الْأُمَّةُ الْوَسَطُ


((الْأُمَّةُ الْوَسَطُ))

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

النَّبِيُّ ﷺ يَحْكِي لَنَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟

فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ.

فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟

فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}».

((مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ))؛ وَمَا أَتَانَا مِنْ جِنْسِ مَا يُقَالُ لَهُ أَحَدٌ، وَمَا أَتَانَا مِنَ ابْتِدَاءِ مَا يُقَالُ لَهُ أَحَدٌ، هَكَذَا بِجُحُودٍ بِإِنْكَارٍ: مَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ!!

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}: وَسَطَ زَمَانٍ بَيْنَ طُفُولَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَاكْتِهَالِهَا؛ إِذْ بَلَغَتْ ذُرْوَةَ نُضْجِهَا. وَسَطَ مَكَانٍ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- بَعَثَ هَذَا النُّورَ مِنْ مَكَّةَ وَهِيَ مَرْكَزُ الْكَوْنِ لَا مَرْكَزُ الْأَرْضِ هَنْدَسِيًّا؛ بِإِثْبَاتٍ مُنْضَبِطٍ لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا ضَعْفَ يَشُوبُهُ.

فَوَسَطُ زَمَانٍ وَوَسَطُ مَكَانٍ.. وَوَسَطُ اعْتِقَادٍ؛ بِلَا مُغَالَاةٍ فِي إِثْبَاتٍ بِتَجْسِيمٍ، وَلَا مُغَالَاةٍ فِي نَفْيٍ بِتَأْوِيلٍ وَتَعْطِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسَطٌ مُسْتَقِيمٌ بِوَسَطٍ فِي التَّصَوُّرِ لِيَضَعَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ حَالَاتِهِمْ، وَالشَّيَاطِينِ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَدَنِّيَاتِهِمْ وَتَسَفُّلِهِمْ.

فَيَضَعُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِتَصَوُّرِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقُطْبَيْنِ؛ فَهُوَ الْوَسَطُ بَيْنَهُمَا.

بَيْنَ التَّسْلِيمِ الْمُطْلَقِ؛ إِذْ إِنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- قَالَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]؛ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَجُنْدِهِ الَّذِي أَبَى وَتَأَبَّى عَلَى أَمْرِ الْآمِرِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ؛ فَجَاءَ هَذَا الْإِنْسَانُ بِظُلْمِهِ وَجَهْلِهِ؛ إِذْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْأَمَانَةُ، وَجَاءَتْهُ الْمَسْئُولِيَّةُ؛ فَلَمْ يَأْبَهَا وَلَمْ يُشْفِقْ مِنْهَا -حَيْثُ أَبَاهَا وَأَشْفَقَ مِنْهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ- بِظُلْمِهِ وَجَهْلِهِ.

وَلَكِنْ بِهَذَا التَّصَوُّرِ الْمُنْضَبِطِ عَلَى النَّحْوِ الْمُسْتَقِيمِ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((يَسْأَلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أُمَّةَ نُوحٍ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟))

يَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، وَمَا جَاءَنَا مِنْ أَحَدٍ.

فَيَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟

فَيَقُولُ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ.

قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((فَتَشْهَدُونَ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ))؛ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِين: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.

يَدُلُّنَا رَبُّنَا الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أُمَّةٌ جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ خِيَارًا فِي خِيَارٍ؛ لِأَنَّ الْوَسَطَ هُوَ الْعَدْلُ وَهُوَ الْخِيَارُ؛ إِذْ هُوَ أَخْيَرُ مَا يَكُونُ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لَا يَأْتِي بِــ(أَفْعَلَ) مِنْهُ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ.

وَإِذَنْ؛ فَهُمْ خِيَارُ الْأُمَمِ.. أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ.

كَمَا تَقُولُ: قُرَيْشٌ أَوْسَطُ النَّاسِ.

وَكَمَا تَقُولُ: الْعَصْرُ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى.

وَكَمَا تَقُولُ: بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ أَوْسَطِهِمْ نَسَبًا.

فَالْأَوْسَطُ: الْخِيَارُ الْعَدْلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

فَهَذِهِ أُمَّةٌ هِيَ خِيَارُ الْخَلْقِ، وَهَذِهِ أُمَّةٌ هِيَ أَعْدَلُ الْخَلْقِ، وَهَذِهِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))  مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ إِذْ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَى النَّاسُ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ)).

ثُمَّ مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأَثْنَى النَّاسُ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ)).

فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.. إِذِ الْكَلَامُ وَاحِدٌ، وَالْمَخْرَجُ وَاحِدٌ، وَالْحَدَثَانِ مُخْتَلِفَانِ مُتَبَايِنَانِ؛ مَدْحٌ وَقَدْحٌ، وَثَنَاءٌ بِخَيْرٍ وَثَنَاءٌ بِشَرٍّ، وَالْكَلَامُ وَاحِدٌ فِي الْمُنْتَهَى؛ ((وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ)).

قَالَ: مَا وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَمَّا الْأُولَى فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهَا النَّارُ؛ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ)).

النَّبِيُّ ﷺ يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّنَا -كَمَا دَلَّنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-- أُمَّةُ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ وَاأَسَفَاهُ! إِنَّ الشَّهَادَةَ وَالشَّاهِدَ لِكَيْ يَكُونَا مَقْبُولَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِ شُرُوطٍ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَذْهَبُ هَكَذَا إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَوْ عِنْدَ جَارِحٍ مُعَدِّلٍ مِنْ عُلَمَائِنَا -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولَ الرِّوَايَةِ مَقْبُولَ الْأَثَرِ؛ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِ شُرُوطٍ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعَ.

نَعَمْ، لَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي الشَّهَادَةِ وَالشَّاهِدِ.

وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَفَّرَ فِي الشَّاهِدِ فِي أُمَّةِ الشَّهَادَةِ لَا فِي شَهَادَتِهَا؛ فَشَهَادَتُهَا عَلَى الْأُمَمِ شَهَادَةٌ بِأَمْرِ اللهِ وَأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَلَكِنْ.. الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَفَّرَ فِي الْأُمَّةِ فِي شُهُودِهَا لِكَيْ يَكُونُوا مَقْبُولِينَ عُدُولًا أَمْرَانِ، وَالْأُمَّةُ كُلُّهَا شَاهِدَةٌ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا ظَاهِرًا أَحَدًا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَوَفُّرِ هَذَا الْأَمْرِ فِي أَفْرَادِهَا.

مَا هُوَ؟

هُمَا أَمْرَانِ كَبِيرَانِ:

لَا بُدَّ مِنْ أَهْلِيَّةٍ تُثْبِتُ تَمَامَ الْعَقْلِ لَا سَفَهَهُ، وَلَا خَوَرَهُ، وَلَا ضَعْفَهُ، وَلَا شَتَاتَهُ؛ فَهِيَ مُقَوِّمَاتٌ عَقْلِيَّةٌ بِعَدَالَةٍ تَلْحَقُ بِالْأَهْلِيَّةِ، وَهَذِهِ تُثْبِتُ الْمُقَوِّمَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةَ.

فَهُمَا أَمْرَانِ: مُقَوِّمَاتٌ عَقْلِيَّةٌ، وَمُقَوِّمَاتٌ أَخْلَاقِيَّةٌ.

وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ الَّتِي هِيَ أُمَّةُ الشُّهُودِ أُمَّةُ الشَّهَادَةِ.. هَذِهِ الْأُمَّةُ عِنْدَمَا أَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ قَوْلَهُ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].

هَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فِي مَوْضِعَيْنِ:

هَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فِي ((بَرَاءَةَ))؛ فِي ((التَّوْبَةِ))، مَدَنِيَّةٌ -أَيْضًا- فِي ((الصَّفِّ))؛ فِي ((سُورَةِ الصَّفِّ))، فِي مَوْضِعَيْنِ هَكَذَا بِنَصِّهَا: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ}؛ لِيَجْعَلَهُ غَالِبًا ظَاهِرًا مُسْتَقِرًّا عَلَى أَعْلَى الْقِمَمِ عَلَى قَامَاتِ الذُّرَى {عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

وَالْآنَ عُدْ بِعَقْلِيَّةِ الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَبِذِهْنِيَّةِ الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ؛ عُدْ إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَتَأَمَّلْ فِي خَرِيطَةِ الْأَدْيَانِ، وَسَتَجِدُ مَا يَلِي:

أَمَّا أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ مَكَّةُ قَدْ أَطْبَقَتْ عَلَى الْكُفْرِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ مِمَّنْ يَتَخَفَّى، يَتَزَيَّلُ هَاهُنَا وَهُنَالِكَ بِإِيمَانِهِ يَخْشَى الْمَمَاتَ وَيَحْذَرُ الْقَتْلَ، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَصَارَتْ قَاعِدَةً.

وَإِذَنْ؛ فَخَرِيطَةُ الْأَدْيَانِ فِي الْعَالَمِ هَكَذَا:

الدِّيَانَةُ الْفَارِسِيَّةُ بِعِبَادَةِ النَّارِ فِي فَارِسَ وَمَا دَخَلَ مَعَهَا فِي دِينِهَا، وَمَنْ دَخَلَ؛ فَهَذِهِ مِسَاحَةٌ كَبِيرَةٌ لَوْ أَنَّكَ ظَلَّلْتَ مُلَوِّنًا مِسَاحَةً مِنْ خَرِيطَةِ الْأَدْيَانِ عِنْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ لَكَانَتْ وَاسِعَةً شَاسِعَةً.

ثُمَّ تَرَى الدِّيَانَةَ الْهِنْدُوكِيَّةَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْهِنْدِ وَمَا جَاوَرَهَا، وَالزِّرَادَشْتِيَّةَ، وَمَا أَشْبَهَ مِنْ تِلْكَ الدِّيَانَاتِ.

ثُمَّ النَّصَارَى هُنَالِكَ عِنْدَ الدَّوْلَةِ الْبِيزَنْطِيَّةِ، وَمَا كَانَ عِنْدَ سَاحِلِ الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ.

وَالْيَهُودُ؛ وَكَانُوا جُمْلَةً مُتَنَاثِرِينَ هَاهُنَا وَهُنَالِكَ.

ظَلِّلْ.. ظَلِّلْ أَخِي، ثُمَّ الْتَفِتْ أَيْنَ هُوَ لَوْنُ الْإِسْلَامِ فِي خَرِيطَةِ الْأَدْيَانِ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ عَلَى قَلْبِ الْهُمَامِ ﷺ؟!!

نُقْطَةٌ مَغْمُورَةٌ فِي كَوْنٍ كَبَحْرٍ لُجِّيٍّ، فِي كَوْنٍ مُتَرَامِي الْأَطْرَافِ، وَتَرَى الظِّلَالَ فَاقِعَاتٍ بَاهِتَاتٍ هَاهُنَا وَهُنَالِكَ وَهُنَاكَ، ثُمَّ لَا تَجِدُ لِلْإِسْلَامِ عَلَى خَرِيطَةِ الْأَدْيَانِ عِنْدَمَا نَزَلَتِ الْآيَةُ مُتَحَدِّيَةً: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}.

فَهَذِهِ الْخَرِيطَةُ سَتُسْتَبْدَلُ بَعْدَ حِينٍ.

هَذِهِ الْخَرِيطَةُ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي حَقِيقَتِهَا.

هَزْلٌ فِي هَزْلٍ، وَعَبَثُ أَطْفَالٍ يَتَرَفَّعُ عَنْهُ الْكِبَارُ مِنْ أَصْحَابِ الْحُلُومِ مِنْ أَصْحَابِ الْعُقُولِ.. لَا شَيْءَ؛ مَعَ أَنَّ النُّقْطَةَ هُنَالِكَ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ نُقْطَةٌ تَائِهَةٌ فِي كَوْنِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَنَعَمْ! إِنَّ أَكْبَرَ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بَعْدَ تِلْكَ الْوُجُوهِ الَّتِي عَدَّدَهَا عُلَمَاؤُنَا السَّابِقُونَ -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ-؛ فَكَتَبُوا مَا كَتَبُوا وَدَوَّنُوا مَا دَوَّنُوا مِنْ أَسْفَارٍ، وَرَقَمُوا مَا رَقَمُوا مِنْ سُطُورٍ، وَأَتَوْا بِكُلِّ مُعْجِزٍ عَلَى الْمُسْتَوَى الْإِنْسَانِيِّ.

وَلَكِنْ.. مَكْمَنُ الْإِعْجَازِ الْحَقِّ فِي كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنَّهُ كِتَابُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَكَلَامُهُ.

عُدِ الْآنَ لِذِهْنِيَّةِ الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَإِمْكَانَاتِ الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ وَانْظُرْ: أَيْنَ تَجِدُ الْإِسْلَامَ عَلَى خَارِطَةِ الْأَدْيَانِ؟!!

نُقْطَةٌ تَائِهَةٌ، غَيْرَ أَنَّهَا تَمْلِكُ بِذَاتِهَا قُوَّةَ وُجُودِهَا بِأَمْرِ رَبِّهَا؛ فَمَا تَزَالُ تَتَنَامَى، وَالْآخَرُونَ يَمْلِكُونَ قُوَّةَ دَمَارِهِمْ فِي ذَوَاتِهِمْ بِأَمْرِ رَبِّهِمْ؛ فَمَا يَزَالُونَ يَضْمَحِلُّونَ يَتَضَاءَلُونَ، حَتَّى وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ يَتَنَامَى وَسَيَصِلُ إِلَى مَا يُرِيدُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

فَمَا زَالَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِآفَاقِهِ بَقِيَّةٌ بَاقِيَةٌ هِيَ عَظِيمَةٌ جِدًّا لِهَذِهِ الْآيَةِ الْجَلِيلَةِ الْبَاهِرَةِ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}.

هُوَ أَمْرُ اللهِ يَا صَاحِ.

هُوَ أَمْرُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ؛ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}؛ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ يَقُولُ فِيهَا الْمُخْتَارُ ﷺ عِنْدَمَا صَعِدَ يَوْمًا الْمِنْبَرَ بِـ (الْبَنَاوَةِ)، وَغَيْرُ ذَلِكَ قِيلَ فِي اسْمِهَا، وَهِيَ مِنَ الطَّائِفِ.. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((يُوشِكُ أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)).

قَالُوا: وَبِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ؟

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ؛ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)) .

فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَمْرَ كَذَلِكَ.

وَأَمْرٌ آخَرُ هُوَ مِنْ بَابَتِهِ، وَكُلُّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ.

أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ))  عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَمَرَّتْ بِهِمْ جِنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ.

فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟

قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ».

فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟

قَالَ: «وَثَلَاثَةٌ».

فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟

قَالَ: «وَاثْنَانِ»، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ.

((بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ شَهِيدٌ)) .

فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ أَخْبَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّنَا سَنَكُونُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ.

وَمَا عِلْمُنَا بِبَلَاغِ نُوحٍ قَوْمَهُ؟!!

وَمَا عِلْمُنَا بِأَنَّ نُوحًا ظَلَّ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْتِزَامِ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَجَعْلِ الْأَصْنَامِ دَبْرَ الْأَقْدَامِ وَالْآذَانِ؟!! مَنْ أَدْرَانَا بِذَلِكَ؟!!

أَدْرَانَا بِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ.

فَالشَّهَادَةُ هِيَ الشَّهَادَةُ.

وَأَمَّا الشُّهُودُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا حَائِزِينَ لِأَمْرَيْنِ كَبِيرَيْنِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الشَّاهِدَ الَّذِي اخْتَلَّتْ أَهْلِيَّتُهُ -أَهْلِيَّةُ شَهَادَتِهِ- لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، الَّذِي أَصَابَتْهُ اللُّوثَةُ، وَالَّذِي أَدْرَكَهُ الْجُنُونُ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي خَلَلِ السَّفَهِ، وَالَّذِي أَتَاهُ مَا أَتَاهُ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي تُخِلُّ بِإِدْرَاكِهِ وَتُفْسِدُ عَلَيْهِ تَصَوُّرَهُ.

هَذَا الْأَمْرُ الْكَبِيرُ يَكُونُ -حِينَئِذٍ- مُخْتَلًّا فِيمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا، وَإِذَنْ؛ فَهُوَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ الْجَلِيلَةِ عَلَى الْأُمَمِ.

وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي؛ فَهُوَ الْمَنْحَى الْأَخْلَاقِيُّ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.

الْعَدَالَةُ بِالْبُعْدِ عَنْ كُلِّ مَا يَشِينُ، بِالْبُعْدِ عَنْ كُلِّ مَا يَطْعَنُ فِي هَذَا الْأَدِيمِ الطَّاهِرِ فِي هَذَا الْقَلْبِ الصَّافِي الَّذِي فَطَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانَ؛ فَلَوَّثَتْهُ مُلَوِّثَاتُ الْمُجْتَمَعِ، وَتَصَوُّرَاتٌ يَتَقَمَّمُهَا الْمَرْءُ مِنْ زِبَالَاتِ أَفْكَارِ وَفَلْسَفَاتِ الْأُمَمِ.

وَأَمَّا عِنْدَ الْعَوْدَةِ؛ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْأُمَّةُ حَائِزَةً لِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ.

وَنَحْنُ لَا يُمْكِنُ بِحَالٍ أَبَدًا أَنْ نُعْطِيَ شَيْئًا.. وَلَا يُمْكِنُ بِحَالٍ أَبَدًا أَنْ نَتَحَصَّلَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا إِذَا مَا عَلَوْنَا فَوْقَ الْأَحْدَاثِ.. فَوْقَ الْمَوَاقِفِ.. فَوْقَ الدُّنْيَا بِمُوَاضَعَاتِهَا؛ فَكُنَّا فَوْقَ الْقِمَّةِ السَّامِقَةِ تَفَرُّدًا بِالشُّمُوخِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ الذِّهْنُ صَافِيًا، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ مُدْرِكًا.

وَأَمَّا عِنْدَ التَّلَوُّثِ فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ بِأَفْكَارِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرْءُ مَا هُوَ فَاقِدُهُ؟!! وَفَاقِدُ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ!

وَحَقًّا لَوْ أَنَّكَ نَظَرْتَ إِلَى أَرْضٍ تَحْتَاجُ مَاءً، وَكَانَ الْمَاءُ أَدْنَى.. وَكَانَ الْمَاءُ فِي مُسْتَوًى أَوْطَأَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ؛ فَكَيْفَ يُعْطِيهَا؟!! وَكَيْفَ يَرْوِيهَا؟!!

وَانْظُرِ الْآنَ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلُوَ الْمَاءُ إِلَى مُسْتَوًى أَعْلَى مِنْ مُسْتَوَى الْأَرْضِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يُرْوِيَهَا وَأَنْ يُرَوِّيَهَا.

لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الْمُعْطِي فِي مَكَانٍ أَعْلَى وَمُسْتَوًى أَجَلَّ؛ مِمَّا يُمَكِّنُ أَنْ يَؤْخَذَ مِنْهُ، وَيُفِيدَ بِهِ، وَيُتَحَصَّلَ عَلَى الْخَيْرِ مِنْ وَرَائِهِ.

وَكَذَا الْمُسْلِمُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرْتَفِعًا بِتِلْكَ النُّقْطَةِ الْمُتَوَهِّجَةِ بَيْنَ الْإِمْكَانِ الْحَضَارِيِّ وَالْإِرَادَةِ الْحَضَارِيَّةِ الضَّابِطَةِ.

الْإِمْكَانُ الْحَضَارِيُّ: هُوَ السَّيْطَرَةُ عَلَى مَقَالِيدِ الْقُوَى الْمُتَاحَةِ لِلْبَشَرِ فِي الْكَوْنِ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مُسَخَّرًا لِلْبَشَرِ.

هَذَا هُوَ الْإِمْكَانُ الْحَضَارِيُّ؛ يَسْعَى فِي امْتِلَاكِهِ مَنْ يَسْعَى، وَفِي تَحْصِيلِهِ مَنْ يُحَصِّلُ.

أَتَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْإِشَارَةِ بِهَذَا التَّوَازُنِ.. بِهَذَا الْوَسَطِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَائِمًا فِي كَوْنِهِ مُحَقَّقًا فِي بَعْضِ خَلْقِهِ زَمَانًا وَمَكَانًا، وَاعْتِقَادًا وَسُلُوكًا، وَأَخْلَاقًا وَمُعَامَلَةً، وَبُرْهَانًا لِلْعَالَمِ جَمِيعِهِ عَلَى أَنَّ دِينَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ الضَّابِطُ لِلْحَيَاةِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ الْهَادِي لِلْحَيَاةِ الْمُهْتَدِيَةِ النَّظِيفَةِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ لِأَمْرِ الْوُجُودِ حَتَّى لَا تَنْحَرِفَ الْقَافِلَةُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ لِيَكُونَ بُرْهَانًا قَائِمًا فِي أَرْضِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُطَبَّقًا بِعَمَلٍ عَلَى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}؛ فَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ تُحَقِّقُ نِسْبَةَ التَّوَازُنِ بَيْنَ الْإِمْكَانِ الْحَضَارِيِّ بِتَمَلُّكِ الْقُوَّةِ وَالْإِرَادَةِ الْحَضَارِيَّةِ، بِتَصْرِيفِ الْقُوَّةِ عَلَى الْمُسْتَوَى الشَّخْصِيِّ وَعَلَى الْمُسْتَوَى الْجَمَاعِيِّ الْأُمَمِيِّ، حَيْثُ تَكُونُ الْأُمَّةُ وَسَطِيَّةً بِحَقٍّ فِي دُنْيَا اللهِ.

قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143].

قَالَ: ((ذَكَرَ فِي هَذِهِ الآيَةِ السَّبَبَ المُوجِبَ لِهِدَايَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ مُطْلَقًا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ، وَمِنَّةَ اللهِ عَلَيْهَا؛ فَقَالَ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}؛ أَيْ: عَدْلًا خِيَارًا، وَمَا عَدَا الْوَسَطِ فَأَطْرَافٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْخَطَرِ، فَجَعَلَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَسَطًا فِي كُلِّ أُمُورِ الدِّينِ:

وَسَطًا فِي الْأَنْبِيَاءِ، بَيْنَ مَنْ غَلَا فِيهِمْ كَالنَّصَارَى، وَبَيْنَ مَنْ جَفَاهُمْ، كَالْيَهُودِ، بِأَنْ آمَنُوا بِهِمْ كُلِّهِمْ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِذَلِكَ.

وَوَسَطًا فِي الشَّرِيعَةِ: لَا بِتَشْدِيدَاتِ الْيَهُودِ وَآصَارِهِمْ، وَلَا بِتَهَاوُنِ النَّصَارَى.

وَفِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَالْمَطَاعِمِ: لَا كَالْيَهُودِ الَّذِين لَا تَصِحُّ لَهُمْ صَلَاةٌ إِلَّا فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَلَا يُطَهِّرُهُمُ الْمَاءُ مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٌ عُقُوبَةً لَهُمْ، وَلَا كَالنَّصَارَى الَّذِينَ لَا يُنَجِّسُونَ شَيْئًا، وَلَا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا، بَلْ أَبَاحُوا مَا دَبَّ وَدَرَجَ.

بَلْ طَهَارَتُهُمْ أَكْمَلُ طَهَارَةٍ وَأَتَمُّهَا، وَأَبَاحَ اللهُ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَنَاكِحِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ مِنْ ذَلِكَ.

فَلِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الدِّينِ أَكْمَلُهُ، وَمِنَ الْأَخْلَاقِ أَجَلُّهَا، وَمِنَ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُهَا، وَوَهَبَهُمُ اللهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ مَا لَمْ يَهَبْهُ لِأُمَّةٍ سِوَاهُمْ، فَلِهَذَا كَانُوا {أُمَّةً وَسَطًا}، كَامِلِينَ مُعْتَدِلِينَ.

لِيَكُونُوا {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}؛ بِسَبَبِ عَدَالَتِهِمْ وَحُكْمِهِمْ بِالْقِسْطِ، يَحْكُمُونَ عَلَى النَّاسِ مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، فَمَا شَهِدَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ فَهُوَ مَقْبُولٌ، وَمَا شَهِدَتْ لَهُ بِالرَّدِّ فَهُوَ مَرْدُودٌ)).

 

المصدر:خَيْرِيَّةُ الْأُمَّةِ وَخَيْرِيَّةُ نَبِيِّهَا ﷺ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  مَبْنَى حَرَكَةِ حَيَاةِ الْمُسْلِمِ عَلَى نِظَامٍ مُحْكَمٍ
  لَا تَظْلِمُوا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَنْفُسَكُمْ
  مِنْ فَوَائِدِ الصِّيَامِ وَمَقَاصِدِهِ
  الدرس الرابع : «التَّسَامُحُ»
  الدَّرْسُ الثَّانِي: أُصُولُ التَّوْحِيدِ وَمَعَالِمُهُ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ
  مِنْ صُوَرِ الْعَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ: نَظَافَةُ الشَّوَارِعِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ
  عُذْرًا فِلَسْطِينَ!!
  مِنْ أَعْظَمِ النَّفْعِ لِلْمُسْلِمِينَ: تَعْلِيمُهُمُ الْعِلْمَ النَّافِعَ
  عِظَمُ خُلُقِ الْوَفَاءِ
  تَوَاضُعُ الصَّالِحِينَ وَعَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِالنَّفْسِ
  أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! احْذَرُوا الْخُمُورَ وَالْمُخَدِّرَاتِ
  الدُّرُوسُ العَظِيمَةُ مِنْ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ
  مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ فِي شَهْرِ الْحَصَادِ
  النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَ الْأُمَّةَ الْوَرَعَ فِي الْمُعَامَلَاتِ
  حَضَّ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَنَبَذَ الْكَرَاهِيَةَ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان