَحَقَّقَ إِسْلَامُ الْمَدْعُوِّينَ دُعُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَالصَّلَاةُ وَسَائِرُ الْأَعْماَلِ لَا تَصِحُّ بِدُونِ التَّوْحِيدِ.
الصَّلَاةُ آكَدُ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ، فُرِضَتْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَأُمَّتِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، فَإِنْ أَقَامُوا الصَّلَاةَ فَعَلَيْهِمْ أَدَاءُ الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ أَوْجَبُ الْأَرْكَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
وَقَدْ قَرَن اللهُ --سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ نَحْذَرَ الظُّلْمَ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ، فَقَالَ: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ».
فَيَجِبُ تَرْكُ الظُّلْمِ بِكُلِّ أَنْوَاعِهِ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ -وَلَوْ كَانَ كَافِرًا- لَا تُرَدُّ وَلَا تُحْجَبُ عَنِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ؛ الإِمَامُ العَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ -عَزَّ وَجَلَّ-: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! لِأَهَمِّيَّةِ التَّوْحِيدِ مَكَثَ الرَّسُولُ ﷺ فِي مَكَّةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا يَدْعُو إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تُفْرَضْ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي اسْتَقَرَّ إِلَّا فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْبَعْثَةِ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ.
قَبْلَ ذَلِكَ كَانُوا يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بالْعَشِيِّ، وَحَتَّى بَعْدَمَا فُرِضَتْ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي جَمَاعَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ أَذَانٌ بِمَكَّةَ، إِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فِي الْقِصَّةِ الْمَعْرُوفَةِ وَالرُّؤْيَا الَّتِي عُلِّمَ فِيهَا الصَّحَابِيُّ الْأَذَانَ؛ فَهَذَا كُلُّهُ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
الزَّكَاةُ: مَا كَانُوا يَمْلِكُونَ فِي الْجُمْلَةِ شَيْئًا، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الشِّعْبَ أَكَلُوا لِحَاءَ الشَّجَرِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ يَتَبَوَّلُ لَيْلَةً فِي أَثْنَاءِ الْحِصَارِ فِي الشِّعْبِ، فَسَمِعَ تَحْتَ وَقْعِ الْبَوْلِ صَوْتًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ نَظَرَ فَإِذَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ جِلْدِ بَعِيرٍ، فَأَخَذَهَا فَغَسَلَهَا، ثُمَّ عَالَجَهَا بِالنَّارِ ثُمَّ اسْتَفَّهَا!
فَأَكَلُوا أَوْرَاقَ الشَّجَرِ وَلِحَاءَ الشَّجَرِ، ووَجَدُوا عَنَتًا عَظِيمًا؛ حَتَّى فَرَّجَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْهُمْ.
الصِّيَامُ: فُرِضَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
كَذَلِكَ الْقِتَالُ مُنِعُوا مِنْهُ فِي مَكَّةَ، وَلَمْ تُطْلَقْ أَيْدِيهِمْ بِالْقِتَالِ إِلَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.
فَمَاذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي مَكَّةَ؟
كَانُوا يَدْعُونَ إِلَى التَّوْحِيدِ، يُحَقِّقُونَ التَّوْحِيدَ، كَانُوا ثَابِتِينَ عَلَى التَّوْحِيدِ، لَمْ يَكُنْ فِي مَكَّةَ إِلَّا إِيمَانٌ صَرِيحٌ أَوْ كُفْرٌ صَرِيحٌ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا نِفَاقٌ، وَإِنَّمَا جَدَّ النِّفَاقُ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
فَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ لَا يَلْحَقُهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
فَالَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- -مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ تُفْرَضْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ كَمَا فُرِضَتْ عَلَى الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ فِي الْإِيمَانِ، وَفِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ فَهُمْ لَمْ يَجِدُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُعَالِجُونَ أَمْرًا آخَرَ؛ وَهُوَ أَصْلُ أُصُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ هُوَ تَوْحِيدُ الرَّبِّ الْكَرِيمِ، هُوَ نَبْذُ الشِّرْكِ وَمُحَارَبَتُهُ- فَهَؤُلَاءِ لَا يَلْحَقُ بِهِمْ أَحَدٌ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ.
فَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، هَؤُلَاءِ لَا يُشَقُّ لَهُم غُبَارٌ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِسَيْفِ اللهِ الْمَسْلُولِ -وَقَدْ لَقَّبَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ- لَمَّا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَأَمَّا خَالِدٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَقَدْ أَسْلَمَ فِي فَتْرَةِ الْمُوَادَعَةِ، مَا بَيْنَ سَنَةِ سِتٍّ وَسَنَةِ ثَمَانٍ، وَهُوَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَسْلَمَ خَالِدٌ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَغَيْرُهُمَا؛ فَتَأَخَّرَ إِسْلَامُ خَالِدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-- فَلَمَّا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- شَيْءٌ وَعَلِمَ النَّبِيُّ بِذَلِكَ، قَالَ: «يَا خَالِدُ! دَعْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ».
((وَالْمُدُّ)): أَنْ تَأْخُذَ بِجِمَاعِ يَدَيْكَ.
((وَالنَّصِيفُ)): نِصْفُ ذَلِكَ؛ أَنْ تَأْخُذَ فِي كَفِّكَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ.
فَلَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ تَصَدَّقَ بِمُدٍّ أَوْ بِنَصِيفِهِ مِنْ رَدِيءِ التَّمْرِ مِمَّا يَجِدُهُ -وَلَا يَجِدُ سِوَى ذَلِكَ-، فَإِنَّ مَنْ جَاءَ بَعْدُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْفُسِهِمْ.. ((.. لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ)).
فَجَاءَ وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- -وَهُمْ جَمِيعًا فِي رُتْبَةِ الصُّحْبَةِ، وَلَكِنَّهَا دَرَجَاتٌ- فَأَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا؛ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّ وَلَا نَصِيفَ مَنْ تَقَدَّمَ إِسْلَامُهُ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
لماذا؟!!
هَؤُلَاءِ أَجَابُوا لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ؛ فَوَحَّدُوا اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَثَبَتُوا عَلَى التَّوْحِيدِ، حَقَّقُوهُ وَدَعَوْا إِلَيْهِ، فَمَاتَ مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ دُونَهُ، وَعُذِّبَ مَنْ عُذِّبَ، وَشُرِّدَ مَنْ شُرِّدَ؛ فَثَبَتُوا عَلَى دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَجَاءَتِ الْأَحْكاَمُ بَعْدُ، فَالتَّوْحِيدُ أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ.
((وَلِلشَّيْخَيْنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيِنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهُ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ».
فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ: أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟».
فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ؛ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، وَقَالَ: «انْـفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهِمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ -تَعَالَى- فِيهِ، فَوَاللهِ لِأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ».
((يَدُوكُونَ))؛ أَيْ: يَخُوضُونَ.
((يَوْمَ خَيْبَرَ))؛ أَيْ: يَوْمَ حِصَارِ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ.
((لَأُعْطِيِنَّ الرَّايَةَ)): الرَّايَةُ: عَلَمُ الْجَيْشِ الَّذِي يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْكَرِّ وَالْفَرِّ.
((لَأُعْطِيِنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ)): وَهَذَا إِخْبَارٌ عَلَى وَجْهِ الْبِشَارَةِ بِحُصُولِ الْفَتْحِ.
كُلُّهُمْ كَانُوا عَلَى أَمَلِ وَرَجَاءِ أَنْ يُعْطَى الرَّايَةَ مِنْ غَدٍ، إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا فِي الْمُعَسْكَرِ، قَطَعَ الطَّمَعَ عَنْ أَنْ يَنَالَ هَذَا الشَّرَفَ فِي غَدٍ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْكُو عَيْنَيْهِ، وَلَا يُعْقَلُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَمُ الْجَيْشِ أَوْ رَايَتُهُ فِي يَدِ مَنْ لَا يُبْصِرُ أَمَامَهُ، كَيْفَ يُقَاتِلُ؟!!
فَبَاتَ يَشْكُو عَيْنَيْهِ، وَبَاتَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يَدُوكُونَ أَيُّهُمْ يُعْطَى الرَّايَةَ مِنْ غَدٍ؟
حَتَّى إِنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «مَا تَطَّلَعَتْ نَفْسِي لِلْإِمَارَةِ إِلَّا لَيْلَتَئِذٍ».
لِمَاذَا؟
لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَأُعْطِيِنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ))؛ فَهَذِهِ شَهَادَةٌ، فَكَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ هُوَ.
عَلِيٌّ وَحْدَهُ -رُبَّمَا فِي الْجَيْشِ كُلِّهِ- الَّذِي بَاتَ قَاطِعًا الطَّمَعَ عَنْ أَنْ يَنَالَ هَذا الشَّرَفَ، وَشَاءَ اللهُ شَيْئًا آخَرَ!
وَقَدْ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَدٍ، فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟)).
قَالُوا: إِنَّهُ يَشْكُو عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ يَعْنِي: دَعْكَ مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُؤَهَّلٍ لِأَنْ يَأْخُذَ هَذِهِ الرَّايَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْصِرُ أَمَامَهُ، هُوَ يَشْكُو عَيْنَيْهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((ادْعُوهُ))، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ الرَّسُولُ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ؛ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكْنُ بِهِ وَجَعٌ.
وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْعَطَاءَ مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَسْبَابِ؛ يَخْتَارُ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيُعْطِي اللهُ مَنْ يَشَاءُ، وَلَكِنْ عَرِّضْ نَفْسَكَ لِلرَّحْمَةِ، أَرِ اللهَ مِنْ قَلْبِكَ خَيْرًا، عَسَى اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَصْطَفِيَكَ وَأَنْ يَخْتَارَكَ.
اتَّقِ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقِفُونَ عِنْدَ حُدُودِ الْأَسْبَابِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ إِذَا أَخَذُوا بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ فَلَا بُدَّ أَنْ تُؤْتِيَ هَذِهِ الْأَسْبَابُ نَتَائِجَهَا لَا مَحَالَةَ، وَهَذَا خَطَأٌ بَيِّنٌ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُ بِالْأَسْبَابِ مُتَوَكِّلِينَ عَلَى رَبِّ الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُعْطِي بِالسَّبَبِ وَيُعْطِي بِلَا سَبَبٍ، عَطَاؤُهُ كَلَامٌ، وَعَذَابُهُ كَلَامٌ، يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.
فَهَذَا عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَطَعَ الطَّمَعَ مِنْ أَنْ يَنَالَ هَذَا الشَّرَفَ، فَأَبَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَّا أَنْ تَكُونَ الرَّايَةُ فِي يَدِهِ هُوَ، وأَبْرَأَهُ اللهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الْوَجَعِ، وَوَصَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ)).
فَلَمَّا تَقَدَّمَ بِالرَّايَةِ، قَالَ: ((إِلَى مَا أَدْعُوهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ!)) وَلَمْ يَلْتَفِتْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِالتَّقَدُّمِ؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ عِنْدَ السُّؤَالِ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَاِم، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ -تَعَالَى- فِيهِ)).
((انْفُذْ)) أَيِ: امْضِ عَلَى وِجْهِكَ ((عَلَى رِسْلِكَ)): عَلَى رِفْقِكَ مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ..)). عَلَى مَهْلِكَ؛ ((امْشِ هُوَيْنًا هُوَيْنًا؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ خَطِيرٌ؛ لِأَنَّهُ يُخْشَى مِنْ كَمِينٍ، وَالْيَهُودُ خُبَثَاءُ أَهْلُ غَدْرٍ)).
(( ((حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ)): بِفِنَاءِ أَرْضِهِمْ وَمَا قَرُبَ مِنْ حُصُونِهِمْ.
((ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ)): إِلَى الِاسْتِسْلَامِ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْخُلُوصِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
وَهَذَا تَعْرِيفُ الْإِسْلَامِ، هُوَ: الِاسْتِسْلَامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْخُلُوصُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. مَنْ حَقَّقَ هَذَا حَقَّقَ الْإِسْلَامَ.
((وَأَخْبِرْهُمْ))؛ أَيْ: إِذَا أَجَابُوكَ إِلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ التَّوْحِيدُ؛ فَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ اللهِ فِي الْإِسْلَامِ؛ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
((حُمْرُ النَّعَمِ)): الْإِبْلُ الْحُمْرُ، وَهِيَ: أَنْفَسُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ.
هَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ لَنَا فَضْلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، اخْتَارَهُمُ اللهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ؛ فَهُمْ خَيْرُ صَحْبٍ لِخَيْرِ نَبِيٍّ، وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ جَمِيعًا: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
وَهُمْ لِكُلِّ خَيْرٍ سَبَّاقُونَ وَلِفِعْلِهِ مُتَشَوِّقُونَ، وَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ يَوْمَ خَيْبَرَ بِأَنَّهُ سَيُعْطِي الرَّايَةَ لِرَجُلٍ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، سَهِرُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ يَبْحَثُونَ وَيَتَفَاوَضُونَ فِيمَنْ يُعْطَاهَا، وتَشَوَّقُوا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- إِلَى تِلْكَ الْبِشَارَةِ لَعَلَّهُمْ يَحُوزُونَ تِلْكَ الْمَنْقَبَةَ؛ لِحِرْصِهِمْ عَلَى الْخَيْرِ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ فِي الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ رَفِيقًا بِأَصْحَابِهِ شَفِيقًا عَلَيْهِمْ، وَلَمَّا سَأَلَ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِيُسَلِّمَهُ الرَّايَةَ، أَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ مِنْ رِيقِهِ فِي عَيْنَيْهِ؛ فَزَالَ مَا بِهَا مِنْ وَجَعٍ.
وَهَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ صِدْقِ نُبُوَّتِهِ ﷺ فَسَلَّمَهُ رَايَةَ الْجَيْشِ، وَأَوْصَاهُ بِالسَّيْرِ عَلَى مَهَلٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِسَاحَةِ الْكُفَّارِ، ثُمَّ يَدْعُوَهُم إِلَى الْإِسْلَامِ.
فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةٌ لِعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ))، وَهَذَا لَا يَعْنِي الْغُلُوَّ فِيهِ أَوْ رَفْعَهُ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ؛ بِدُعَائِهِ وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِ؛ فَهَذَا مِنَ الشِّرْك الْأَكْبَرِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الرَّوَافِضِ -عَامَلَهُمُ اللهُ بِعَدْلِهِ- الَّذِينَ يَغْلُونَ فِي عَلِيٍّ وَآلِ الْبَيْتِ غُلُوًّا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ.
عِبَادَ اللهِ! أَصْلُ الْإِسْلَامِ التَّوْحِيدُ، وَهُوَ مُقْتَضَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُمْ بِجِهَادِهِمْ هِدَايَةَ الْخَلْقِ إِلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ»؛ ادْعُهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ، إِلَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
فَهَذَا الْجِهَادُ كُلُّهُ مِنْ أَجْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لَهُ كَيْفَ يَدْعُوهُمْ؛ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قِتَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَتِ الدَّعْوَةُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَبْلُغْهُمْ فَيَجِبُ دَعْوَتُهُمْ قَبْلَ قِتَالِهِمْ.
وَقَدْ أَمَر النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا: إِنْ هُمْ أَجَابُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِمَا يَجِبُ مِنْ شَرَائِعِهِمُ الَّتِي لَابُدَّ لَهُمْ مِنْ فِعْلِهَا؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
عَلَيْنَا أَنْ نَحْرِصَ عَلَى هِدَايَةِ الْكُفَّارِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِنْقَاذِهِمْ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ، وَالشَّقَاءِ وَالضَّيَاعِ وَالضَّلَالِ فِي الدُّنْيَا؛ وَفِي هَذَا أَجْرٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ حَلَفَ النَّبِيُّ ﷺ تَرْغِيبًا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ فَقَالَ: ((فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))؛ أَيْ: هِدَايَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى يَدَيْكَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْإِبِلِ الْحُمْرُ؛ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِهَا لِأَنَّهَا أَنْفَسُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا مَثَلٌ لِلتَّقْرِيبِ إِلَى الْأَذْهَانِ؛ وَإِلَّا فَنَعِيمُ الْآخِرَةِ لَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا.
«لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَحْسَنُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا».
فَعَلَيْنَا أَنْ نَقْدُرَ التَّوْحِيدَ قَدْرَهُ، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَتِهِ وَفِي التَّحَقُّقِ بِهِ، وَأَنْ نَسْأَلَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُجَنِّبَنَا نَقِيضَهُ وَهُوَ الشِّرْكُ، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي تَعْلِيمِ الْأُمَّةِ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ دِينِ الْإِسْلَامِ الْكَرِيمِ.
وَمَا بَعَثَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الرُّسُلَ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَّا لِأَجْلِ هَذَا الْأَمْرِ؛ فَكُلُّ رَسُولٍ كَانَ يَبْدَأُ قَوْمَهُ بِقَوْلِهِ: {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].
وهَذَا هُوَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ، هُوَ حَقِيقَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
فَاتِّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ وَاتَّقِ اللهَ فِي مُسْتَقْبَلِكَ الْحَقِّ، يَعْنِي فِي آخِرَتِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَيَاةَ مَهْمَا طَالَتْ فَهِيَ مُنْتَهِيَةٌ وَهِيَ فَانِيَةٌ، وَأَمَّا الْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ فَهِيَ فِي الْآخِرَةِ: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64]؛ أي: لَهِيَ الْحَيَاةُ الْحَقَّةُ.
عَلَيْنَا أَنْ نَقْدُرَ التَّوْحِيدَ قَدْرَهُ.. احْذَرْ أَلَّا يَكُونَ عَظِيمًا فِي نَفْسِكَ، جَلِيلًا فِي قَلْبِكَ، سَامِقًا فِي خَيَالِكَ وَفِكْرِكَ!
اتَّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ! وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَشْرَكَ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ، وَلَيْسَتْ لَهُ مَغْفِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ غَيْرَ تَائِبٍ مِنْ شِرْكِهِ؛ فَهَذَا خَالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ.
اتَّقِ اللهَ! وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَعْلَمَهُ، لَا تُقَدِّمْ عَلَيْهِ شَيْئًا، سَتَأْتِي أُمُورٌ كَثِيرَةٌ؛ نَتَعَلَّمُ الْأُصُولَ أُصُولَ الْفِقْهِ، وَنَتَعَلَّمُ الْمُصْطَلَحَ، وَنَتَعَلَّمُ قَوَاعِدَ النَّظَرِ فِي الرِّجَالِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَسَانِيدِ.
نَتَعَلَّمُ أُمُورًا كَثِيرَةً؛ نَتَعَلَّمُ النَّحْوَ، وَنَتَعَلَّمُ الصَّرْفَ، وَنَتَعَلَّمُ الْبَلَاغَةَ، وَنَتَعَلَّمُ الْعَرُوضَ، نَتَعَلَّمُ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَلَكِنْ لَا نُقَدِّمُ شَيْئًا عَلَى هَذَا، فَهَذَا هُوَ الْمُقَدَّمُ دَائِمًا وَأَبَدًا؛ تَوْحِيدُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَنْ يُحَقِّقَهُ، وَأَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ، وَيَدْعُوَ رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُنَجِّيَهُ مِنْ نَقِيضِهِ وَأَنْ يُجَنِّبَهُ إِيَّاهُ؛ كَمَا كَانَ الْخَلِيلُ إِمَامُ الْحُنَفَاءِ يَفْعَلُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] .
((بَيَانُ الْأَمْرِ الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ إِجْمَالًا))
((وَأَمَّا بَيَانُ الْأَمْرِ الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ.. وَأَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي يُدْعَى إِلَيْهِ، وَيَجِبُ عَلَى الدُّعَاةِ أَنْ يُوَضِّحُوهُ لِلنَّاسِ، كَمَا أَوْضَحَهُ الرُّسُلُ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: فَهُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ دِينُ اللهِ الْحَقُّ، هَذَا هُوَ مَحَلُّ الدَّعْوَةِ، كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125].
فَسَبِيلُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ دِينُ اللهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، هَذَا هُوَ الَّذِي تَجِبُ الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ، لَا إِلَى مَذْهَبِ فُلَانٍ وَلَا إِلَى رَأْيِ فُلَانٍ، وَلَا إِلَى الْجَمَاعَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَلَا إِلَى الْفِرْقَةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَلَكِنْ إِلَى دِينِ اللهِ، إِلَى صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ نَبِيَّهُ وَخَلِيلَهُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَالسُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ الثَّابِتَةُ عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ.
وَعَلَى رَأْسِ ذَلِكَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، إِلَى الْإِخْلَاصِ للهِ وَتَوْحِيدِهِ -تَعَالَى- بِالْعِبَادَةِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ وِبِرُسُلِهِ، وَالْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِكُلِّ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، هَذَا هُوَ أَسَاسُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: الدَّعْوَةُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرُسُلِهِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْإِيمَانِ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ رُسُلُهُ، مِمَّا كَانَ وَمَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَأَمْرِ آخِرِ الزَّمَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ -أَيْضًا- الدَّعْوَةُ إِلَى مَا أَوْجَبَ اللهُ؛ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ.. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَيَدْخُلُ -أَيْضًا- فِي ذَلِكَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْأَخْذُ بِمَا شَرَعَ اللهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْجِنَايَاتِ، وَالنَّفَقَاتِ، وَالْحَرْبِ وَالسِّلْمِ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ دِينَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- دِينٌ شَامِلٌ يَشْمَلُ مَصَالِحَ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَيَشْمَلُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَيَدْعُو إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، وَيَنْهَى عَنْ سَفَاسِفِ الْأَخْلَاقِ وَعَنْ سَيِّئِ الْأَعْمَالِ.
فَهُوَ عِبَادَةٌ وَقِيَادَةٌ، يَكُونُ عَابِدًا، وَيَكُونُ قَائِدًا لِلْجَيْشِ.
عِبَادَةٌ وَحُكْمٌ؛ يَكُونُ عَابِدًا مُصَلِّيًا صَائِمًا، وَيَكُونُ حَاكِمًا بِشَرْعِ اللهِ، مُنَفِّذًا لِأَحْكَامِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
عِبَادَةٌ وَجِهَادٌ؛ يَدْعُو إِلَى اللهِ، وَيُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ مَنْ خَرَجَ عَنْ دِينِ اللهِ.
يَتَأَمَّلُ الْقُرْآنَ وَيَتَدَبَّرُهُ وَيُنَفِّذُ أَحْكَامَهُ.
سِيَاسَةٌ وَاجْتِمَاعٌ؛ فَهُوَ يَدْعُو إِلَى الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَالْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّآلُفِ بَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
فَدِينُ اللهِ يَدْعُو إِلَى الِاجْتِمَاعِ، وَإِلَى السِّيَاسَةِ الصَّالِحَةِ الْحَكِيمَةِ الَّتِي تُجَمِّعُ وَلَا تُفَرِّقُ، تُؤَلِّفُ وَلَا تُبَاعِدُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَخْذِ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَفِي ذَلِكَ صَفَاءُ الْقُلُوبِ، وَاحْتِرَامُ الْأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالنُّصْحُ للهِ وَلِعِبَادِهِ.
وَيَدْعُو إِلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَالْحُكْمِ بِالشَّرِيعَةِ، وَتَرْكِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، كَمَا قَالَ -سُبْحَانَه-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58].
وَهَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ يَدْعُو إِلَى الِاقْتِصَادِ الشَّرْعِيِّ الْمُتَوَسِّطِ، لَيْسَ بِرَأْسَمَالِيٍّ غَاشِمٍ ظَالِمٍ لَا يُبَالِي بِالْحُرُمَاتِ، وَيَجْمَعُ الْمَالَ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ وَبِكُلِّ طَرِيقٍ، وَلَيْسَ بِاقْتِصَادٍ شُيُوعِيٍّ إِلْحَادِيٍّ لَا يَحْتَرِمُ أَمْوَالَ النَّاسِ، وَلَا يُبَالِي بِالضَّغْطِ عَلَيْهِمْ وَظُلْمِهِمْ وَالْعُدْوَانِ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ هَذَا وَلَا هَذَا، بَلْ هُوَ وَسَطٌ بَيْنَ الِاقْتِصَادَيْنِ، وَوَسَطٌ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، وَحَقٌّ بَيْنَ الْبَاطِلَيْنِ، فَالْغَرْبُ عَظَّمُوا الْمَالَ وَغَلَوْا فِي حُبِّهِ وَفِي جَمْعِهِ، حَتَّى جَمَعُوهُ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، وَسَلَكُوا فِيهِ مَا حَرَّمَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-.
وَالشَّرْقُ مِنَ الْمُلْحِدِينَ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ لَمْ يَحْتَرِمُوا أَمْوَالَ الْعِبَادِ، بَلْ أَخَذُوهَا وَاسْتَحَلُّوهَا، وَلَمْ يُبَالُوا بِمَا فَعَلُوا فِي ذَلِكَ، بَلِ اسْتَعْبَدُوا الْعِبَادَ، وَاضْطَهَدُوا الشُّعُوبَ، وَكَفَرُوا بِاللهِ، وَأَنْكَرُوا الْأَدْيَانَ، وَقَالُوا: لَا إِلَهَ، وَالْحَيَاةُ مَادَّةٌ، فَلَمْ يُبَالُوا بِهَذَا الْمَالِ، وَلَمْ يَكْتَرِثُوا بِأَخْذِهِ بِغَيْرِ حِلِّهِ، وَلَمْ يَكْتَرِثُوا بِوَسَائِلِ الْإِبَادَةِ وَالِاسْتِعْبَادِ، بَلْ أَخَذُوا الْأَمْوَالَ وَحَالُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ، وَحَالُوا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا فَطَرَهُمُ اللهُ عَلَيْهِ مِنَ الْكَسْبِ وَالِانْتِفَاعِ، وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْ قُدُرَاتِهِمْ وَمِنْ عُقُولِهِمْ، وَمَا أَعْطَاهُمُ اللهُ مِنَ الْأَدَوَاتِ، فَهَذَا الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
الْإِسْلَامُ جَاءَ بِحِفْظِ الْمَالِ وَاكْتِسَابِهِ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الظُّلْمِ، وَالْغِشِّ، وَالرِّيَاءِ، وَظُلْمِ النَّاسِ، وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِمْ، كَمَا جَاءَ بِاحْتِرَامِ الْمِلْكِ الْفَرْدِيِّ وَالْجَمَاعِيِّ، فَهُوَ وَسَطٌ بَيْنَ النِّظَامَيْنِ، وَبَيْنَ الِاقْتِصَادَيْنِ، وَبَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ الْغَاشِمَيْنِ، فَأَبَاحَ الْمَالَ وَدَعَا إِلَيْهِ، وَدَعَا إِلَى اكْتِسَابِهِ بِالطُّرُقِ الْحَكِيمَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْغَلَ كَاسِبَهُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَعَنْ أَدَاءِ مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: ((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)).
وَكَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَرْفَعُهُ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)).
وَقَالَ ﷺ: ((لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِي بِحِزْمَةٍ مِنْ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفُّ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ سُؤَالِ النَّاسِ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ)). أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟)).
فَقَالَ: ((عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٌ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ رَافِعٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ الْجَامِعِ)).
وَفِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ))، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَكَانَ نَبِيُّ اللهِ دَاوُدُ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)).
فَهَذَا يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ نِظَامَ الْإِسْلَامِ فِي الْمَالِ نِظَامٌ مُتَوَسِّطٌ، لَا مَعَ رَأْسِ الْمَالِ الْغَاشِمِ مِمَّا أَتَى بِهِ الْغَرْبُ وَأَتْبَاعُهُمْ، وَلَا مَعَ الشُّيُوعِيِّينَ الْمُلْحِدِينَ الَّذِينَ اسْتَبَاحُوا الْأَمْوَالَ، وَأَهْدَرُوا حُرُمَاتِ أَهْلِهَا، وَلَمْ يُبَالُوا بِهَا، وَاسْتَعْبَدُوا الشُّعُوبَ وَقَضَوْا عَلَيْهَا، وَاسْتَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ مِنْهَا، فَلَكَ أَنْ تَكْسِبَ الْمَالَ، وَتَطْلُبَهُ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنْتَ أَوْلَى بِمَالِكَ وَبِكَسْبِكَ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ وَأَبَاحَهَا -عَزَّ وَجَلَّ-.
وَالْإِسْلَامُ يَدْعُو إِلَى الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَإِلَى النُّصْحِ للهِ وَلِعِبَادِهِ، وَإِلَى احْتِرَامِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ، لَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ وَلَا غِشَّ وَلَا خِيَانَةَ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
فَالْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، يَجِبُ عَلَيْهِ احْتِرَامُهُ وَعَدَمُ احْتِقَارِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إِنْصَافُهُ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا)). الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ الْجَامِعِ)) قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ)).
فَأَنْتَ -يَا أَخِي- مِرْآةُ أَخِيكَ، وَأَنْتَ لَبِنَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ بُنْيَانُ الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ، فَاتَّقِ اللهَ فِي حَقِّ أَخِيكَ، وَاعْرِفْ حَقَّهُ، وَعَامِلْهُ بِالْحَقِّ وَالنُّصْحِ وَالصِّدْقِ.
وَعَلَيْكَ أَنْ تَأْخُذَ الْإِسْلَامَ كُلَّهُ، وَلَا تَأْخُذْ جَانِبًا دُونَ جَانِبٍ، لَا تَأْخُذِ الْعَقِيدَةَ وَتَدَعِ الْأَحْكَامَ وَالْأَعْمَالَ، وَلَا تَأْخُذِ الْأَعْمَالَ وَالْأَحْكَامَ وَتَدَعِ الْعَقِيدَةَ، بَلْ خُذِ الْإِسْلَامَ كُلَّهُ، خُذْهُ عَقِيدَةً، وَعَمَلًا، وَعِبَادَةً، وَجِهَادًا، وَاجْتِمَاعًا، وَسِيَاسَةً، وَاقْتِصَادًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، خُذْهُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: 208].
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: مَعْنَى ذَلِكَ: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ جَمِيعِهِ، يَعْنِي: فِي الْإِسْلَامِ، يُقَالُ لِلْإِسْلَامِ: سِلْمٌ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقُ السَّلَامَةِ، وَطَرِيقُ النَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَهُوَ سِلْمٌ وَإِسْلَامٌ، فَالْإِسْلَامُ يَدْعُو إِلَى السِّلْمِ، يَدْعُو إِلَى حَقْنِ الدِّمَاءِ بِمَا شَرَعَ مِنَ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَالْجِهَادِ الشَّرْعِيِّ الصَّادِقِ، فَهُوَ سِلْمٌ وَإِسْلَامٌ، وَأَمْنٌ وَإِيمَانٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} أَيِ: ادْخُلُوا فِي جَمِيعِ شُعَبِ الْإِيمَانِ، لَا تَأْخُذُوا بَعْضًا وَتَدَعُوا بَعْضًا، عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا بِالْإِسْلَامِ كُلِّهِ، {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} يَعْنِي: الْمَعَاصِيَ الَّتِي حَرَّمَهَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُو إِلَى الْمَعَاصِي، وَإِلَى تَرْكِ دِينِ اللهِ كُلِّهِ، فَهُوَ أَعْدَى عَدُوٍّ؛ لِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْإِسْلَامِ كُلِّهِ، وَأَنْ يَدِينَ بِالْإِسْلَامِ كُلِّهِ، وَأَنْ يَعْتَصِمَ بِحَبْلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَأَنْ يَحْذَرَ أَسْبَابَ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلٌ آخَرُ لِلسَّلَفِ؛ لِأَنَّ {كَافَّةً} كَمَا قَالُوا تَكُونُ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ، وَتَكُونُ حَالًا مِنَ الْمَفْعُولِ.
أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْفَاعِلِ، الْمَعْنَى: ادْخُلُوا جَمِيعًا فِي الْإِسْلَامِ.
وَإِذَا جَمَعْنَا بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ -وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ كَمَا هِيَ الْقَاعِدَةُ: أَنَّ النَّصَّ إِذَا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ صَالِحَيْنِ صَحِيحَيْنِ بِلَا تَضَادٍّ وَلَا تَنَافُرٍ وَلَا اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمَا فَإِنَّنَا -حِينَئِذٍ- يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ-؛ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ} أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ {كَافَّةً} أَيِ: ادْخُلُوا جَمِيعًا فِي الْإِسْلَامِ جَمِيعِهِ.
فَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ.
وَعَلَيْكَ أَنْ تُحَكِّمَ شَرْعَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الْعِبَادَاتِ، وَفِي الْمُعَامَلَاتِ، وَفِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَفِي النَّفَقَاتِ، وَفِي الرَّضَاعِ، وَفِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ، وَمَعَ الْعَدُوِّ وَالصَّدِيقِ، وَفِي الْجِنَايَاتِ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ.
دِينُ اللهِ يَجِبُ أَنْ يُحَكَّمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُوَالِيَ أَخَاكَ لِأَنَّهُ وَافَقَكَ فِي كَذَا، وَتُعَادِيَ الْآخَرَ لِأَنَّهُ خَالَفَكَ فِي رَأْيٍ أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ مِمَّا يَتَّسِعُ الْخِلَافُ فِيهِ، فَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْإِنْصَافِ، فَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الصَّفَاءِ بَيْنَهُمْ، وَالْمُوَالَاةِ وَالْمَحَبَّةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
فَالْمُؤْمِنُ يَعْمَلُ بِشَرْعِ اللهِ، وَيَدِينُ بِالْحَقِّ، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِالدَّلِيلِ، وَلَكِنْ لَا يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى ظُلْمِ أَخِيهِ، وَلَا عَلَى عَدَمِ إِنْصَافِهِ إِذَا خَالَفَهُ فِي الرَّأْيِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي قَدْ يَخْفَى دَلِيلُهَا، وَهَكَذَا فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَدْ يُخْتَلَفُ فِي تَأْوِيلِ النَّصِّ فِيهَا؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ، عَلَيْكَ أَنْ تَنْصَحَ لَهُ، وَأَنْ تُحِبَّ لَهُ الْخَيْرَ، وَلَا يَحْمِلُكَ ذَلِكَ عَلَى الْعَدَاءِ وَالِانْشِقَاقِ، وَتَمْكِينِ الْعَدُوِّ مِنْكَ وَمِنْ أَخِيكَ -وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ-؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَكَ وَلَاؤُهُ، وَإِذَا كَانَ لِعَدُوِّهِ بَرَاؤُكَ؛ فَيَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تُوَالِيَهُ، وَأَنْ تُعَادِيَ مَنْ عَادَاهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ مُوَالِيًا وَمُعَادِيًا عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
الْإِسْلَامُ دِينُ الْعَدَالَةِ، وَدِينُ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَالْإِحْسَانِ، دِينُ الْمُسَاوَاةِ إِلَّا فِيمَا اسْتَثْنَى اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَفِيهِ الدَّعْوَةُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَفِيهِ الدَّعْوَةُ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، وَالْإِنْصَافِ وَالْعَدَالَةِ، وَالْبُعْدِ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ مَذْمُومٍ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13].
وَالْخُلَاصَةُ؛ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الدَّاعِيَةِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الْإِسْلَامِ كُلِّهِ، وَلَا يُفَرِّقَ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَلَّا يَكُونَ مُتَعَصِّبًا لِمَذْهَبٍ دُونَ مَذْهَبٍ، وَلَا لِقَبِيلَةٍ دُونَ قَبِيلَةٍ، وَلَا لِشَيْخِهِ وَلَا رَئِيسِهِ وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ هَدَفُهُ إِثْبَاتَ الْحَقِّ وَإِيضَاحَهُ، وَاسْتِقَامَةَ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ.
وَلَمَّا نَشَأَ فِي النَّاسِ مَنْ يَتَعَصَّبُ لِلْمَذَاهِبِ، وَيَقُولُ: إِنَّ مَذْهَبَ فُلَانٍ أَوْلَى مِنْ مَذْهَبِ فُلَانٍ؛ جَاءَتِ الْفُرْقَةُ وَجَاءَ الِاخْتِلَافُ، حَتَّى آلَ بِبَعْضِ النَّاسِ هَذَا الْأَمْرُ إِلَى أَلَّا يُصَلِّيَ مَعَ مَنْ هُوَ عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِهِ، فَلَا يُصَلِّي الشَّافِعِيُّ خَلْفَ الْحَنَفِيِّ، وَلَا الْحَنَفِيُّ خَلْفَ الْمَالِكِيِّ وَلَا خَلْفَ الْحَنْبَلِيِّ، وَهَكَذَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الْمُتَطَرِّفِينَ الْمُتَعَصِّبِينَ، وَهَذَا مِنَ الْبَلَاءِ وَمِنَ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، فَالْأَئِمَّةُ أَئِمَّةُ هُدًى: الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهُويَه، وَأَشْبَاهُهُمْ كُلُّهُمْ أَئِمَّةُ هُدًى وَدُعَاةُ حَقٍّ، دَعَوُا النَّاسَ إِلَى دِينِ اللهِ، وَأَرْشَدُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَوَقَعَ هُنَاكَ مَسَائِلُ بَيْنَهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهَا؛ لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَهُمْ بَيْنَ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٍ لَهُ أَجْرَانِ، وَمُجْتَهِدٍ أَخْطَأَ الْحَقَّ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ.
فَعَلَيْكَ أَنْ تَعْرِفَ لَهُمْ قَدْرَهُمْ وَفَضْلَهُمْ، وَأَنْ تَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ تَعْرِفَ أَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ وَدُعَاةُ الْهُدَى، وَلَكِنْ لَا يَحْمِلَنَّكَ ذَلِكَ عَلَى التَّعَصُّبِ وَالتَّقْلِيدِ الْأَعْمَى، فَتَقُولُ: مَذْهَبُ فُلَانٍ أَوْلَى بِالْحَقِّ بِكُلِّ حَالٍ، أَوْ مَذْهَبُ فُلَانٍ أَوْلَى بِالْحَقِّ لِكُلِّ حَالٍ لَا يُخْطِئُ؛ هَذَا غَلَطٌ.
عَلَيْكَ أَنْ تَأْخُذَ بِالْحَقِّ، وَأَنْ تَتَّبِعَ الْحَقَّ إِذَا ظَهَرَ دَلِيلُهُ وَلَوْ خَالَفَ فُلَانًا أَوْ فُلَانًا، وَعَلَيْكَ أَلَّا تَتَعَصَّبَ وَتُقَلِّدَ التَّقْلِيدَ الْأَعْمَى، بَلْ تَعْرِفُ لِلْأَئِمَّةِ فَضْلَهُمْ وَقَدْرَهُمْ، وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ تَحْتَاطُ لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ، فَتَأْخُذُ بِالْحَقِّ وَتَرْضَى بِهِ، وَتُرْشِدُ إِلَيْهِ إِذَا طُلِبَ مِنْكَ، وَتَخَافُ اللهَ وَتُرَاقِبُهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَتُنْصِفُ مِنْ نَفْسِكَ، مَعَ إِيمَانِكَ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ إِنْ أَصَابُوا فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ -أَعْنِي: مُجْتَهِدِي أَهْلِ السُّنَّةِ، أَعْنِي: أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْهُدَى- كَمَا صَحَّ بِذَلِكَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ )).
وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَالتَّفَرُّقِ بِسَبَبِ الْفِرَقِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالْأَحْزَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَصَارَتْ فِرَقًا، وَصَارَتْ شِيَعًا، وَصَارَتْ أَحْزَابًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، فَهَذَا أَدَّى إِلَى اخْتِلَافٍ عَظِيمٍ، بَلْ أَدَّى إِلَى تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ أَنَّهُمُ الْجَمَاعَةُ الْأُمُّ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقَدْ حَكَمُوا عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي جَمَاعَتِهِمْ بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا نَحْنُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ فَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ.
هُمْ لَا يَخْرَجُونَ عَنْ أَنْ يَكُونُوا جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَالُ لَهُمْ -حِينَئِذٍ-: لِمَاذَا تَحَزَّبْتُمْ نَاحِيَةً عَنِ الْمُسْلِمِينَ؟!!
وَلِمَاذَا صِرْتُمْ جَمَاعَةً فَخَرَجْتُمْ عَنِ التَّيَّارِ الْعَامِّ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ؟!!
لِمَاذَا انْتَحَيْتُمْ نَاحِيَةً؟!!
وَلِمَاذَا اجْتَنَبْتُمُ الْمُسْلِمِينَ؟!!
وَلِمَاذَا جَعَلْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ رَجُلًا أَوْ قَوْلًا، فَنَاصَبْتُمُ الْآخَرِينَ الْعَدَاوَةَ عَلَيْهِ، وَجَعَلْتُمُ الْوَلَاءَ وَالْبَرَاءَ عَلَيْهِ؟!! مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْصِبَ رَجُلًا وَلَا كِتَابًا وَلَا رَأْيًا وَلَا مَذْهَبًا يُوَالِي عَلَيْهِ وَيُعَادِي عَلَيْهِ، هَذَا مِمَّا لَا يُقْبَلُ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا مِنَ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ فِي دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا الِاخْتِلَافُ وَقَعَ الضَّعْفُ فِي الْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ كَانَتْ عَلَى خَيْرٍ -وَهِيَ عَلَى خَيْرٍ بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-، وَكَانَتْ قَوِيَّةً عَزِيزَةً لَمَّا تَحَلَّقَتْ حَوْلَ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، تَابِعَةً لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ، فَهُمُ الْأَدْرَى وَالْأَعْلَمُ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ وَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُمُ الْأَدْرَى وَالْأَعْلَمُ بِأَسْبَابِ النُّزُولِ، وَكَذِلِكَ مَا وَرَدَ فِي أَسْبَابِ الْوُرُودِ لِلْأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِمُرَادِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ كُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ، وَهُمْ أَصْحَابُ السَّلِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ كَلَامَ اللهِ وَكَلَامَ رَسُولِهِ ﷺ.
فَلَمَّا دَبَّ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَخَرَجَ الْخَوَارِجُ، وَظَهَرَتِ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ، وَظَهَرَ الرَّوَافِضُ وَالشِّيعَةُ، وَجَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّجَهُّمُ وَالِاعْتِزَالُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْفَرَقِ النَّارِيَّةِ إِلَى هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِمَّا صَارَ النَّاسُ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْفِرَقِ وَالْجَمَاعَاتِ الْمَعْلُومَةِ؛ دَبَّ الضَّعْفُ فِي الْأُمَّةِ، وَصَارَ أَهْلُهَا مُتَعَادِينَ، فَصَارُوا مُتَشَرْذِمِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى قَوْلٍ، وَلَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى إِمَامٍ، وَإِنَّمَا لِكُلٍّ إِمَامُهُ، وَلِكُلٍّ قَوْلُهُ، وَلِكُلٍّ مَذْهَبُهُ، لِكُلٍّ أَمِيرُهُ، وَلِكُلٍّ مُرْشِدُهُ، وَلِكُلٍّ قَائِدُهُ، وَلِكُلٍّ مُسَلِّكُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْخُرَافَاتِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا إِلَى ضَيَاعِ عِزِّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَالَّذِي لَا يَعُودُ إِلَيْهِمْ إِلَّا بِالْعَوْدَةِ إِلَى كِتَابِ اللهِ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الَّذِي هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)).
فَجَعَلَ هَذَا الذُّلَّ نَازِلًا، وَبِهِمْ مُلْتَصِقًا، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ حَالًّا لَا يَبْرَحُ إِلَّا إِذَا عَادُوا إِلَى دِينِهِمْ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ جَمَاعَةٍ وَكُلَّ فِرْقَةٍ وَكُلَّ نِحْلَةٍ وَكُلَّ شِرْذَمَةٍ يَدَّعُونَ أَنَّ الدِّينَ مَا يَعْرِفُونَ، وَيَدَّعُونَ أَنَّ الدِّينَ مَا إِلَيْهِ يَدْعُونَ، فَإِذَنْ؛ كَيْفَ نُطَبِّقُ هَذَا الْقَوْلَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ: ((حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ))؟!
كُلٌّ يَدَّعِي أَنَّ مَا مَعَهُ هُوَ الدِّينُ الَّذِي يَنْبَغِي الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَهَذَا خَطَأٌ بَلِيغٌ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَدَعْ هَذَا لِنَهْبِ الظُّنُونِ، وَلَمْ يَدَعْ هَذَا لِمَسِيرَاتِ الْأَوْهَامَ فِي دُنْيَا الْأَحْلَامِ، بَلْ إِنَّهُ ﷺ وَضَّحَهُ بِتَوْضِيحٍ قَاطِعٍ، وَبَيَّنَهُ بِحَدٍّ جَامِعٍ مَانِعٍ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْأُمَّةِ وَتَشَرْذُمَهَا عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٍ ذَكَرَ أَنَّهَا جَمِيعَهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، فَلَمَّا قَالُوا: ((مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟)).
قَالَ: ((مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي)).
هَذَا هُوَ الدِّينُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الدِّينِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَعَلَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ، وَأَخَذُوا بِالتَّصْفِيَةِ فَنَقَّوُا الدِّينَ مِمَّا شَابَهُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ دَخِيلٍ وَشَابِئَةٍ، ثُمَّ تَرَبَّوْا عَلَى هَذَا الدِّينِ الْمُصَفَّى فَقَدْ رَجَعُوا إِلَى الدِّينِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ فَهْمَهُمْ هُوَ الْفَهْمُ، وَلِأَنَّ مَنْهَجَهُمْ هُوَ الْمَنْهَجُ، وَلِأَنَّ اتِّبَاعَهُمْ هُوَ الْأَصْوَبُ، بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَقُولُ فِي حِلْيَةِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ مِنَ النَّارِ الَّتِي يُنْقِذُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ التَّوَرُّطِ وَالِاقْتِحَامِ فِي النِّيرَانِ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً، يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي))؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ طَبَّقُوا ذَلِكَ فِي الْوُجُودِ عَمَلًا، وَأَتَوْا بِهِ فِي الْكَوْنِ تَطْبِيقًا، وَهُمُ الَّذِينَ فَهِمُوا الْمَرَامَ، وَعَرَفُوا وَسَائِلَ الْأَحْكَامِ، وَهُمُ الَّذِينَ ضَبَطُوا ذَلِكَ فَسَارُوا خَلْفَ النَّبِيِّ الْهُمَامِ ﷺ.
((الْهَدَفُ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ))
((أَمَّا الْمَقْصُودُ مِنَ الدَّعْوَةِ وَالْهَدَفُ مِنْهَا.. هَذَا مُهِمٌّ، يَعْنِي أَنْتَ تَدْعُو إِلَى اللهِ، لِمَاذَا تَدْعُو إِلَى اللهِ؟!
سَتَكْتَشِفُ أَنَّكَ -أَحْيَانًا- تَدْعُو إِلَى شَيْءٍ لَا تَفْعَلُهُ، وَرُبَّمَا إِلَى أَمْرٍ لَا تَعْتَقِدُهُ، إِذَا عَرَفْتَ حَقِيقَةَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ فَهَذَا وَاجِبٌ.
النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا، إِذَا كَانَ الْمَرْءُ جَاهِلًا بِحَقِيقَةِ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَدْعُو؟!
هَذَا إِمَّا مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ، وَإِمَّا مُتَقَوِّلٌ عَلَى اللهِ.
الْمَقْصُودُ وَالْهَدَفُ: إِخْرَاجُ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَإِرْشَادُهُمْ إِلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْخُذُوا بِهَِ، وَيَنْجُوا مِنَ النَّارِ، وَيَنْجُوا مِنْ غَضَبِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
الْمَقْصُودُ وَالْهَدَفُ إِخْرَاجُ الْكَافِرِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ إِلَى النُّورِ وَالْهُدَى، وَإِخْرَاجُ الْجَاهِلِ مِنْ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ إِلَى نُورِ الْعِلْمِ، وَالْعَاصِي مِنْ ظُلْمَةِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى نُورِ الطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ، هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الدَّعْوَةِ.
الْغَرَضُ مِنَ الدَّعْوَةِ وَالْهَدَفُ مِنْهَا تَعْبِيدُ الْخَلْقِ لِلْخَلَّاقِ الْعَظِيمِ، أَنْ يَكُونُوا عِبَادًا للهِ، فَالْكَافِرُ يَخْرُجُ مِنْ كُفْرِهِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَالْجَاهِلُ يَخْرُجُ مِنْ جَهْلِهِ إِلَى الْعِلْمِ وَالِاتِّبَاعِ، وَالْعَاصِي يَخْرُجُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْإِنَابَةِ، تَعْبِيدُ الْخَلْقِ لِلْخَلَّاقِ الْعَظِيمِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257].
فَالرُّسُلُ بُعِثُوا لِيُخْرِجُوا النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَدُعَاةُ الْحَقِّ -كَذَلِكَ- يَقُومُونَ بِالدَّعْوَةِ وَيَنْشَطُونَ لَهَا؛ لِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَلِإِنْقَاذِهِمْ مِنَ النَّارِ وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، وَلِإِنْقَاذِهِمْ مِنْ طَاعَةِ الْهَوَى، وَلِحَمْلِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ )).
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا وَاضِحًا، مَعْرِفَةُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ، هَذَا أَوَّلُ شَيْءٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَنْتَ مَدْعُوًّا إِلَيْهِ أَوَّلًا، أَفَتَدْعُو إِلَى أَمْرٍ لَا تَأْخُذُ بِهِ؟!
أَفَتَدْعُو إِلَى أَمْرٍ لَا تَقْتَنِعُ بِهِ؟!
أَفَتَأْخُذُ بِأَمْرٍ عَلَى ضِدِّ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ؟!
فَكَأَنَّكَ تَقُولُ لِلنَّاسِ: لَا تَتْبَعُونِي، وَلَا تَسْمَعُوا كَلَامِي، عِنْدَمَا يُخَالِفُ عَمَلُكَ وَقَوْلُكَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَمَا تُرْشِدُ إِلَيْهِ، وَتَكُونُ حَيَاتُكَ فِي نَاحِيَةٍ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَكَأَنَّكَ تَصِيحُ عَلَى نَفْسِكَ: أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تَسْمَعُوا كَلَامِي، وَلَا تُصَدِّقُونِي، فَأَنْتَ أَعْدَى عَدُوٍّ لِنَفْسِكَ حِينَئِذٍ؟!
((حَالُ الْمُجْتَمَعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَحَاجَتُهَا إِلَى الدَّعْوَةِ))
لَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ -تَعَالَى- الْمُرْسَلِينَ أَجْمَعِينَ دَاعِينَ إِلَى تَوْحِيدِهِ -تَعَالَى- وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ, وَكَانُوا -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- يُعَالِجُونَ مَعَ ذَلِكَ مَا تَفَشَّى مِنَ الْأَمْرَاضِ الْخُلُقِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ فِي أَقْوَامِهِمْ.
فَدَعَا لُوطٌ قَوْمَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ -تَعَالَى-, وَالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ مِنَ الرَّذِيلَةِ وَالْفَاحِشَةِ.
وَدَعَا شُعَيْبٌ قَوْمَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ -تَعَالَى-, وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ بِعَدَمِ إِخْسَارِ الْمِيزَانِ وَتَطْفِيفِ الْكَيْلِ, وَهَكَذَا سَائِرُهُمْ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-.
وَالْمُجْتَمَعَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي الْأَقْطَارِ الْمُخْتَلِفَةِ الْيَوْمَ تُعَانِي أَمْرَاضَهَا مِمَّا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا جَمِيعًا, وَمِمَّا يَنْفَرِدُ بِهِ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ.
وَالدُّعَاةُ إِلَى اللهِ فِي كُلِّ قُطْرٍ -بِجَانِبِ دَعْوَتِهِمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَنَبْذِ الشِّرْكِ- يَحْتَاجُونَ إِلَى مُعَالَجَةِ مَا يَتَفَشَّى بَيْنَ أَقْوَامِهِمْ مِنْ أَمْرَاضِهِمْ, وَمَا أَكْثَرَهَا!
إِنَّ الْغَزْوَ الْفِكْرِيَّ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَهُ أَبْنَاءُ الْإِسْلَامِ عَامَّةً وَشَبَابُهُمْ خَاصَّةً يُؤْتِي ثِمَارَهُ الْمُرَّةَ إِلْحَادًا وَزَيْغًا, وَاسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ, وَاسْتِهَانَةً بِالثَّوَابِتِ, وَتَطَاوُلًا عَلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ, وَجُهُودُ أَهْلِ الْحَقِّ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ- مَصْرُوفَةٌ عَنِ التَّصَدِّي لِذَلِكَ, وَمُجَابَهَةِ مَدِّهِ الْعَالِي وَزَحْفِهِ الْعَاتِي, وَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ!
وَالْغَزْوُ الْفِكْرِيُّ: تَعْبِيرٌ دَقِيقٌ يُصَوِّرُ خُطُورَةَ الْآثَارِ الْفِكْرِيَّةِ الَّتِي قَدْ يَسْتَهِينُ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهَا تَمْضِي بَيْنَهُمْ فِي صَمْتٍ وَبِنُعُومَةٍ.
وَيُقْصَدُ بِالْغَزْوِ الْفِكْرِيِّ: مَجْمُوعَةُ الْجُهُودِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى أُمَّةٍ أُخْرَى, أَوِ التَّأْثِيرِ عَلَيْهَا حَتَّى تَتَّجِهَ وِجْهَةً مُعَيَّنَةً, وَذَلِكَ بِغَيْرِ الْوَسَائِلِ الْعَسْكَرِيَّةِ.
وَسِلَاحُ هَذَا الْغَزْوِ: هُوَ الْفِكْرَةُ وَالْكَلِمَةُ, وَالرَّأْيُ وَالْحِيلَةُ, وَالنَّظَرِيَّاتُ وَالشُّبُهَاتُ, وَخِلَابَةُ الْمَنْطِقِ, وَبَرَاعَةُ الْعَرْضِ, وَشِدَّةُ الْجَدَلِ, وَلَدَادَةُ الْخُصُومَةِ، وَتَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقُومُ مَقَامَ السَّيْفِ وَالصَّارُوخِ فِي أَيْدِي الْجُنُودِ.
وَتَعْبِيرُ الْغَزْوِ الْفِكْرِيِّ عَلَى حَدَاثَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَدِيمُ الْمَدْلُولِ وَالْمَعْنَى, وَفِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ- صُوَرٌ كَثِيرَةٌ تُبَيِّنُ ضَرَاوَةَ مَا وَاجَهُوهُ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْحُرُوبِ الْفِكْرِيَّةِ, الَّتِي قَادَهَا ضِدَّهُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَبَرَعُوا فِي وَسَائِلِهَا؛ مِنْ تَشْنِيعٍ وَإِرْجَافٍ, وَاخْتِرَاعِ النَّقَائِصِ, وَإِلْصَاقِ التُّهَمِ, وَإِثَارَةِ الْجَدَلِ, وَإِطْلَاقِ الشُّبُهَاتِ, حَتَّى أَسَالِيبُ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ لَمْ تَفُتْهُمْ فِي هَذَا الْمَجَالِ.
وَيَتَّصِفُ الْغَزْوُ الْفِكْرِيُّ بِالشُّمُولِ وَالِامْتِدَادِ, فَهُوَ حَرْبٌ دَائِمَةٌ دَائِبَةٌ لَا يَحْصُرُهَا مَيْدَانٌ, بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى شُعُبِ الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ جَمِيعًا, وَتَسْبِقُ حُرُوبَ السِّلَاحِ وَتُوَاكِبُهَا, ثُمَّ تَسْتَمِرُّ بَعْدَهَا لِتَكْسِبَ مَا عَجَزَ السِّلَاحُ عَنْ تَحْقِيقِهِ, فَتَشَلُّ إِرَادَةَ الْمَهْزُومِ وَعَزِيمَتَهُ حَتَّى يَلِينَ وَيَسْتَكِينَ, وَتَنْقُضَ تَمَاسُكَهُ النَّفْسِيَّ حَتَّى يَذُوبَ كِيَانُهُ, فَيَقْبَلُ التَّلَاشِي وَالْفَنَاءَ فِي بَوْتَقَةِ أَعْدَائِهِ, أَوْ يُصْبِحُ امْتِدَادًا ذَلِيلًا لَهُمْ، بَلْ رُبَّمَا تَبْلُغُ حَدًّا مِنَ الْإِتْقَانِ يَصِلُ بِهَا إِلَى أَغْوَارِ النَّفْسِ، فَتَقْلِبُ مَعَايِيرَهَا وَمَفَاهِيمَهَا, وَتُشَكِّلُ لَهَا أَنْمَاطًا جَدِيدَةً فِي السُّلُوكِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَذْوَاقِ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْمَهْزُومَ يَفْخَرُ فِيهَا بِتَبَعِيَّتِهِ, وَيَرَاهَا شَرَفًا خَلِيقًا بِالرِّضَا وَالشُّكْرَانِ، أَيْ أَنَّ الضَّحِيَّةَ تَحْتَفِي بِالْجَزَّارِ!
وَلَقَدْ أَدْرَكَ الْأُورُوبِّيُونَ -بَعْدَ فَشَلِ حَمْلَاتِهِمُ الصَّلِيبِيَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْمُتَكَرِّرَةِ عَلَى الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ- أَدْرَكُوا أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوبَ الْعَسْكَرِيَّةَ وَحْدَهَا لَنْ تُحَقِّقَ لَهُمُ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَبَيَّنَ لَهُمْ بِجَلَاءٍ بَعْدَ تَجَارِبَ مَرِيرَةٍ مَعَ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَنَّ الْإِسْلَامَ نَفْسَهُ -عَقِيدَةً وَمَنْهَجًا- هُوَ الْمَصْدَرُ الَّذِي يَمُدُّ الْمُسْلِمِينَ بِعَوَامِلِ الْقُوَّةِ وَالثَّبَاتِ، فَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ الْأُمَّةَ فِي وِحْدَةٍ مُتَآلِفَةٍ عَلَى اخْتِلَافِ شُعُوبِهَا، وَهُوَ الَّذِي يَحُثُّهَا عَلَى الْجِهَادِ وَالْقِتَالِ، وَيَجْعَلُهُ فَرْضًا وَاجِبًا عَلَيْهَا، وَهُوَ الَّذِي يُرَبِّيهَا عَلَى شَخْصِيَّةٍ مُتَمَيِّزَةٍ تَرْفُضُ الْخُضُوعَ لِغَيْرِهَا, وَتَحْرِصُ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَنْ تَكُونَ نَسِيجًا مُتَفَرِّدًا يَقُودُ الْأُمَمَ وَلَا يَنْقَادُ، وَيَعْتَزُّ بِنَفْسِهِ وَلَا يَرْضَى لَهَا الدَّنِيَّةَ أَبَدًا؛ وَلِهَذَا تَحَطَّمَتْ كُلُّ الْحَمْلَاتِ الصَّلِيبِيَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ، بَلْ كَانَتْ سَبَبًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ فِي إِثَارَةِ رُوحِ الْجِهَادِ، وَبَثَّتِ الْحَمَاسَةَ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ أَوْقَاتَ ضَعْفِهِمْ وَتَشَتُّتِهِمْ.
لِذَلِكَ رَأَيْنَا عَلَى مَدَارِ التَّارِيخِ -قَدِيمِهِ وَحَدِيثِهِ- مَنْ يُنَادِي مِنَ الْأُورُوبِّيِّينَ بِضَرُورَةِ أَنْ تُوَجِّهَ أُورُوبَّا اهْتِمَامَهَا إِلَى إِضْعَافِ تَمَسُّكِ الْمُسْلِمِينَ بِدِينِهِمْ بِشَتَّى الْوَسَائِلِ؛ لِأَنَّ إِبْعَادَ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ يُجَرِّدُهُمْ مِنْ مَصْدَرِ قُوَّتِهِمْ, فَيَسْهُلُ بَعْدَهَا غَزْوُهُمْ عَسْكَرِيًّا وَهَزِيمَتُهُمْ.
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ لُوِيس التَّاسِعِ مَلِكِ فَرَنْسَا -بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ حَمْلَتِهِ الصَّلِيبِيَّةِ الْفَاشِلَةِ عَلَى مِصْرَ؛ فَقَدْ أُسِرَ وَحُبِسَ فِي (دَارِ ابْنِ لُقْمَانَ) بِالْمَنْصُورَةِ, وَأُطْلِقَ سَرَاحُهُ بَعْدَ دَفْعِ فِدْيَةٍ كَبِيرَةٍ-: ((إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِانْتِصَارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ خِلَالِ حَرْبٍ, وَإِنَّمَا يُمْكِنُ الِانْتِصَارُ عَلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ السِّيَاسَةِ بِاتِّبَاعِ مَا يَلِي:
* إِشَاعَةُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ قَادَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا حَدَثَتْ فَلْيُعْمَلْ عَلَى تَوْسِيعِ شُقَّتِهَا مَا أَمْكَنَ؛ حَتَّى يَكُونَ هَذَا الْخِلَافُ عَامِلًا فِي إِضْعَافِ الْمُسْلِمِينَ.
* عَدَمُ تَمْكِينِ الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَقُومَ فِيهَا حُكْمٌ صَالِحٌ.
* إِفْسَادُ أَنْظِمَةِ الْحُكْمِ فِي الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ بِالرِّشْوَةِ، وَالْفَسَادِ، وَالنِّسَاءِ؛ حَتَّى تَنْفَصِلَ الْقَاعِدَةُ عَنِ الْقِمَّةِ.
* الْحَيْلُولَةُ دُونَ قِيَامِ جَيْشٍ مُؤْمِنٍ بِحَقِّ وَطَنِهِ عَلَيْهِ يُضَحِّي فِي سَبِيلِ مَبَادِئِهِ.
* الْعَمَلُ عَلَى الْحَيْلُولَةِ دُونَ قِيَامِ وَحْدَةٍ عَرَبِيَّةٍ فِي الْمَنْطِقَةِ.
* الْعَمَلُ عَلَى قِيَامِ دَوْلَةٍ غَرْبِيَّةٍ فِي الْمَنْطِقَةِ الْعَرَبِيَّةِ تَمْتَدُّ مَا بَيْنَ غَزَّةَ جَنُوبًا وَأَنْطَاكِيَّةَ شَمَالًا، ثُمَّ تَتَّجِهُ شَرْقًا، وَتَمْتَدُّ حَتَّى تَصِلَ إِلَى الْغَرْبِ!)).
وَلَقَدْ قَامَ الْغَرْبُ الصَّلِيبِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَرْعِ الدَّوْلَةِ الْعِبْرِيَّةِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي حَدَّدَهُ هَذَا الْحَاقِدُ الْمَوْتُورُ.
وَيَقُولُ (جْلَاد اسْتُون) -رَئِيسُ وُزَرَاءِ بِرِيطَانْيَا- فِي (مَجْلِسِ الْعُمُومِ الْبِرِيطَانِيِّ): ((مَا دَامَ هَذَا الْقُرْآنُ مَوْجُودًا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ أُورُبَّا السَّيْطَرَةَ عَلَى الشَّرْقِ, وَلَا أَنْ تَكُونَ هِيَ نَفْسُهَا فِي أَمَانٍ)).
وَيَقُولُ الْمُسْتَشْرِقُ جَاردْنِر: ((إِنَّ الْقُوَّةَ الَّتِي تَكْمُنُ فِي الْإِسْلَامِ هِيَ الَّتِي تُخِيفُ أُورُبَّا)).
وَيَقُولُ الْحَاكِمُ الْفَرْنَسِيُّ فِي الْجَزَائِرِ -فِي ذِكْرَى مُرُورِ مِائَةِ عَامٍ عَلَى احْتِلَالِ فَرَنْسَا لِلْجَزَائِرِ-: ((إِنَّنَا لَنْ نَنْتَصِرَ عَلَى الْجَزَائِرِيِّينَ مَا دَامُوا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَكَلَّمُونَ الْعَرَبِيَّةَ, فَيَجِبُ أَنْ نُزِيلَ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ مِنْ وُجُودِهِمْ, وَنَقْتَلِعَ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)).
وَيَقُولُ (لُورَنْس بَرَاوِن): ((إِنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الْجِدَارُ الْوَحِيدُ فِي وَجْهِ الِاسْتِعْمَارِ الْأُورُبِّيِّ)).
وَيَقُولُ الْمُنَصِّرُ (تَاكْلِي): ((يَجِبُ أَنْ نَسْتَخْدِمَ الْقُرْآنَ -وَهُوَ أَمْضَى سِلَاحٍ فِي الْإِسْلَامِ- ضِدَّ الْإِسْلَامِ نَفْسِهِ؛ حَتَّى نَقْضِيَ عَلَيْهِ تَمَامًا، يَجِبُ أَنْ نُبَيِّنَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ جَدِيدًا، وَأَنَّ الْجَدِيدَ فِيهِ لَيْسَ صَحِيحًا)).
وَيَقُولُ (صَمْوِيل زُويمر) -رَئِيسُ جَمْعِيَّاتِ التَّبْشِيرِ- فِي مُؤْتَمَرِ الْقُدْسِ لِلْمُبَشِّرِين سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعِ مِائَةٍ وَأَلْفٍ (1935م): ((إِنَّ مُهِمَّتَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا الْمُسْلِمَ مِنَ الْإِسْلَامِ لِيُصْبِحَ مَخْلُوقًا لَا صِلَةَ لَهُ بِاللهِ, وَبِالتَّالِي لَا صِلَةَ تَرْبُطُهُ بِالْأَخْلَاقِ الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْأُمَمُ فِي حَيَاتِهَا, وَبِذَلِكَ تَكُونُوا بِعَمَلِكُمْ هَذَا طَلِيعَةَ الْفَتْحِ الِاسْتِعْمَارِيِّ فِي الْمَمَالِكِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
لَقَدْ هَيَّأْتُمْ جَمِيعَ الْعُقُولِ فِي الْمَمَالِكِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِقَبُولِ السَّيْرِ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي سَعَيْتُمْ لَهُ؛ أَلَا وَهُوَ إِخْرَاجُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ تُدْخِلُوهُ فِي الْمَسِيحِيَّةِ, وَبِالتَّالِي جَاءَ النَّشْءُ الْإِسْلَامِيُّ مَطَابِقًا لِمَا أَرَادَهُ الِاسْتِعْمَارُ؛ لَا يَهْتَمُّ بِعَظَائِمِ الْأُمُورِ, وَلَا يَنْزِعُ إِلَى هِمَّةٍ عَالِيَةٍ، وَيُحِبُّ الرَّاحَةَ وَالْكَسَلَ، وَيَسْعَى لِلْحُصُولِ عَلَى الشَّهَوَاتِ بِأَيِّ أُسْلُوبٍ حَتَّى أَصْبَحَتِ الشَّهَوَاتُ هَدْفَهُ فِي الْحَيَاةِ، فَهُو إِنْ تَعَلَّمَ فَلِلْحُصُولِ عَلَى الشَّهَوَاتِ، وَإِنْ جَمَعَ الْمَالَ فَلِلشَّهَوَاتِ، وَإِذَا تَبَوَّأَ أَسْمَى الْمَرَاكِزِ فَفِي سَبِيلِ الشَّهَوَاتِ, إِنَّهُ يَجُودُ بِكُلِّ شَيْءٍ لِلْوُصُولِ إِلَى الشَّهَوَاتِ)).
يَقُولُ (صَمْوِيل زُويمر): ((أَيُّهَا الْمُبَشِّرُونَ! إِنَّ مُهِمَّتَكُمْ تَتِمُّ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ)).
قَالَ ذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعِ مِائَةٍ وَأَلْفٍ (1935م)، فَكَيْفَ بِنَا الْيَوْمَ؟!!
لَقَدْ تَدَرَّجَ الْغَزْوُ الْفِكْرِيُّ فِي نَشْأَتِهِ؛ فَبَدَأَ عَلَى شَكْلِ اسْتِشْرَاقٍ ثُمَّ تَبْشِيرٍ, ثُمَّ تَحَوَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى تَيَّارٍ مُتَعَدِّدِ الْأَسَالِيبِ؛ لِتَغْرِيبِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِطَرِيقِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ تَارَةً, وَبِطَرِيقِ الْقَهْرِ وَالْإِجْبَارِ تَارَةً أُخْرَى, وَصَارَ لِتَيَّارِ التَّغْرِيبِ وَسَائِلُ وَشِعَارَاتٌ وَأَفْكَارٌ كَثِيرَةٌ هَدَّامَةٌ وُجِّهَتْ إِلَى الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ, فَكَانَتْ فِي صُورَةِ سِهَامٍ كَثِيرَةٍ مَنْ أَخْطَأَهُ سَهْمٌ أَصَابَهُ آخَرُ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ-.
وَحُشِدَتْ لِتَنْفِيذِ هَذِهِ الْأَسَالِيبِ الْجُيُوشُ الْجَرَّارَةُ مِنَ الْكُتَّابِ وَالزُّعَمَاءِ وَدُعَاةِ الضَّلَالَةِ؛ لِتَرْوِيجِهَا فِي أَوْسَاطِ الْمُسْلِمِينَ, وَعَمَدُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إِلَى وَضْعِ أَتْبَاعِهِمُ -الَّذِينَ تَرَبَّوْا عَلَى مَوَائِدِهِمْ- فِي مَقَامِ الْقُدْوَةِ وَالْقِيَادَةِ لِلْأُمَّةِ, وَأَضْفَوْا عَلَيْهِمْ أَلْقَابَ الرُّقِّيِ وَالزَّعَامَةِ، فَانْخَدَعَتْ بِهِمُ الْجَمَاهِيرُ.
وَآلَ الْأَمْرُ إِلَى احْتِقَارِ قِطَاعَاتٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِمَاضِيهِمْ, وَازْدِرَائِهِمْ لِتَارِيخِهِمْ, بَلْ وَاعْتِقَادُهُمْ أَنَّ أُمَّتَهُمْ أُمَّةٌ بِلَا تَارِيخٍ, وَلَيْسَ أَهْدَمُ لِلْأُمَمِ الْمُتَوَثِّبَةِ لِلْمَجْدِ مِنْ تَنَكُّرِهَا لِمَاضِيهَا الْحَافِلِ, وَغَفْلَتِهَا عَمَّا لَهَا مِنْ عَظَائِمَ وَجَلَائِلَ.
وَلَيْسَ مِنْ سَبِيلٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا إِلَّا بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ, وَعَرْضِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ التَّمَسُّكِ بِتَعَالِيمِهِ وَتَطْبِيقِ أَحْكَامِهِ كَمَا عَرَضَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَحَابَتُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
لَيْسَ مِنْ سَبِيلٍ لِلْخُرُوجِ مِنَ ذَلِكَ إِلَّا بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ, وَالرَّدِّ عَلَى أَصْنَافِ الْغَزْوِ الثَّقَافِيِّ، وَكَشْفِ عُوَارِهِ، وَتَبْيِينِ زَيْفِهِ, حَيْثُ إِنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ جَنَّدُوا إِمْكَانَاتِهِمْ وَقُدَرَاتِهِمْ كَافَّةً, وَأَوْجَدُوا الْمُنَظَّمَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ, وَالْوَسَائِلَ الْمُتَنَوِّعَةَ؛ لِلدَّسِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّلْبِيسِ عَلَيْهِمْ.
فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْنِيدِ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ وَكَشْفِهَا, وَعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَقِيدَةً وَتَشْرِيعًا, وَأَحْكَامًا وَأَخْلَاقًا عَرْضًا مُبِينًا صَافِيًا شَيِّقًا جَذَّابًا بِالْأَسَالِيبِ الطَّيِّبَةِ الْعَصْرِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ، وَعَنْ طَرِيقِ الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَبِالْجِدَالِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بِجَمِيعِ الْوَسَائِلِ حَسَبَ الطَّاقَةِ وَالْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ الدِّينُ الْكَامِلُ الْجَامِعُ لِكُلِّ خَيْرٍ، الْكَفِيلُ بِسَعَادَةِ الْبَشَرِ، وَتَحْقِيقِ الرُّقِيِّ الصَّالِحِ، وَالتَّقَدُّمِ السَّلِيمِ, وَالْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ، وَهُوَ الْكَفِيلُ بِالْفَوْزِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَمَا أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَّا بِسَبَبِ عَدَمِ تَمَسُّكِهِمْ بِدِينِهِمْ كَمَا يَجِبُ، وَعَدَمِ فَهْمِ الْأَكْثَرِينَ لِحَقِيقَتِهِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَعَدَمِ تَفَقُّهِهِمْ فِيهِ، وَتَقْصِيرِ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي شَرْحِ مَزَايَاهُ، وَإِبْرَازِ مَحَاسِنِهِ وَحِكَمِهِ وَأَسْرَارِهِ, وَالصِّدْقِ وَالصَّبْرِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَتَحَمُّلِ الْأَذَى فِي ذَلِكَ بِالْأَسَالِيبِ وَالطُّرُقِ الْمُتَّبَعَةِ فِي هَذَا الْعَصْرِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَصَلَ مَا حَصَلَ الْيَوْمَ؛ مِنَ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، وَجَهْلِ الْأَكْثَرِ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَالْتِبَاسِ الْأُمُورِ عَلَيْهِمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَنْ يُصْلِحَ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا, وَالَّذِي صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا هُوَ اتِّبَاعُ كِتَابِ اللهِ الْكَرِيمِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْأَمِينِ -عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ-، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155].
وَقَدْ وَعَدَهُمُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى ذَلِكَ النَّصْرَ الْمُبِينَ وَالْعَاقِبَةَ الْحَمِيدَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى -وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ-: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120].
وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.
وَلَمَّا حَقَّقَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا؛ نَصَرَهُمُ اللهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَمَكَّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَنَشَرَ بِهِمُ الْعَدْلَ, وَرَحِمَ بِهِمُ الْعِبَادَ، وَجَعَلَهُمْ قَادَةَ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةَ الْهُدَى، وَلَمَّا غَيَّرَ مَنْ بَعْدَهُمْ غُيِّرَ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
((أَخْلَاقُ الدُّعَاةِ وَصِفَاتُهُمْ))
((أَمَّا أَخْلَاقُ الدُّعَاةِ وَصِفَاتُهُمْ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهَا فَقَدْ أَوْضَحَهَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:
أَوَّلًا: الْإِخْلَاصُ: هَذَا أَوَّلُ شَرْطٍ يَنْبَغِي عَلَى الْمَرْءِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا فِي دَعْوَتِهِ إِلَى اللهِ، فَيَجِبُ عَلَى الدَّاعِيَةِ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، لَا يُرِيدُ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، وَلَا ثَنَاءَ النَّاسِ وَلَا حَمْدَهُمْ، إِنَّمَا يَدْعُو إِلَى اللهِ يُرِيدُ وَجْهَهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 108]، لَا إِلَى سِوَاهُ، أَدْعُو إِلَى اللهِ.
هَذَا أَوَّلُ شَرْطٍ عِنْدَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَحْضِرَ هَذَا، وَهَذَا أَمْرٌ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَفَّرَ فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، لَا بُدَّ مِنَ الْإِخْلَاصِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لَا بُدَّ مِنَ الْإِخْلَاصِ فِي الِاعْتِقَادِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْإِخْلَاصِ فِي الْقَوْلِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ، لَا بُدَّ مِنَ الْإِخْلَاصِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى.. بَلْ أَوَّلُ مَا يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ الدَّاعِي إِلَى اللهِ الْإِخْلَاصُ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ}.
وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فصلت: 33].
فَعَلَيْكَ أَنْ تُخْلِصَ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، هَذَا أَهَمُّ الْأَخْلَاقِ، هَذَا أَعْظَمُ الصِّفَاتِ، أَنْ تَكُونَ فِي دَعْوَتِكَ تُرِيدُ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ.
تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْرِفَ إِذَا مَا كُنْتَ مُتَحَقِّقًا بِهَذَا الشَّرْطِ أَمْ أَنَّكَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بِهِ مِنْ أَمْرٍ: الْأَطِبَّاءُ الْمُخْلِصُونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ مَصْلَحَةَ النَّاسِ وَصَالِحَهُمْ إِذَا وَقَعَ وَبَاءٌ فِي مَكَانٍ فَإِنَّهُمْ يُسَارِعُونَ أَجْمَعُونَ إِلَى الْقِيَامِ بِمَا يَلْزَمُهُمْ وَيَتَوَجَّبُ عَلَيْهِمْ، إِذَا فَتَحَ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَجَمِيعُهُمْ يَفْرَحُونَ، لَا يَقُولُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِمَاذَا شَفَى اللهُ هَذِهِ الْجُمُوعَ وَلَمْ تُشْفَ عَلَيَّ؟! فَهَلَّا مَاتَتْ؟! فَهَلَّا هَلَكَتْ؟! هَذَا لَا يَكُونُ!
فَكَذَلِكَ شَأْنُ أَهْلُ الدَّعْوَةِ الْمُخْلِصِينَ، هَذَا شَأْنُهُمْ أَنَّهُ يَفْرَحُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ إِذَا قَامَ أَخُوهُ بِالْوَاجِبِ عَنْهُ أَوْ مَعَهُ، إِذَا فَتَحَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَالْمُخْلِصُ مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ يَفْرَحُ بِهِ، كَمَا قَالَ سَلَفُنَا الصَّالِحُونَ، قَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ بِالرَّجُلِ فِي أَقْصَى الْمَغْرِبِ يَقُومُ بِالسُّنَّةِ وَيَدْعُو إِلَيْهَا فَأَدْعُو لَهُ، وَأَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِمَحَبَّتِهِ، وَهُوَ لَا يَلْقَاهُ.. لَا يَلْقَاهُ فِي الدُّنْيَا قَطُّ، لَكِنْ يَفْرَحُ بِهِ وَيَدْعُو اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ شَأْنُ الْمُخْلِصِ مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَهَذَا أَوَّلُ أَمْرٍ.
فَإِذَا وَجَدْتَ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَتَحَ لِأَخِيكَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، فَوَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ غَضَاضَةً وَمَوْجِدَةً عَلَيْهِ، وَتَحَرَّكَتْ فِي نَفْسِكَ عَقَارِبُ تَلْسَعُ؛ فَاعْلَمْ أَنَّكَ تَدْعُو لِنَفْسِكَ، وَأَمَّا الْمُخْلِصُ فَإِنَّهُ يَفْرَحُ، يَدْعُو لَهُ وَيُؤَازِرُهُ وَيُنَاصِرُهُ: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص: 35].
فَهَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّكَ مُخْلِصٌ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَلَى بَيِّنَةٍ فِي دَعْوَتِكَ -أَيْ: عَلَى عِلْمٍ-، لَا تَكُنْ جَاهِلًا بِمَا تَدْعُو إِلَيْهِ: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108].
الْبَصِيرَةُ أَعْلَى مِنَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ مَحْشُوًّا عِلْمًا وَهُوَ صَادٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَّخِذُ الْوَسَائِلَ الطَّيِّبَةَ الْمُرْضِيَةَ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، فَهُوَ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى الْأَشَدِّ الْأَشَدِّ، وَالْأَشْقِّ الْأَشَقِّ، وَلَا يَلْتَمِسُ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، فَهَذَا يَصُدُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ حُشِيَ عِلْمًا، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُحَصِّلَ الْمَرْءُ الْبَصِيرَةَ، فَيَكُونُ عَالِمًا بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَعَالِمًا بِحَالِ مَنْ يَدْعُوهُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَعَالِمًا بِكَيْفِيَّةِ دَعْوَتِهِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَقَدْ وَضَّحَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ قَالَ: ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِم فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ)).
فَتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: عَرَّفَهُ حَالَ الْمَدْعُوِّينَ؛ ((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ))، لَيْسَ كَمَنْ كُنْتَ تُبَاشِرُهُمْ فِي مَكَّةَ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ، إِنَّمَا هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ حُجَجٍ، عِنْدَهُمْ كِتَابٌ سَابِقٌ، فَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ حُجَجٌ وَعِنْدَهُمْ شُبُهَاتٌ، فَتَأَمَّلْ كَيْفَ تَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟
((إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ))، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ مَرَاحِلَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ بَيَّنَ حَالَهُمْ لَهُ. .
فَالْحِكْمَةُ فِي الدَّعْوَةِ وَالْبَصِيرَةُ فِيهَا شَيْءٌ فَوْقَ الْعِلْمِ، لَا يَكْفِي أَنْ تُحَصِّلَ عِلْمًا بِمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَلَكِنْ كَيْفَ تُبَلِّغُ هَذَا الَّذِي تَدْعُوهُ إِلَى مَنْ تَدْعُوهُ، يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَالِمًا بِحَالِهِ، خَبِيرًا بِأَحْوَالِهِ، بَصِيرًا بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تَعْرِضُ بِهَا مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ وَمِنَ النَّهْيِ، مُحَصِّلًا لِلْوَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُنْضَبِطَةِ مَعَ مَعْرِفَتِكَ بِأَصْلٍ مَا جِئْتَ بِهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ.
فَلَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ فَرِيضَةٌ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَدْعُوَ عَلَى جَهَالَةٍ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِمَا لَا تَعْلَمُ.
الْجَهْلُ يَهْدِمُ وَلَا يَبْنِي، وَيُفْسِدُ وَلَا يُصْلِحُ، فَاتَّقِ اللهَ -يَا عَبْدَ اللهِ-، إِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ عَلَى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا تَدْعُو إِلَى شَيْءٍ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَالْبَصِيرَةِ بِمَا قَالَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
فَلَا بُدَّ مِنْ بَصِيرَةٍ، وَهِيَ الْعِلْمُ؛ فَعَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ وَعَلَى الدَّاعِيَةِ أَنْ يَتَبَصَّرَ فِيمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَأَنْ يَنْظُرَ فِيمَا يَدْعُو إِلَيْهِ وَدَلِيلِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ وَعَرَفَهُ دَعَا إِلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا، فَيَدْعُو إِلَى الْفِعْلِ إِذَا كَانَ طَاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ، وَيَدْعُو إِلَى تَرْكِ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ عَلَى بَيِّنَةٍ وَبَصِيرَةٍ.
* مِنَ الْأَخْلَاقِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَيْهَا -أَيُّهَا الدَّاعِيَةُ-: أَنْ تَكُونَ حَلِيمًا فِي دَعْوَتِكَ، رَفِيقًا فِيهَا، مُتَحَمِّلًا صَبُورًا، كَمَا فَعَلَ الرُّسُلُ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، إِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ، إِيَّاكَ وَالْعُنْفَ وَالشِّدَّةَ، إِيَّاكَ وَالطَّيْشَ، إِيَّاكَ وَالسَّفَهَ، إِيَّاكَ وَالْحَمَاقَةَ، عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ، عَلَيْكَ بِالْحِلْمِ، عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ، خُذْ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي دَعْوَتِكَ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].
تَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ، وَكَيْفَ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُخْبِرُ نَبِيَّهُ ﷺ، وَهُوَ خَبَرٌ لِأُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.
أَنْتَ تُرِيدُ إِذَا كُنْتَ فَظًّا مَا لَمْ يُؤْتَ رَسُولُ اللهِ.. تُرِيدُ أَنْ تُؤْتَى مَا لَمْ يُؤْتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَقُولُ لِنَبِيِّهِ: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.
فَيُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يَكُونَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ وَلَا يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ، فَهَذَا لَا يَكُونُ؛ لِأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَهَذَا امْتِنَاعُ لِامْتِنَاعِ -كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ-، {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فَهُمُ امْتَنَعَ انْفِضَاضُهُمْ مِنْ حَوْلِ رَسُولِ اللهِ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ؛ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا ﷺ.
فَالَّذِي يَكُونُ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ يَدْعُو -بِزَعْمِهِ- إِلَى اللهِ بِالْحَمَاقَةِ وَعَدَمِ اسْتِعْمَالِ الْحِكْمَةِ، وَالْحِكْمَةُ تَكُونُ بِوَضْعِ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ، فَنَسْتَعْمِلُ الشِّدَّةَ فِي مَوْضِعِهَا، وَنَسْتَعْمِلُ الرِّفْقَ فِي مَوْضِعِهِ، فَلَا نَرْفُقُ أَبَدًا، وَلَا نَشْتَدُّ أَبَدًا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: 9]، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ مِنْ غِلْظَةٍ ﷺ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْغِلْظَةِ مَعَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، كَمَا أَمَرَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَنَسْتَعْمِلُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ، وَنَسْتَعْمِلُ هَذَا فِي مَوْضِعِه.
فَعَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ وَأَهْلِ الْعِنَادِ هَؤُلَاءِ نَسْتَعْمِلُ مَعَهُمُ الشِّدَّةَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الشِّدَّةِ، وَلَكِنْ نَدْعُوهُمْ فِي الْبَدْءِ بِاللِّينِ وَالرِّفْقِ حَتَّى يَتَفَهَّمُوا وَحَتَّى لَا يُعَانِدُوا، فَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فَذَلِكَ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ فَنَرْفُقُ بِهِمْ وَنَقُولُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ خَدِّي مَدَاسٌ لَكَ حَتَّى تَرْضَى، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَتِلْكَ طَرِيقَتُهُمْ، فَهَذِهِ خَصْلَةٌ مِنَ الْخِصَالِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الدَّاعِي إِلَى اللهِ أَنْ يَتَحَلَّي بِهَا.
قَالَ -جَلَّ وَعَلَا- فِي قِصَّةِ مُوسَى وَهَارُونَ: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} [طه: 44]، وَقَدْ أَرْسَلَهُمَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى فِرْعَوْنَ وَهُوَ أَطْغَى الطُّغَاةِ وَأَكْفَرُ الْكَافِرِينَ.
فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ (ض1) قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((اللهم مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ)).
فَعَلَى الدَّاعِي إِلَى اللهِ أَنْ يَتَرَفَّقَ فِي دَعْوَتِهِ، وَلَا يَشُقَّ عَلَى النَّاسِ، وَلَا يُنَفِّرَهَمْ مِنَ الدِّينِ، وَلَا يُنَفِّرَهُمْ بِالْغِلْظَةِ وَلَا بِالْجَهْلِ وَلَا بِالْأُسْلُوبِ الْعَنِيفِ الْمُؤْذِي الضَّارِّ.
عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ حَلِيمًا صَبُورًا، لَيِّنَ الْكَلَامِ طَيِّبَهُ؛ حَتَّى تُؤَثِّرَ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ الْمَدْعُوِّينَ، وَحَتَّى تُؤَثِّرَ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ، وَحَتَّى يَأْنَسُوا لِدَعْوَتِكَ، وَيَلِينُوا لَهَا، وَيَتَأَثَّرُوا بِهَا، وَحَتَّى يُثْنَى عَلَيْكَ بِهَا، وَحَتَّى يَشْكُرَكَ عَلَيْهَا مَنْ دَعَوْتَهُ إِلَيْهَا.
أَمَّا الْعُنْفُ فَهُوَ مُنَفِّرٌ لَا مُقَرِّبٌ، وَمُفَرِّقٌ لَا مُجَمِّعٌ، وَمَا دَخَلَ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ؛ ((فَإِنَّ الرِّفْقَ مَا دَخَلَ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ))، وَكَذَلِكَ الْعُنْفُ مَا دَخَلَ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ.
نُفَرِّقُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ كَأَخْلَاقِ الْمِهَنِيِّينَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ -حَتَّى وَلَوْ كَانَ كَافِرًا- يَتَمَتَّعُ بِالْأَخْلَاقِ الْمِهَنِيَّةِ، أَنْتَ إِذَا قَصَدْتَ طَبِيبًا -حَتَّى وَلَوْ كَانَ كَافِرًا- فَإِنَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْكَ، يَهَشُّ فِي وَجْهِكَ، وَيَحْتَرِمُكَ وَيُعْلِي مِنْ قَدْرِكَ، وَيَقُومُ بِمَصَالِحِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَصَّلُ مِنْ وَرَائِكَ عَلَى فَائِدَةٍ وَأَجْرٍ.
وَكَذَلِكَ صَاحِبُ كُلِّ مِهْنَةٍ عِنْدَهُ الْأَخْلَاقُ الْمِهَنِيَّةُ، هَذِهِ الْأَخْلَاقُ الْمِهَنِيَّةُ تَكُونُ فِي الْكَافِرِينَ، وَهَذِهِ لَا قِيمَةَ لَهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ نَابِعَةً مِنْ إِخْلَاصٍ وَدِينٍ، وَأَنْ تَكُونَ رِفْقًا وَمَحَبَّةً وَمَوَدَّةً لِلْمُسْلِمِينَ.
* مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْأَوْصَافِ الَّتِي يَنْبَغِي -بَلْ يَجِبُ- أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا الدَّاعِيَةُ: الْعَمَلُ بِدَعْوَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قُدْوَةً صَالِحَةً فِيمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، لَيْسَ مِمَّنْ يَدْعُو إِلَى شَيْءٍ ثُمَّ يَتْرُكُهُ، أَوْ يَنْهَى عَنْهُ ثُمَّ يَرْتَكِبُهُ، هَذِهِ حَالُ الْخَاسِرِينَ -نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ-.
أَمَّا الْمُؤْمِنُونَ الرَّابِحُونَ فَهُمْ دُعَاةُ الْحَقِّ يَعْمَلُونَ بِهِ، وَيَنْشَطُونَ فِيهِ، وَيُسَارِعُونَ إِلَيْهِ، وَيَبْتَعِدُونَ عَمَّا يَنْهَوْنَ عَنْهُ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3].
وَقَالَ -تَعَالَى- مُوَبِّخًا الْيَهُودَ عَلَى أَمْرِهِمُ النَّاسَ بِالْبِرِّ مَعَ نِسْيَانِ أَنْفُسِهِمْ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].
وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ الْحِبِّ بْنِ الْحِبِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ -أَقْتَابُ بَطْنِهِ، الْأَقْتَابُ: جَمْعُ قِتْبٍ، وَهِيَ الْمَصَارِينُ الْأَمْعَاءُ، فَتَنْدَلِقُ، أَيْ: تَخْرُجُ مُنْدَفِعَةً، أَقْتَابُ بَطْنِهِ، أَيْ: مَصَارِينُهُ مِنْ بَطْنِهِ مِنْ دُبُرِهِ-، فَيَدُورُ بِهَا فِي النَّارِ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ! مَا أَصَابَكَ؟! أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟! فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ)).
هَذِهِ حَالُ مَنْ دَعَا إِلَى اللهِ، وَأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، ثُمَّ خَالَفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ وَفِعْلُهُ قَوْلَهُ -نَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيمِ مِنْ ذَلِكَ-.
مِنْ أَهَمِّ الْأَخْلَاقِ وَمِنْ أَعْظَمِهَا فِي حَقِّ الدَّاعِي إِلَى اللهِ: أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَأَنْ يَنْتَهِيَ عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ.
* وَأَنْ يَكُونَ ذَا خُلُقٍ فَاضِلٍ، وَسِيرَةٍ حَمِيدَةٍ، وَصَبْرٍ وَمُصَابَرَةٍ، وَإِخْلَاصٍ فِي دَعْوَتِهِ، وَاجْتِهَادٍ فِيمَا يُوَصِّلُ الْخَيْرَ إِلَى النَّاسِ، وَفِيمَا يُبْعِدُهُمْ عَنِ الْبَاطِلِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَدْعُو لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ.
كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي شَأْنِ (دَوْسٍ)؛ فَإِنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو لَمَّا دَعَاهُمْ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ عَلَى دَوْسٍ)).
فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ دَاعِيًا فَقَالَ النَّاسُ: ((هَلَكَتْ دَوْسٌ، هَلَكَتْ دَوْسٌ))، ظَنُّوا أَنَّهُ سَيَدْعُو عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((اللهم اهْدِ دَوْسًا، وَأْتِ بِهِمْ))، وَقَدْ كَانَ.
فَالرَّسُولُ ﷺ مَعَ شِدَّةِ الْأَذَى يَقُولُ: ((اللهم اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ))؛ لِأَنَّ الْمَدْعُوَّ الْجَاهِلَ كَالْمَرِيضِ، وَأَنْتَ إِذَا كَانَ عِنْدَكَ مَرِيضٌ تُمَرِّضُهُ تُطَبِّبُهُ تَقُومُ عَلَى شَأْنِهِ فَإِنَّكَ تَصْبِرُ مِنْهُ عَلَى الْأَذَى عَلَى الْجَفَاءِ فِي الْمَنْطِقِ، وَعَلَى الْخُشُونَةِ فِي التَّعَامُلِ، وَعَلَى مَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ قَوْلٍ وَحَدَثٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ مِنَ الْمَرْضَى، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنْتَ تَصْبِرُ نَفْسَكَ عَلَى خِدْمَتِهِ وَالْقِيَامِ عَلَى شَأْنِهِ، وَلَا تَتْرُكُهُ نَهْبًا لِلْإِهْمَالِ.
فَالَّذِي هُوَ مَرِيضٌ فِي دِينِهِ، مَرِيضٌ فِي قَلْبِهِ، مَرِيضٌ فِي عَقْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَسِّسْهُ عَلَى الْحَقِّ، مَرِيضٌ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِمْهَا عَلَى الْوَاجِبِ، هَذَا الْمَرِيضُ أَوْلَى بِالصَّبْرِ وَالْحِلْمِ مِنْ ذَلِكَ الْمَرِيضِ بِمَرَضٍ مَادِّيِّ، فَالْمَرْءُ إِذَا اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ آتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَضْلًا عَظِيمًا، وَلِأَنَّ هَذَا الَّذِي تُحَاوِلُ مَعَهُ أَنْ يَهْتَدِيَ إِلَى اللهِ، وَأَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى الْحَقِّ سَتَتَحَصَّلُ أَنْتَ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا))، فَإِذَا كُنْتَ سَتَتَحَصَّلُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى هَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ تَبْخَلُ عَلَيْهِ بِبَعْضِ الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ؟!
إِذَا اسْتَقَامَ سَيَأْتِي إِلَيْكَ مِنْهُ خَيْرٌ عَظِيمٌ، مَا صَنَعْتَهُ أَنْتَ مَعَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَيْكَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي تَأْخُذُ مِثْلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ هُوَ مِنْهُ مِنْ شَيْءٍ.. هَذَا الْأَمْرُ الْكَبِيرُ الَّذِي يُؤْتِيهِ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الدَّاعِيَ إِلَى اللهِ مِنْ وَرَاءِ مَنْ دَعَاهُ إِلَى اللهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَمَنٌ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ مُقَدَّمٌ يُدْفَعُ مِنْ حِلْمِكَ وَمِنْ صَبْرِكَ وَمِنْ تَوَدُّدِكَ وَمِنْ شِدَّتِكَ أَحْيَانًا عَلَى مَنْ تُحِبُّ وَمَنْ تَرْجُو لَهُ الْهِدَايَةَ.
وَلِذَلِكَ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَ النَّدَى فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ السَّيْفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَإِذَا جَعَلَ السَّيْفَ فِي مَوْضِعِ النَّدَى أَضَرَّ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا وَضَعَ النَّدَى فِي مَوْضِع السَّيْفِ، فَلَا يَجْعَلِ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ، وَلَا السَّيْفَ فِي مَوْضِعِ النَّدَى.
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي جَعْلِ ذَلِكَ الْأَمْرِ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ.
النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ((اللهم اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهَا))، وَقَدْ قِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ قَدْ عَصَوْكَ.
وَالرَّسُولُ ﷺ مَعَ ذَلِكَ يَشْتَدُّ فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، فَكَانَ إِذَا مَا اعْتُدِيَ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ اللهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ ﷺ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ:
فَقَسَا لِيَزْدَجِرَ وَمَنْ يَكُ حَازِمًا = فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا عَلَى مَنْ يَرْحَمُ
تَدْعُو لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ بِقَوْلِ الْحَقِّ، وَتَصْبِرُ وَتُصَابِرُ فِي ذَلِكَ، لَا تَقْنَطْ، لَا تَيْأَسْ، لَا تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا، لَا تَعْنُفْ، لَا تَقُلْ كَلَامًا سَيِّئًا يَنْفِرُ مِنْهُ الْخَلْقُ، وَيُنَفِّرُ عَنِ الْحَقِّ، وَلَكِنْ مَنْ ظَلَمَ وَتَعَدَّى لَهُ شَأْنٌ آخَرُ، كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46].
وَأَمَّا الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْتِزَامِ اللِّينِ فِي كُلِّ حِينٍ حَتَّى مَعَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْمُعَانِدِينَ، وَأَلَّا يُسْتَعْمَلَ شَيْءٌ مِنَ الشِّدَّةِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ بِحَالٍ أَبَدًا فَهَؤُلَاءِ يَدْعُونَ إِلَى دِينٍ قَدْ سَلَبُوهُ كَثِيرًا مِمَّا فِيهِ.
كَمَا تَجِدُ فِي أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ دِينُ الْمُسَامَحَةِ، دِينُ السَّمَاحِ، هَكَذَا، هُوَ دِينُ أَخْذِ الْحَقِّ -أَيْضًا-، وَرَدِّ الْحُقُوقِ إِلَى أَصْحَابِهَا، وَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ، كَمَا هُوَ حِينَ وَضْعِ النَّدَى فِي مَوْضِعِ النَّدَى، هَذَا هُوَ دِينُ اللهِ.
لِذَلِكَ يَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: 9]، مَعَ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، فَهَذَا فِي مَوْضِعِهِ وَهَذَا فِي مَوْضِعِهِ، وَهَذَا هُوَ اسْتِعْمَالُ الْحِكْمَةِ فِي الْأَشْيَاءِ.
فَالظَّالِمُ الَّذِي يُقَابِلُ الدَّعْوَةَ بِالشَّرِّ وَالْعِنَادِ وَالْأَذَى لَهُ حُكْمٌ آخَرُ، فِي الْإِمْكَانِ تَأْدِيبُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ تَأْدِيبُهُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ ظُلْمِهِ، وَلَكِنْ مَا دَامَ كَافًّا عَنِ الْأَذَى فَعَلَيْنَا أَنْ نَصْبِرَ عَلَيْهِ، وَنَحْتَسِبَ، وَنُجَادِلَهُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَأَنْ تَصْفَحَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسَائِلِ الشَّخْصِيَّةِ، فَلَا تَخْلِطْ بَيْنَ مَا هُوَ ذِاتِيٌّ شَخْصِيٌّ وَمَا هُوَ دِينِيٌّ مَوْضُوعِيٌّ، احْذَرْ أَنْ تَخْلِطَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا خَلَطَ بَيْنَهُمَا اخْتَلَطَ عَلَيْهِ سَبِيلُهُ، فَرُبَّمَا كَانَ دَاعِيًا إِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، يَعْنِي رُبَّمَا دَعَوْتَ إِلَى اللهِ فَجَاءَتْكَ الْإِسَاءَةُ فَتَنْتَصِرُ وَلَا يَقُومُ نَصْرُكَ هَذَا لِدِينِ اللهِ، وَإِنَّمَا يَقُومُ لِنَفْسِكِ، فَأَنْتَ تَتَأَلَّمُ؛ لِأَنَّهُ آذَاكَ، يَعْنِي تَدْعُوهُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَيُجَابِهُكَ بِمَا يَسُؤُكَ؛ يَشْتِمُكَ يَسُبُّكَ يَضْرِبُكَ يَعْتَدِي عَلَيْكَ، فَأَنْتَ -حِينَئِذٍ- إِذَا قَابَلْتَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مُنَاظِرٍ وَمُسَاوٍ لَا تَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ عَلَيْهِ الْمَوْجِدَةَ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي صَنَعَ بِكَ مَا صَنَعَ.
فَحَرِّرْ هَذَا الْمَوْطِنَ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا، وَهَذَا -أَيْضًا- لَهُ عَلَامَةٌ؛ نَحْنُ نُبْغِضُ أَهْلَ الْبِدَعِ.. نُبْغِضُهُمْ فِي اللهِ، لَا نُحِبُّهُمْ، وَلَا نُجَالِسُهُمْ، لَا نُؤَاكِلُهُمْ وَلَا نُشَارِبُهُمْ، وَلَا نُمَاشِيهِمْ، هَذَا مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَهُمْ يُؤْذُونَنَا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَبِمَا اسْتَطَاعُوا إِيصَالَ الْأَذَى بِهِ، وَاللهُ يَكُفُّ الْأَذَى -سُبْحَانَهُ- بِمَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ، وَلَكِنْ هُمْ يُؤْذُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ.
فَإِذَا جَاءَكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ تَائِبًا فَلَمْ تَجِدِ الْفَرَحَ فِي قَلْبِكَ لِتَوْبَتِهِ وَلَمْ تُسَامِحْهُ لِمَا بَدَرَ مِنْهُ فِي حَالِ بِدْعَتِهِ فَاعْلَمْ أَنَّكَ تَدْعُو لِنَفْسِكَ أَوْ شَابَ إِخْلَاصَكَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ شَيْءٌ.
فَنَفْرَحُ بِمَنْ أَتَى تَائِبًا مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ، يَقُولُ: قَدْ وَقَعْنَا فِي عِرْضِكُمْ، شَتَمْنَاكُمْ وَسَبَبْنَاكُمْ، وَاجْتَهَدْنَا فِي إِيذَائِكُمْ بِسُلُوكِ كُلِّ سَبِيلٍ، وَالْآنَ قَدْ فَاءَ أَمْرُنَا إِلَى السُّنَّةِ، وَاسْتَقَامَتْ أَقْدَامُنَا عَلَى السَّبِيلِ، فَسَامِحُونَا!
نُقَبِّلُ عَلَى رَأْسِهِ، وَنَقُولُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ، وَهَذَا مَا صَنَعَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ-؛ فَإِنَّهُ لَمَّا أُوذِيَ بِمَا أُوذِيَ بِهِ -رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً- قَالَ: ((جَعَلْتُ كُلَّ مَنْ آذَانِي فِي حِلٍّ إِلَّا أَصْحَابَ الْبِدَعِ)).
هَؤُلَاءِ لَيْسُوا فِي حِلٍّ، سَآخُذُ مِنْهُمْ حَقِّي بَيْنَ يَدَيْ رَبِّي -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ فَهُوَ فِي حِلٍّ مِمَّا أَوْصَلَ إِلَيَّ مِنَ الْأَذَى.
هَذَا دَاعٍ إِلَى اللهِ، هَذَا مُحِبٌّ لِدِينِ اللهِ، هَذَا مُخْلِصٌ فِي دَعْوَتِهِ إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
((الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ طَوْقُ نَجَاةِ الْبَشَرِيَّةِ))
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].
فَمَنِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا إِلَى اللهِ، وَأَتْبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ دُعَاةٌ إِلَى اللهِ، كُلٌّ بِحَسَبِهِ، عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ لَا يَتَزَيَّدُ، وَإِلَّا كَانَ دَاعِيًا إِلَى غَيْرِ رَبِّهِ، وَإِلَى غَيْرِ صِرَاطِهِ، وَإِلَى غَيْرِ دِينِهِ، قَائِلًا عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، وَإِنَّمَا يَدْعُو إِلَى اللهِ -تَعَالَى- عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ وَعَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ مَجَالٍ.
إِنَّ مَسْؤُوولِيَّةَ الْمُسْلِمِ عَظِيمَةٌ، مَعَكَ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُ- طَوْقُ النَّجَاةِ وَالنَّاسُ يَغْرَقُونَ تَحْتَ عَيْنَيْكَ وَأَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا تَمُدُّ لَهُمْ يَدَ الْعَوْنِ؟!!
دِينُ اللهِ يَسْتَنْقِذُ الْبَشَرِيَّةَ مِمَّا تَرَدَّتْ فِيهِ.
دِينُ اللهِ وَحْدَهُ يُنْقِذُ النَّاسَ فِي الْأَرْضِ مِمَّا بَلَغُوهُ مِنْ هَذَا الِانْحِطَاطِ السَّافِلِ الْهَابِطِ.
دِينُ اللهِ، عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُبَلِّغُوهُ خَلْقَ اللهِ فِي أَرْضِ اللهِ عَلَى مِنْهَاجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِإِنْقَاذِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ دَمَارٍ تَبْدُو عَلَائِمُهُ، وَخَرَابٍ تَتَّضِحُ مَعَالِمُهُ.
نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْإِتْيَانِ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ حَقَّ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَأَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْ يُقِيمَنَا عَلَيْهِ حَتَّى نَلْقَى وَجْهَهُ الْكَرِيمَ.
نَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- أَنْ يُوَفِّقَنَا جَمِيعًا لِحُسْنِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُصْلِحَ قُلُوبَنَا وَأَعْمَالَنَا، وَأَنْ يَمْنَحَنَا جَمِيعًا الْفِقْهَ فِي دِينِهِ، وَالثَّبَاتَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْهُدَاةِ الْمُهْتَدِينَ، وَالصَّالِحِينَ الْمُصْلِحِينَ، إِنَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- جَوَادٌ كَرِيمٌ.
صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
((الْمُبَالَغَةُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ))
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((مَدَارُ الشَّرِيعَةِ عَلَى التَّيْسِيرِ))
فَإِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ عَلَى نَفْيِ الْحَرَجِ وَإِثْبَاتِ التَّيْسِيرِ، قَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78].
هُوَ اللهُ الَّذِي اخْتَارَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- مِنْ دُونِ سَائِرِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ لِحَمْلِ الرِّسَالَةِ الْخَاتِمَةِ، وَحَمَّلَكُمْ وَظِيفَةَ تَبْلِيغِ الدِّينِ الْخَاتَمِ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ الَّذِي تَعَبَّدَكُمْ بِهِ ضِيقًا لَا مَخْرَجَ لَكُمْ مِمَّا ابْتُلِيتُمْ بِهِ، بَلْ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ، فَجَعَلَ التَّوْبَةَ فِي بَعْضٍ مَخْرَجًا، وَالْكَفَّارَةَ فِي بَعْضٍ مَخْرَجًا، وَالْقِصَاصَ كَذَلِكَ.
وَشَرَعَ الْيُسْرَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَسَّعَ دِينَكُمْ تَوْسِعَةَ مِلَّةِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ.
فَمَدَارُ شَرِيعَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى نَفْيِ الْحَرَجِ وَرَفْعِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ فِي مُنْتَهَاهَا إِنَّمَا هِيَ جَلْبُ مَنْفَعَةٍ وَدَرْءُ مَفْسَدَةٍ.
وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَا كَلَّفَ الْإِنْسَانَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَجَعَلَ لَهُ فِيهِ تَيْسِيرًا وَرَفَعَ عَنْهُ فِيهِ الْحَرَجَ.
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَلَ إِلَى الْبَشَرِيَّةِ التَّيْسِيرَ وَالتَّبْشِيرَ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغُدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
((وَنَبِيُّنَا ﷺ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
((الزَّوَاجُ بَيْنَ وَاقِعِ الْمُغَالَاةِ وَضَرُورَةِ التَّيْسِيرِ))
إِنَّ الْمُغَالَاةَ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ إِحْدَى سِمَاتِ هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي تَكَاثَرَتْ فِيهِ الْمَظَاهِرُ، وَتَعَاظَمَتْ فِيهِ الْأَعْبَاءُ، وَتَحَوَّلَ فِيهِ الزَّوَاجُ -وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ السَّكِينَةِ وَالْمَوَدَّةِ- مِنْ بَابٍ لِلطُّمَأْنِينَةِ إِلَى ظَاهِرَةٍ مُثْقَلَةٍ بِالدُّيُونِ وَالْهُمُومِ!
وَالدَّعْوَةُ النَّبَوِيَّةُ إِلَى التَّيْسِيرِ لَا شَكَّ أَنَّهَا تَشْمَلُ الرَّابِطَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ الْأُولَى وَهِيَ الزَّوَاجُ.
لَقَدْ شَرَعَ الْإِسْلَامُ لِلْمَرْأَةِ الصَّدَاقَ أَوِ الْمَهْرَ، قَالَ تَعَالَى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} [النساء: 4].
((أَمَرَ اللهُ وَحَثَّ عَلَى إِيتَاءِ النِّسَاءِ {صَدُقَاتِهِنَّ} أَيْ: مُهُورَهُنَّ {نِحْلَةً} أَيْ: عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَحَالِ طُمَأْنِينَةٍ، فَلَا تَمْطُلُوهُنَّ أَوْ تَبْخَسُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَفِيهِ: أَنَّ الْمَهْرَ يُدْفَعُ إِلَى الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً، وَأَنَّهَا تَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهَا، وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ)).
((الصَّدَاقُ: هُوَ الْعِوَضُ الْوَاجِبُ بِعَقْدِ نِكَاحٍ، وَسُمِّيَ صَدَاقًا؛ لِأَنَّ بَذْلَهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ طَلَبِ الزَّوْجِ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ؛ إِذْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْذُلَ الْمَحْبُوبَ إِلَّا لِمَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَحَبُّ، وَلِهَذَا سُمِّيَ بَذْلُ الْمَالِ لِلْفَقِيرِ صَدَقَةً؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ بَاذِلِهِ، وَأَنَّ مَا يَرْجُوهُ مِنَ الثَّوَابِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ الَّذِي بَذَلَهُ.
وَالصَّدَاقُ لَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ؛ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُمَارَسَتِهِ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهَا: الْمَهْرُ، وَالْأَجْرُ، وَالنِّحْلَةُ.
وَالسُّنَّةُ -فِي الصَّدَاقِ- أَنْ يُخَفَّفَ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ:
* فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَإِنَّ صَدَاقَهُ ﷺ كَانَ خَفِيفًا، كَانَ صَدَاقُهُ وَصَدَاقُ بَنَاتِهِ مِنْ أَرْبَعِ مِائَةٍ إِلَى خَمْسِ مِائَةٍ دِرْهَمٍ، وَهَذَا فِي الْغَالِبِ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّدَاقُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ)).
* وَوَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ: تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
((وقال ﷺ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
* أَنَّ تَيْسِيرَ الْمُهُورِ ذَرِيعَةٌ إِلَى كَثْرَةِ النِّكَاحِ، وَكَثْرَةُ النِّكَاحِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الشَّرْعِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ وَتَحْقِيقِ مُبَاهَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْكَثِيرَةِ.
* أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَهْرٍ يَسِيرٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْرَهُهَا، بِخِلَافِ الَّتِي تُكَلِّفُهُ دَرَاهِمَ بَاهِظَةً، تَجِدُهُ مَهْمَا كَانَتْ أَسْبَابُ الْمَحَبَّةِ فِيهَا فَإِنَّهُ كُلَّمَا ذَكَرَ الضَّرِيبَةَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ صَارَ فِي نَفْسِهِ بَعْضُ الشَّيْءِ، فَهَذَا -إِذَنْ- مِنْ أَسْبَابِ الْمَوَدَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.
* إِذَا كَانَ الْمَهْرُ خَفِيفًا، وَلَمْ يَحْصُلِ التَّوَافُقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ سَهُلَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُفَارِقَهَا إِذَا سَاءَتِ الْعِشْرَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَا خَسِرَ عَلَيْهَا شَيْئًا كَثِيرًا.
* أَنَّهُ إِذَا جَرَى مَا يُوجِبُ الْخُلْعَ؛ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ خَفِيفًا تَيَسَّرَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا أَنْ تَبْذُلَ عِوَضَ الْخُلْعِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ الْمَهْرُ ثَقِيلًا لَا يَتَيَسَّرُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ -عَلَى الْأَقَلِّ- يَقُولُ: أَعْطُونِي حَقِّي، وَإِذَا كَانَ قَدْ دَفَعَ مِائَةَ أَلْفٍ فَقَدْ لَا يُحَصِّلُونَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَزِيدَ.
فَالْحَاصِلُ؛ أَنَّ تَخْفِيفَ الصَّدَاقِ فِيهِ مُوَافَقَةٌ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِيهِ مَصَالِحُ وَرَأْفَةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَلِهَذَا يُسَنُّ تَخْفِيفُهُ)).
((زَوَاجُ الصَّالِحِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ))
إِنَّ الزَّوَاجَ هُوَ الْعَلَاقَةُ الْمَشْرُوعَةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، هِيَ مِنْ أَهَمِّ الْأَشْيَاءِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ اللهَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى الْعَبْدِ بِالزَّوْجَةِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تُعِفُّهُ، وَالَّتِي تَكْفِيهِ فِي بَيْتِهِ بِالْمَئُونَةِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَيَجْعَلُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ سَكَنًا؛ هَذِهِ الزَّوْجَةُ -حِينَئِذٍ- مِنْ أَكْبَرِ نِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، أَنْ يَمُنَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الْعَبْدِ بِالزَّوْجَةِ الصَّالِحَةِ الَّتِي إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَالَّتِي إِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ.
دِينُ اللهِ فِيهِ الصَّلَاحُ، وَفِيهِ الْفَلَاحُ، وَفِيهِ الْأَمْنُ، وَفِيهِ الْأَمَانُ، وَفِيهِ الْعَافِيَةُ، وَفِيهِ الِاطْمِئْنَانُ، وَفِيهِ الِاسْتِقَامَةُ، وَفِيهِ الْخَيْرُ، وَفِيهِ النُّورُ، وَفِيهِ الْهُدَى، وَفِيهِ الْبَرَكَةُ، فِيهِ الطُّهْرُ، وَفِيهِ النَّزَاهَةُ، وَفِيهِ الْعَفَافُ.
هُوَ دِينُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي رَضِيَهُ لَكُمْ، هُوَ الَّذِي أَكْمَلَ لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الْعَظِيمَ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ دِينًا سِوَاهُ، فَكُلُّ الْخَلْقِ عَنْهُ مَحْجُوبُونَ إِلَّا إِذَا جَاءُوهُ خَلْفَ النَّبِيِّ الْمَأْمُونِ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ علَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعلَى آلِهِ وَأصحَابِهِ أَجمَعِين.
المصدر: الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ