إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَحَضَارِيٌّ

إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَحَضَارِيٌّ

((إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَحَضَارِيٌّ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((مَعْنَى الْأَمَانَةِ))

فَالْأَمَانَةُ: كُلُّ مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ، كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَأَدَاءِ الدَّيْنِ، وَأَوْكَدُهَا الْوَدَائِعُ، وَأَوْكَدُ الْوَدَائِعِ كَتْمُ الْأَسْرَارِ، وَكُلُّ مَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالٍ وَحُرَمٍ وَأَسْرَارٍ فَهُوَ أَمَانَةٌ.

وَقِيلَ: الْأَمَانَةُ: خُلُقٌ ثَابِتٌ فِي النَّفْسِ يَعِفُّ بِهِ الْإِنْسَانُ عَمَّا لَيْسَ لَهُ بِهِ حَقٌّ، وَإِنْ تَهَيَّأَتْ لَهُ ظُرُوفُ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ عُرْضَةً لِلْإِدَانَةِ عِنْدَ النَّاسِ، وَيُؤَدِّي بِهِ مَا عَلَيْهِ أَوْ لَدَيْهِ مِنْ حَقٍّ لِغَيْرِهِ، وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَهْضِمَهُ دُونَ أَنْ يَكُونَ عُرْضَةً لِلْإِدَانَةِ عِنْدَ النَّاسِ.

وَالْأَمَانَةُ إِحْدَى الْفُرُوعِ الْخُلُقِيَّةِ لِحُبِّ الْحَقِّ وَإِيثَارِهِ، وَهِيَ ضِدُّ الْخِيَانَةِ.

وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ تَعْرِيفِ الْأَمَانَةِ أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ عَنَاصِرَ:

الْأَوَّلُ: عِفَّةُ الْأَمِينِ عَمَّا لَيْسَ لَهُ بِهِ حَقٌّ.

وَالثَّانِي: تَأْدِيَةُ الْأَمِينِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ لِغَيْرِهِ.

وَالثَّالِثُ: اهْتِمَامُ الْأَمِينِ بِحِفْظِ مَا اسْتُؤْمِنَ عَلَيْهِ، وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ بِهَا وَالتَّهَاوُنِ بِشَأْنِهَا -أَيْ: بِالْأَمَانَةِ-.

((الْأَمَانَةُ مِنْ أَخْلَاقِ الرُّسُلِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- ))

وَالْأَمَانَةُ مِنْ أَبْرَزِ أَخْلَاقِ الرُّسُلِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ فَنُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَلُوطٌ وَشُعَيْبٌ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ يُخْبِرُنَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَالَ لِقَوْمِهِ: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ}  [الشعراء: 107].

وَرَسُولُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ كَانَ فِي قَوْمِهِ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَبَعْدَهَا مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ بِأَنَّهُ الْأَمِينُ، وَكَانَ النَّاسُ يَخْتَارُونَهُ لِحِفْظِ وَدَائِعِهِمْ عِنْدَهُ، وَلَمَّا هَاجَرَ ﷺ وَكَّلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِرَدِّ الْوَدَائِعِ إِلَى أَصْحَابِهَا.

وَجِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَمِينُ الْوَحْيِ، وَقَدْ وَصَفَهُ اللهُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} [الشعراء: 192-194].

((مَجَالَاتُ الْأَمَانَةِ))

وَالْمَجَالَاتُ الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا الْأَمَانَةُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، مِنْهَا: الدِّينُ، وَالْأَعْرَاضُ، وَالْأَمْوَالُ، وَالْأَجْسَامُ وَالْأَرْوَاحُ، وَالْمَعَارِفُ وَالْعُلُومُ، وَالْوِلَايَةُ وَالْوِصَايَةُ، وَالشَّهَادَةُ وَالْقَضَاءُ، وَالْكِتَابَةُ، وَنَقْلُ الْحَدِيثِ، وَالْأَسْرَارُ، وَالرِّسَالَاتُ، وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ، وَسَائِرُ الْحَوَاسِّ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.

وَالْأَمَانَةُ تَكُونُ فِي مُعَامَلَةِ الْعَبْدِ لِخَالِقِهِ، وَفِي مُعَامَلَةِ الْعَبْدِ لِلْخَلْقِ.

أَمَّا الْأَمَانَةُ فِي حَقِّ اللهِ: فَأَنْ تَقُومَ بِطَاعَةِ اللهِ، مُخْلِصًا للهِ، مُتَّبِعًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، تَمْتَثِلُ أَوَامِرَهُ، وَتَجْتَنِبُ نَوَاهِيَهُ، تَخْشَى اللهَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ حَيْثُ لَا يَرَاكَ النَّاسُ وَحَيْثُ يَرَوْنَكَ، لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَخْشَى اللهَ فِي الْعَلَانِيَةِ وَلَا يَخْشَاهُ فِي السِّرِّ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الرِّيَاءُ، وَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

وَلَقَدْ أَنْكَرَ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80].

وَقَالَ تَعَالَى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77].

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [التغابن: 4].

وَأَمَّا الْأَمَانَةُ فِي حُقُوقِ الْخَلْقِ: فَأَنْ تُعَامِلَهُمْ بِمَا تُحِبُّ أَنْ يُعَامِلُوكَ بِهِ، وَأَنْ تَحْفَظَ حُقُوقَهُمُ الْمَالِيَّةَ وَغَيْرَ الْمَالِيَّةِ، فَتَكُونُ الْأَمَانَةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَحْفَظَ سِرَّ صَاحِبِهِ، وَأَلَّا يُحَدِّثَ أَحَدًا بِمَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي السِّرِّ؛ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ أَحَدُهُمَا سِرَّ صَاحِبِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَتَكُونُ الْأَمَانَةُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَصَاحِبِهِ، يُفْضِي إِلَيْهِ بِحَدِيثِ سَرٍّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخُونَهُ وَيُحَدِّثَ بِهِ، حَتَّى جَاءَ فِي الْأَثَرِ: ((إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ رَجُلًا بِحَدِيثٍ، ثُمَّ الْتَفَتَ؛ فَهُوَ أَمَانَةٌ)).

وَلَقَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ مُفَرِّطًا فِي هَذَا الْأَمْرِ، يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ سِرٌّ، وَأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يُحِبُّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، ثُمَّ يَكْشِفُ سِرَّهُ، وَيُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ.

أَلَا وَإِنَّ الْأَمَانَةَ تَكُونُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخُونَ الْمُشْتَرِي؛ بِنَقْصٍ فِي الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ، وَلَا بِكِتْمَانِ عَيْبٍ، وَلَا بِتَدْلِيسِ صِفَةٍ.

وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَخُونَ الْبَائِعَ بِنَقْصٍ فِي الثَّمَنِ، أَوْ إِنْكَارٍ، أَوْ مُمَاطَلَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَفَاءِ.

وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَخُونَ الْأَجِيرَ بِتَصَرُّفٍ يَضُرُّ الْمُسْتَأَجِرَ مِنْ دَارٍ أَوْ دُكَّانٍ أَوْ آلَةٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ الْمُؤَجِّرُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخُونَ الْمُسْتَأْجِرَ بِنَقْصِ شَيْءٍ مِنْ مُوَاصَفَاتِ الْأُجْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا.

وَتَكُونُ الْأَمَانَةُ فِي الْوَكَالَاتِ وَالْوِلَايَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَخُونَ مُوَكِّلَهُ؛ كَأَنْ يُحَابِيَ أَحَدًا، فَيَبِيعَ السِّلْعَةَ الَّتِي وُكِّلَ بِبَيْعِهَا بِأَنْ يَنْقُصَ مِنْ ثَمَنِهَا مُرَاعَاةً لِلْمُشْتَرِي، أَوْ يَكُونَ مُوَكَّلًا فِي حِفْظِ شَيْءٍ فَيُفَرِّطُ فِي حِفْظِهِ، أَوْ مُوَكَّلًا فِي النَّظَرِ عَلَيْهِ فَيَخُونَ فِي نَظَرِهِ.

وَمَنْ كَانَ وَلِيًّا عَلَى أَمْرٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ فَهُوَ أَمِينٌ عَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ؛ فَوَلِيُّ الْيَتِيمِ أَمِينٌ، وَالْقَاضِي أَمِينٌ، وَالْأَمِيرُ أَمِينٌ، وَكُلُّ ذِي وِلَايَةٍ أَمِينٌ يَجِبُ أَنْ يَرْعَى مَصَالِحَ وِلَايَتِهِ، وَنَاظِرُ الْوَقْفِ السَّبِيلِ أَمِينٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَ مَصْلَحَةَ الْوَقْفِ وَمَصْلَحَةَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَصْرِفَهُ حَيْثُ وَجَّهَهُ الْوَاقِفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذٌورٌ شَرْعِيٌّ.

فَالْأَمَانَةُ تَكُونُ فِي الدِّينِ كُلِّهِ وَالْأَعْمَالِ كُلِّهَا، فَمَنْ أَدَّاهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ كَانَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ، وَمَنْ خَانَهَا أَوْ تَهَاوَنَ فِيهَا كَانَ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

((الْأَمَانَةُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 27-28].

وَقَالَ ﷺ: ((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَقَالَ ﷺ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ -أَيْ: عَلَامَةُ الْمُنَافِقِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا، وَخُلُقُهُ الَّذِي يَتَخَلَّقُ بِهِ- آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَالَ ﷺ: ((إِذَا جَمَعَ اللهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

يُرْفَعُ لَهُ هَذَا اللِّوَاءُ؛ فَضِيحَةً لَهُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ، وَخِزْيًا وَعَارًا وَشَنَارًا.

((أَمَانَةُ الْعَامِلِ وَالصَّانِعِ))

وَمِنْ أَهَمِّ صُوَرِ الْأَمَانَةِ: أَمَانَةُ الْعَامِلِ وَالصَّانِعِ، وَتَكُونُ بِمُرَاقَبَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي كُلِّ عَمَلٍ كُلِّفَ بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَمَلًا عَامًّا أَمْ خَاصًّا؛ لِأَنَّهُ يُرَاقِبُ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، فِي حُضُورِ صَاحِبِ الْعَمَلِ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، أَوْ فِي عَدَمِ حُضُورِ أَيٍّ مِنْهُمَا.

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا} [الأحزاب: 52].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [يونس: 61].

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7].

((مِنَ الْأَمَانَةِ إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَالصَّنْعَةِ))

وَمِنْ أَمَانَةِ الْعَامِلِ وَالصَّانِعِ: إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَالصَّنْعَةِ وَتَجْوِيدُهُمَا، وَقَدْ لَفَتَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْظَارَنَا إِلَى الْإِتْقَانِ، حَيْثُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِإِتْقَانٍ مُعْجِزٍ.

قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88].

وَأَوْجَبَ عَلَيْنَا -سُبْحَانَهُ- الْإِحْسَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].

وَقَالَ نَبِيُّنَا الْأَمِينُ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ)). رَوَتْهُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

فَالْإِتْقَانُ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى فِي الْأَعْمَالِ وَفِي الصِّنَاعَاتِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ)).

وَأَخْبَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بِأَنَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَوَعَدَ بِأَنَّهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَوَعْدُ الْكَرِيمِ لَا يَتَخَلَّفُ.

وَالْإِتْقَانُ لُبُّ الْعَمَلِ، وَرُوحُ مَجْهُودِ الْعَامِلِ، وَإِذَا انْتَفَى الْإِتْقَانُ وَبَقِيَ مِنَ الْعَمَلِ الْقُشُورُ كَانَ الْمَجْهُودُ هَبَاءً مَنْثُورًا.

وَالْإِتْقَانُ مِنْ ثَمَرَاتِ الِاعْتِمَادِ عَلَى النَّفْسِ، وَمِنْ لَوَازِمِ الْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ، وَدَوَاعِي التَّأَنِّي فِيهِ، وَالْعِلْمِ بِظَوَاهِرِهِ وَخَوَافِيهِ، وَالنَّاسُ فِي فَحْصِهِمُ الشَّيْءَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى الزَّمَنِ الَّذِي اسْتَغْرَقَهُ عَمَلُهُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى جَوْدَةِ صُنْعِهِ وَإِحْكَامِ وَضْعِهِ، وَبِذَا يَحْكُمُونَ لِلصَّانِعِ أَوْ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ، فَيَخْلَعُونَ عَلَيْهِ حُلَلَ الْفَخَارِ، أَوْ يَسِمُونَهُ بِسِمَةِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَالْعَارِ، وَسَرْعَانَ مَا يُذَاعُ هَذَا الْحُكْمُ، وَيَتَوَلَّى الْجُمْهُورُ تَنْفِيذَهُ وَالْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ.

وَقَدْ يَسْتَغِلُّ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا الْحُكْمَ مُسْتَعِينًا بِسَذَاجَةِ الْجُمْهُورِ، وَيَحِيدُ عَنِ الْإِتْقَانِ، وَيَبْقَى الْجُمْهُورُ مُتَأَثِّرًا بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ، لَكِنَّهُ لَا يَلْبَثُ مَلِيًّا حَتَّى يَتَنَبَّهَ لِلْأُحْبُولَةِ، وَحَتَّى يَشْعُرَ بِالْخَدِيعَةِ، وَيَسْتَكْشِفَ الْغِشَّ، وَحِينَئِذٍ يَصْدُرُ الْحُكْمُ النِّهَائِيُّ الْقَاضِي عَلَى سُمْعَةِ ذَلِكَ الْغَاشِّ إِلَى الْأَبَدِ.

((مِنَ الْأَمَانَةِ إِنْجَازُ الْعَمَلِ فِي مَوْعِدِهِ))

وَمِنَ الْأَمَانَةِ إِنْجَازُ الْعَمَلِ فِي مَوْعِدِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَالْوَعْدِ، وَهُوَ شَأْنُ الْعُمَّالِ وَالصُّنَّاعِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْفَاضِلَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، كَمَا أَنَّهُ صِفَةٌ كَرِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى شَرَفِ النَّفْسِ، وَقُوَّةِ الْعَزِيمَةِ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].

وَقَدْ أَمَرَ -تَعَالَى- بِهِ، وَامْتَدَحَ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 8-11].

((أَمَانَةُ الْعَامِلِ وَالصَّانِعِ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ وَوَطَنِيٌّ))

وَأَمَانَةُ الْعَامِلِ وَالصَّانِعِ كَمَا تَنْطَلِقُ مِنْ دَافِعٍ شَرْعِيٍّ دِينِيٍّ فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ -أَيْضًا- مِنْ وَازِعٍ وَدَافِعٍ وَطَنِيٍّ؛ فَحُبُّ الْوَطَنِ وَإِرَادَةُ رُقِيِّهِ وَتَقَدُّمِهِ يَحْمِلَانِ عَلَى الْأَمَانَةِ وَإِحْسَانِ الْعَمَلِ، وَالرَّغْبَةِ فِي التَّجْوِيدِ وَالتَّمَيُّزِ فِيهِ.

وَهَذَا لَهُ جَزَاءٌ عَظِيمٌ؛ فَجَزَاءُ الْأَمَانَةِ عَظِيمٌ، وَفَضْلُهَا عَمِيمٌ، وَيَكْفِي الْعَامِلَ وَالصَّانِعَ الْأَمِينَ أَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْإِيمَانِ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ عَهْدَ لَهُ)).

وَالْعَامِلُ الْأَمِينُ وَالصَّانِعُ الْأَمِينُ مَحْبُوبَانِ مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، حَيْثُ أَطَاعَا أَمْرَهُ -سُبْحَانَهُ-، وَمَحْبُوبٌ مِنَ النَّاسِ، حَيْثُ يَثِقُونَ بِعَمَلِهِ، وَيُقْبِلُونَ عَلَى صَنْعَتِهِ؛ فَجَزَاؤُهُ مَوْفُورٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30].

((قَرْنُ الصِّدْقِ بِالْأَمَانَةِ وَثَمَرَاتُهُمَا))

((وَقَدْ أَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالصِّدْقِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَأَثْنَى عَلَى الصَّادِقِينَ الَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119].

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا} [النساء: 58].

وَهَذَا شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَمَانَاتِ؛ مِنَ الْوِلَايَاتِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، وَأَمَانَاتِ الْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ وَالْأَسْرَارِ، وَغَيْرِهَا.

وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ: ((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا)).

وَإِنَّمَا حَثَّ الشَّارِعُ عَلَى الصِّدْقِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَرِعَايَتِهَا؛ لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةُ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، وَهِيَ الدَّاعِيَةُ إِلَيْهَا، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ: ((فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ))، وَالْبِرُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ وَطَاعَةٍ للهِ -تَعَالَى-، وَإِحْسَانٍ إِلَى الْخَلْقِ.

 

وَالصِّدْقُ عُنْوَانُ الْإِسْلَامِ، وَمِيزَانُ الْإِيمَانِ، وَرَأْسُ الدِّينِ، وَعَلَامَةٌ عَلَى كَمَالِ الْمُتَّصِفِ بِهِ، وَأَنَّ لَهُ الْمَقَامَ الْأَعْلَى فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَهُوَ صَرِيحُ الْإِخْلَاصِ؛ فَإِنَّ الْمُخْلِصَ قَدِ اسْتَوَى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، وَالصَّادِقُ كَذَلِكَ.

وَبِالصِّدْقِ يَصِلُ الْعَبْدُ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ، وَبِهِ تَحْصُلُ النَّجَاةُ مِنْ جَمِيعِ الشُّرُورِ، وَبِالصِّدْقِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ تَحْصُلُ الْبَرَكَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ، وَيَكُونُ صَاحِبُهَا مُعْتَبَرًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الْخَلْقِ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَأَخْبَرَ -وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ- أَنَّ الْبَرَكَةَ مَقْرُونَةٌ بِالصِّدْقِ وَالْبَيَانِ، وَأَنَّ الْمَحْقَ وَالتَّلَفَ مَقْرُونَانِ بِالْكَذِبِ وَالْكِتْمَانِ، وَالْمُشَاهَدَةُ أَكْبَرُ شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ صَادِقًا فِي مُعَامَلَتِهِ، مُؤْتَمَنًا فِي أَمَانَاتِهِ، اسْتَوَى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ؛ إِلَّا وَجَدْتَ رِزْقَهُ رَغَدًا، وَأَسْبَابَهُ جَارِيَةً عَلَى السَّدَادِ، وَمُعَامَلَاتِهُ مُسْتَقِيمَةً، وَقَدْ حَازَ مَعَ ذَلِكَ الشَّرَفَ وَحُسْنَ السُّمْعَةِ، وَالِاعْتِبَارَ، وَتَسَابَقَ النَّاسُ إِلَى مُعَامَلَتِهِ، وَبِذَلِكَ تَتِمُّ لَهُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّكَ لَا تَجِدُ كَذَّابًا غَشَّاشًا سَيَّءَ الْمُعَامَلَةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ بِعَكْسِ حَالِ الصَّادِقِ.

لَا تَرَى صَادِقًا إِلَّا مَرْمُوقًا بَيْنَ النَّاسِ بِالْمَحَبَّةِ وَالثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلَا كَاذِبًا إِلَّا مَمْقُوتًا بِهَذَا الْخُلُقِ الْأَثِيمِ.

الصَّادِقُ يَطْمَئِنُّ إِلَى قَوْلِهِ الْعَدُوُّ وَالصَّدِيقُ، وَالْكَاذِبُ لَا يَثِقُ بِهِ الصَّدِيقُ وَالْقَرِيبُ، فَمَا أَحْلَى أَحَادِيثَ الصَّادِقِينَ، وَمَا أَقْبَحَ أَقْوَالَ الْكَاذِبِينَ!

الصَّادِقُ الْأَمِينُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ وَالْأَسْرَارِ، وَمَتَى حَصَلَ مِنْهُ كَبْوَةٌ أَوْ عَثْرَةٌ فَصِدْقُهُ شَفِيعٌ مَقْبُولٌ.

وَالْكَاذِبُ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، وَلَوْ قُدِّرَ صِدْقُهُ -أَحْيَانًا- لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ مَوْقِعٌ وَلَا حَصَلَ بِهِ ثِقَةٌ وَلَا اطْمِئْنَانٌ.

بِالصِّدْقِ تُبْرَمُ الْعُهُودُ الْوَثِيقَةُ، وَتَطْمَئِنُّ لَهَا الْقُلُوبُ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

مَا كَانَ الصِّدْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا الْكَذِبُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ.

الصِّدْقُ طَرِيقُ الْإِيمَانِ، وَالْكَذِبُ بَرِيدُ النِّفَاقِ)).

((وَالصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الرِّزْقِ وَبَرَكَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].

فَرَتَّبَ عَلَى التَّقْوَى الَّتِي أَسَاسُهَا الصِّدْقُ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ.. رَتَّبَ عَلَيْهَا التَّيْسِيرَ وَالْخُرُوجَ مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ، وَفَتَحَ أَبْوَابَ الرِّزْقِ، كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)).

وَإِنَّمَا كَانَ الصِّدْقُ وَالْبَيَانُ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِي جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ سَبَبًا لِلْبَرَكَةِ وَتَيْسِيرِ أَبْوَابِ الرِّزْقِ لِأَمْرَيْنِ مُهِمَّيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَعْدُ اللهِ -تَعَالَى- وَوَعْدُ رَسُولِهِ ﷺ، وَاللهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ؛ أَنَّ مَنْ سَلَكَ الطُّرُقَ الَّتِي أُمِرَ بِهَا وَتَجَنَّبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِي سَعْيِهِ وَرِزْقِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَفَتَحَ لَهُ مِنْ خَزَائِنِ جُودِهِ وَكَرَمِهِ مَا لَا يَنَالُهُ بِسَعْيِهِمْ وَجِدِّهِمْ وَحِذْقِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ رَبَّانِيٌّ، وَجَزَاءٌ إِلَهِيٌّ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ بِالتَّجْرِبَةِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ عَامَلَ النَّاسَ وَعَرَفُوا مِنْهُ الصِّدْقَ وَالنُّصْحَ وَالْأَمَانَةَ اطْمَأَنُّوا إِلَيْهِ، وَرَكَنُوا إِلَى مُعَامَلَتِهِ، وَرَغِبُوا فِي الْأَخْذِ مِنْهُ وَإِعْطَائِهِ؛ لِأَنَّ قُلُوبَهُمْ إِلَيْهِ مُطْمَئِنَّةٌ، وَنُفُوسَهُمْ إِلَى أَمَانَتِهِ مُنْقَادَةٌ وَاثِقَةٌ، وَحَازَ الِاعْتِبَارَ وَالشَّرَفَ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا أُسِّسَتِ الْمُعَامَلَاتُ النَّزِيهَةُ الطَّيِّبَةُ، وَبِذَلِكَ مَشَتْ أَسْبَابُهُ بَيْنَ النَّاسِ.

وَكَذَلِكَ عَقْدُ الشَّرَكِاتِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إِذَا بُنِيَتْ عَلَى الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالْوَفَاءِ أَفَادَتْ أَهْلَهَا خَيْرًا كَثِيرًا؛ فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ اللهُ مَعَهُ أَيَّدَهُ بِعَوْنِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ، وَكَانَتْ حَرَكَاتُهُ مَقْرُونَةً بِالنَّجَاحِ، وَهَذَا مَعَ اتِّفَاقِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَصَالِحِهِمَا، وَاجْتِمَاعِ رَأْيِهِمَا، وَحُصُولِ التَّشَاوُرِ الَّذِي هُوَ مَدَارُ الْأَعْمَالِ، مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ مِنَ التَّعَاوُنِ الْبَدَنِيِّ وَالسَّعْيِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ مَا يُخْشَى ضَرَرُهُ.

كُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ أَسْبَابٌ وَمَفَاتِيحُ لِحُصُولِ الرِّزْقِ وَبَرَكَتِهِ وَنَمَائِهِ.

وَضِدُّ ذَلِكَ إِذَا بُنِيَتِ الْمُعَامَلَاتُ وَالشَّرِكَاتُ عَلَى الْكَذِبِ، وَعَدَمِ النُّصْحِ، وَحُصُولِ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْزِعُ بَرَكَتَهُ، وَيُحِلُّ الْمَحْقَ بَدَلًا لِذَلِكَ، وَتَتَأَثَّرُ الْمُعَامَلَةُ، وَتَنْحَطُّ بِالْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُشَاهَدٌ مُجَرَّبٌ)).

نَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُجَنِّبَنَا الْخِيَانَةَ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْأَمَانَةَ.

((الصِّدْقُ وَالْبَيَانُ أَسَاسُ الْمُعَامَلَاتِ))

((فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)).

هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمُعَامَلَاتِ النَّافِعَةِ، وَالْمُعَامَلَاتِ الضَّارَّةِ، وَأَنَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنْ نَافِعٍ وَضَارٍّ: الصِّدْقُ وَالْبَيَانُ.

فَمَنْ صَدَقَ فِي مُعَامَلَتِهِ، وَبَيَّنَ جَمِيعَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمُعَامَلَةُ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَقْصُودَةِ، وَمِنَ الْعُيُوبِ وَالنَّقْصِ؛ فَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ نَافِعَةٌ فِي الْعَاجِلِ؛ بِامْتِثَالِ أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالسَّلَامِةِ مِنَ الْإِثْمِ، وَبِنُزُولِ الْبَرَكَةِ فِي مُعَامَلَتِهِ، وَفِي الْآجِلِ بِحُصُولِ الثَّوَابِ، وَالسَّلَامَةِ مِنَ الْعِقَابِ.

وَمَنْ كَذَبَ، وَكَتَمَ الْعُيُوبَ وَمَا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ؛ فَهُوَ مَعَ إِثْمِهِ مُعَامَلَتُهُ مَمْحُوقَةُ الْبَرَكَةِ، وَمَتَى نُزِعَتِ الْبَرَكَةُ مِنَ الْمُعَامَلَةِ خَسِرَ صَاحِبُهَا دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ.

وَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْأَصْلِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّدْلِيسِ، وَإِخْفَاءِ الْعُيُوبِ، وَتَحْرِيمِ الْغِشِّ، وَالْبَخْسِ فِي الْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيلِ وَالذَّرْعِ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْكَذِبِ وَالْكِتْمَانِ وَالْخِيَانَةِ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ النَّجَشِ وَالْخِدَاعِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَتَلَقِّي الْجَلَبِ لِيَبِيعَهُمْ، أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ.

وَيَدْخُلُ فِيهِ: الْكَذِبُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، وَفِي وَصْفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَضَابِطُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَكْرَهُ أَنْ يُعَامِلَكَ بِهِ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ أَوْ غَيْرُهُ وَلَا يُخْبِرُكَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ وَالْإِخْفَاءِ وَالْغِشِّ.

وَيَدْخُلُ فِي هَذَا: الْبَيْعُ بِأَنْوَاعِهِ، وَالْإِجَارَاتُ، وَالْمُشَارَكَاتُ، وَجَمِيعُ الْمُعَاوَضَاتِ، وَآجَالُهَا وَوَثَائِقُهَا؛ فَكُلُّهَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَبْدِ فِيهَا الصِّدْقُ وَالْبَيَانُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ وَالْكِتْمَانُ.

وَفِي الْحَدِيثِ: إِثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي الْبَيْعِ، وَأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارَ بَيْنَ الْإِمْضَاءِ أَوِ الْفَسْخِ، مَا دَامَا فِي مَحَلِّ التَّبَايُعِ، فَإِذَا تَفَرَّقَا ثَبَتَ الْبَيْعُ وَوَجَبَ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ الْخِيَارُ إِلَّا بِسَبَبٍ يُوجِبُ الْفَسْخَ؛ كِخِيَارِ شَرْطٍ، أَوْ عَيْبٍ يَجِدُهُ قَدْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ، أَوْ تَدْلِيسٍ، أَوْ تَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ.

وَالْحِكَمُ فِي إِثْبَاتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ: أَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ كَثِيرًا جِدًّا، وَكَثِيرًا مَا يَنْدَمُ الْإِنْسَانُ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ شِرَائِهِ؛ فَجَعَلَ لَهُ الشَّارِعُ الْخِيَارَ؛ كَيْ يَتَرَوَّى وَيَنْظُرَ حَالَهُ: هَلْ يُمْضِي أَوْ يَفْسَخُ)).

 ((التَّرْهِيبُ مِنَ الْغِشِّ فِي الْمُعَامَلَاتِ))

وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ التَّرْهِيبُ مِنَ الْغِشِّ، وَالتَّرْغِيبُ فِي النَّصِيحَةِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ -أَيْ: عَلَى كَوْمَةِ طَعَامٍ-، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟!)).

قَالَ: ((أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ)).

قَالَ: ((أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَه، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَعِنْدَهُ: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا)).

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا فَسَأَلَهُ: ((كَيْفَ تَبِيعُ؟)).

فَأَخْبَرَهُ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ؛ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ)).

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)). أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَبِي سِبَاعٍ قَالَ: ((اشْتَرَيْتُ نَاقَةً مِنْ دَارِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَصْقَعِ، فَلَمَّا خَرَجْتُ بِهَا أَدْرَكَنِي وَهُوَ يَجُرُّ إِزَارَهُ -يَعْنِي: مِنَ الْعَجَلَةِ-، فَقَالَ: ((يَا عَبْدَ اللهِ! اشْتَرَيْتَ؟)).

قُلْتُ: ((نَعَمْ)).

قَالَ: ((بَيَّنَ لَكَ مَا فِيهَا؟)).

قُلْتُ: ((وَمَا فِيهَا؟ إِنَّهَا لَسَمِينَةٌ ظَاهِرَةُ الصِّحَّةِ)).

قَالَ: ((أَرَدْتُ بِهَا سَفَرًا، أَوْ أَرَدْتُ بِهَا لَحْمًا؟)).

قُلْتُ: ((أَرَدْتُ بِهَا الْحَجَّ)).

قَالَ: ((فَإِنَّ بِخُفِّهَا نَقْبًا)). وَالنَّقْبُ: رِقَّةُ الْأَخْفَافِ.

فَقَالَ صَاحِبُهَا: ((مَا أَرَدْتَ -أَيْ: هَذَا- أَصْلَحَكَ اللهُ؟ تُفْسِدُ عَلَيَّ؟!)) يَعْنِي: هَذِهِ الصَّفْقَةَ.

قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَبِيعُ شَيْئًا إِلَّا بَيَّنَ مَا فِيهِ، وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ إِلَّا بَيَّنَهُ)). رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: ((صَحِيحُ الْإِسْنَادِ))، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

وَيَشْهَدُ لَهُ: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ إِذَا بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ أَلَّا يُبَيِّنَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَه، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ))، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ صَحِيحٌ.

فَعَلَيْنَا -عِبَادَ اللهِ- أَنْ نَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْخُلُقِ الْأَمِينِ وَهُوَ خُلُقُ الْأَمَانَةِ، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي التَّخَلِّي عَنْ ذَلِكَ الْخُلُقِ الرَّذِيلِ -يَعْنِي: الْخِيَانَةَ-.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

 

 

 

 

 

 

 

(( الِاحْتِيَالُ الْمَالِيُّ))

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْمَالُ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتُهَا))

فَإِنَّ الْمَالَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزَهْرَتُهَا، بِهَذَا نَطَقَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، قَالَ تَعَالَى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46].

الْمَالُ الْكَثِيرُ الْوَفِيرُ، وَالْبَنُونَ الْكَثِيرُونَ زِينَةُ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَالْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَاتُ الْمَرْضِيَّاتُ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ذَاتُ الْآثَارِ الْبَاقِيَاتِ الْمُسْعِدَاتِ لِفَاعِلِهَا هِيَ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا مِنْ كُلِّ مَا فِي الدُّنْيَا مِمَّا هُوَ زِينَةٌ لَهُ، وَهِيَ خَيْرٌ أَمَلًا.

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ} [آل عمران: 14].

يُخْبِرُ -تَعَالَى- عَمَّا زُيِّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَلَاذِّ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ، فَبَدَأَ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ بِهِنَّ أَشَدُّ، كَمَا ثَبَتَ فِي ((الصَّحِيحِ)) أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ)).

فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِهِنَّ الْإِعْفَافَ، وَكَثْرَةَ الْأَوْلَادِ؛ فَهَذَا مَطْلُوبٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ، مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، قال ﷺ: ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)). ((إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ)).

وَحُبُّ الْبَنِينَ تَارَةً يَكُونُ لِلتَّفَاخُرِ وَالزِّينَةِ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا، وَتَارَةً يَكُونُ لِتَكْثِيرِ النَّسْلِ، وَتَكْثِيرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِمَّنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ فَهَذَا مَحْمُودٌ مَمْدُوحٌ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ: ((تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

وَحُبُّ الْمَالِ -كَذَلِكَ- تَارَةً يَكُونُ لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَالتَّجَبُّرِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ فَهَذَا مَذْمُومٌ، وَتَارَةً يَكُونُ لِلنَّفَقَةِ فِي الْقُرُبَاتِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتِ، وَوُجُوهِ الْبِرِّ وَالطَّاعَاتِ؛ فَهَذَا مَمْدُوحٌ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ شَرْعًا.

((الِاحْتِيَالُ الْمَالِيُّ))

إِنَّ الِاحْتِيَالَ الْمَالِيَّ مِنْ أَخْطَرِ الْمُشْكِلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي انْتَشَرَتْ خِلَالَ السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْمِصْرِيِّ، وَيَقُومُ هَذَا النَّمَطُ مِنَ الِاحْتِيَالِ عَلَى إِغْرَاءِ النَّاسِ بِعَوَائِدَ مَالِيَّةٍ مُرْتَفِعَةٍ مُقَابِلَ تَسْلِيمِ مُدَّخَرَاتِهِمْ لِأَشْخَاصٍ يَزْعُمُونَ تَشْغِيلَهَا فِي أَنْشِطَةٍ اسْتِثْمَارِيَّةٍ وَهْمِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ وَاضِحَةِ الْمَعَالِمِ، وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى بُرُوزِ هَذِهِ الْمُشْكِلَةِ ضَيَاعُ أَمْوَالِ آلَافِ الْأُسَرِ، وَتَعَرَّضَ الْكَثِيرُونُ لِحَالَاتِ إِفْلَاسٍ نَفْسِيٍّ وَمَادِّيٍّ.

وَهَذَا مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؛ وَأَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَوَعَّدَ اللهُ فَاعِلَهَا بِالْعَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29-30].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ((نَهَى -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَأْكُلُوا أَمْوَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْبَاطِلِ، أَيْ: بِأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ؛ كَأَنْوَاعِ الرِّبَا، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِ الْحِيَلِ)).

قَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((يَنْهَى -تَعَالَى- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ بَيْنَهُمْ بِالْبَاطِلِ، وَهَذَا يَشْمَلُ أَكْلَهَا بِالْغُصُوبِ وَالسَّرِقَاتِ، وَأَخْذَهَا بِالْقِمَارِ وَالْمَكَاسِبِ الرَّدِيئَةِ، بَلْ لَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَكْلُ مَالِ نَفْسِكَ عَلَى وَجْهِ الْبَطَرِ وَالْإِسْرَافِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْبَاطِلِ وَلَيْسَ مِنَ الْحَقِّ.

ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا حَرَّمَ أَكْلَهَا بِالْبَاطِلِ أَبَاحَ لَهُمْ أَكْلَهَا بِالتِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْمَوَانِعِ، الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الشُّرُوطِ مِنَ التَّرَاضِي وَغَيْرِهِ.

{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أَيْ: لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَقْتُلْ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْإِلْقَاءُ بِالنَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَفِعْلُ الْأَخْطَارِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى التَّلَفِ وَالْهَلَاكِ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}: وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَنْ صَانَ نُفُوسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، وَنَهَاكُمْ عَنْ إِضَاعَتِهَا وَإِتْلَافِهَا، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مَا رَتَّبَهُ مِنَ الْحُدُودِ.

وَتَأَمَّلْ هَذَا الْإِيجَازَ وَالْجَمْعَ فِي قَوْلِهِ: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ} {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} كَيْفَ شَمِلَ أَمْوَالَ غَيْرِكَ وَمَالَ نَفْسِكَ وَقَتْلَ نَفْسِكَ وَقَتْلَ غَيْرِكَ بِعِبَارَةٍ أَخْصَرَ مِنْ قَوْلِهِ: (لَا يَأْكُلْ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ) وَ (لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، مَعَ قُصُورِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ وَنَفْسِ الْغَيْرِ فَقَطْ، مَعَ أَنَّ إِضَافَةَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ إِلَى عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، حَيْثُ كَانَ الْإِيمَانُ يَجْمَعُهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.

وَلَمَّا نَهَى عَنْ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ الَّتِي فِيهَا غَايَةُ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، عَلَى الْآكِلِ، وَمَنْ أُخِذَ مَالُهُ؛ أَبَاحَ لَهُمْ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ وَالتِّجَارَاتِ، وَأَنْوَاعِ الْحِرَفِ وَالْإِجَارَاتِ، فَقَالَ: {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أَيْ: فَإِنَّهَا مُبَاحَةٌ لَكُمْ.

وَشَرَطَ التَّرَاضِيَ -مَعَ كَوْنِهَا تِجَارَةً- لِدَلَالَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ غَيْرَ عَقْدِ رِبًا؛ لِأَنَّ الرِّبَا لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ، بَلْ مُخَالِفٌ لِمَقْصُودِهَا، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرْضَى كُلٌّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَيَأْتِيَ بِهِ اخْتِيَارًا.

وَمِنْ تَمَامِ الرِّضَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ الرِّضَا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ شَبِيهٌ بِبَيْعِ الْقِمَارِ، فَبَيْعُ الْغَرَرِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ خَالٍ مِنَ الرِّضَا فَلَا يَنْفُذُ عَقْدُهُ.

وَفِيهَا أَنَّهُ تَنْعَقِدُ الْعُقُودُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ؛  لِأَنَّ اللَّهَ شَرَطَ الرِّضَا فَبِأَيِّ طَرِيقٍ حَصَلَ الرِّضَا انْعَقَدَ بِهِ الْعَقْدُ.

ثُمَّ خَتَمَ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}: وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَنْ عَصَمَ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَصَانَهَا وَنَهَاكُمْ عَنِ انْتِهَاكِهَا.

ثُمَّ قَالَ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أَيْ: أَكْلَ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ وَقَتْلَ النُّفُوسِ {عُدْوَانًا وَظُلْمًا} أَيْ: لَا جَهْلًا وَنِسْيَانًا {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} أَيْ: عَظِيمَةً كَمَا يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ، {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا})).

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

((وَلَا تَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، أَيْ: أَمْوَالَ غَيْرِكُمْ، أَضَافَهَا إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَحْتَرِمَ مَالَهُ كَمَا يَحْتَرِمُ مَالَهُ، وَلِأَنَّ أَكْلَهُ لِمَالِ غَيْرِهِ يُجَرِّئُ غَيْرَهُ عَلَى أَكْلِ مَالِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ.

وَلَمَّا كَانَ أَكْلُهَا نَوْعَيْنِ: نَوْعًا بِحَقٍّ، وَنَوْعًا بِبَاطِلٍ، وَكَانَ الْمُحَرَّمُ إِنَّمَا هُوَ أَكْلُهَا بِالْبَاطِلِ؛ قَيَّدَهُ -تَعَالَى- بِذَلِكَ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَكْلُهَا عَلَى وَجْهِ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ فِي وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ -أَيْضًا- أَخْذُهَا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ بِمُعَاوَضَةٍ مُحَرَّمَةٍ، كَعُقُودِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ كُلِّهَا؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ مُبَاحٍ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَخْذُهَا بِسَبَبِ غِشٍّ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الْأُجَرَاءِ وَأَكْلُ أُجْرَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ أَخْذُهُمْ أُجْرَةً عَلَى عَمَلٍ لَمْ يَقُومُوا بِوَاجِبِهِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْعِبَادَاتِ وَالْقُرُبَاتِ الَّتِي لَا تَصِحُّ حَتَّى يَقْصِدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَخْذُ مِنَ الزِّكْوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْأَوْقَافِ وَالْوَصَايَا لِمَنْ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ مِنْهَا أَوْ فَوْقَ حَقِّهِ.

فَكُلُّ هَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ؛ فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، حَتَّى وَلَوْ حَصَلَ فِيهِ النِّزَاعُ وَحَصَلَ الِارْتِفَاعُ إِلَى حَاكِمِ الشَّرْعِ، وَأَدْلَى مَنْ يُرِيدُ أَكْلَهَا بِالْبَاطِلِ بِحُجَّةٍ غَلَبَتْ حُجَّةَ الْمُحِقِّ، وَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُبِيحُ مُحَرَّمًا وَلَا يُحَلِّلُ حَرَامًا، إِنَّمَا يَحْكُمُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا يَسْمَعُ، وَإِلَّا فَحَقَائِقُ الْأُمُورِ بَاقِيَةٌ، فَلَيْسَ فِي حُكْمِ الْحَاكِمِ لِلْمُبْطِلِ رَاحَةٌ وَلَا شُبْهَةٌ وَلَا اسْتِرَاحَةٌ، فَمَنْ أَدْلَى إِلَى الْحَاكِمِ بِحُجَّةٍ بَاطِلَةٍ، وَحَكَمَ لَهُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَيَكُونُ آكِلًا لِمَالِ غَيْرِهِ بِالْبَاطِلِ وَالْإِثْمِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي عُقُوبَتِهِ، وَأَشَدَّ فِي نَكَالِهِ.

وَعَلَى هَذَا فَالْوَكِيلُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ مُوَكِّلَهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ عَنِ الْخَائِنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105])).

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)).

وَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ قَائِمَةٌ -فِي الْغَالِبِ- عَلَى الرِّبَا؛ لِأَنَّ أَغْلَبَ عُقُودِهَا تَكُونُ قَائِمَةً عَلَى الرِّبْحِ فَقَطْ، فَالرِّبَا أَسَاسُ هَذِهِ التَّعَامُلَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَمَبْدَأُ عَقْدِ هَذِهِ الصَّفَقَاتِ التِّجَارِيَّةِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ الرِّبَا تَحْرِيمًا شَدِيدًا، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 178].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ! خَافُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ، وَاتْرُكُوا طَلَبَ مَا بَقِيَ لَكُمْ مِمَّا فَضَلَ عَلَى رُؤُوسِ أَمْوَالِكُمُ الَّتِي كَانَتْ لَكُمْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا، إِنْ كُنْتُمْ مُحَقِّقِينَ لِإِيمَانِكُمْ قَوْلًا وَفِعْلًا.

فَإِنْ لَمْ تَتْرْكُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ اللهِ، وَتَسْتَجِيبُوا لِأَمْرِهِ، فَاعْلَمُوا وَأَيْقِنُوا بِحَرْبٍ عَظِيمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فِي أَمْوَالِكُمْ، وَأَجْسَامِكُمْ، وَقُلُوبِكُمْ، وَعُقُولِكُمْ، وَفِي مُجْتَمَعَاتِكُمْ، لَا تَعْلَمُونَ وَقْتَهَا وَلَا كَيْفِيَّتَهَا وَلَا وَسَائِلَهَا حَتَّى تَسْتَسْلِمُوا لِأَحْكَامِ اللهِ وَتَتُوبُوا إِلَيْهِ.

وَإِنْ تَرَكْتُمْ أَكْلَ الرِّبَا وَرَجَعْتُمْ عَنْهُ فَلَكُمُ الْحَقُّ بِمُطَالَبَةِ الْمُسْتَقْرِضِينَ بِرُؤُوسِ أَمْوَالِكُمُ الَّتِي دَفَعْتُمُوهَا لَهُمْ، لَا تَظْلِمُونَ أَنْتُمُ الْغَرِيمَ بِطَلَبِ زِيَادَةٍ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا تُظْلَمُونَ أَنْتُمْ بِنَقْصِ رَأْسِ الْمَالِ.

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].

الَّذِينَ يَتَعَامَلُونَ بِالرِّبَا أَخْذًا وَعَطَاءً، فَلَا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، وَلَا يَتُوبُونَ إِلَى بَارِئِهِمْ مِنْهُ، وَيَرَوْنَ -مَعَ ذَلِكَ- أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مُنْكَرًا، وَيَرْفَضُونَ حُكْمَ اللهِ فِي تَحْرِيمِهِ، حَالُهُمْ وَهُمْ يَأْكُلُونَ الرِّبَا؛ إِذْ يَسْلُبُ الْإِثْرَاءُ بِحَقٍّ عَاطِفَتَهُمُ الْإِنْسَانِيَّةَ، وَيَجْعَلُ أَفْكَارَهُمْ وَنُفُوسَهُمْ مُضْطَرِبَةً دَائِمَةَ التَّطَلُّعِ لِمُضَاعَفَةِ رُؤُوسِ أَمْوَالِهِمْ مِنْ جَهْدِ الْآخَرِينَ، وَاسْتِغْلَالِ ضَرُورَاتِهِمْ.. حَالُهُمْ وَهُمْ يَأْكُلُونَ الرِّبَا كَالْمَجْنُونِ فِي الْحَرَكاتِ الْمُضْطَرِبَةِ، يَمْشِي وَيَتَعَثَّرُ، وَيَصْدِمُ الْأَشْيَاءَ، وَتَأْتِيهِ الْخَبْطَاتُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَهُوَ لَا يَرَى الشَّخْصَ الْمَسْؤُولَ عَنِ الضَّرْبَاتِ الَّتِي تَتَهَاوَى عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، فَكَأَنَّمَا يَتَخَبَّطُهُ شَيْطَانٌ خَبِيثٌ عَدِيمُ الرَّحْمَةِ، خَفِيٌّ لَا تَرَاهُ أَعْيُنُ النَّاسِ.

ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ لِرَفْضِهِمْ حُكْمَ اللهِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا، وَاعْتِرَاضِهِمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}: فَكَمَا أَنَّ الْبَيْعَ يُؤَدِّي إِلَى الرِّبْحِ وَهُوَ حَلَالٌ، فَكَذَلِكَ الرِّبَا يُؤَدِّي إِلَى الرِّبْحِ وَهُوَ حَلَالٌ فِي نَظَرِهِمْ -أَيْضًا-، مَعَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُثْبِتُ أَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ مِثْلَ الرِّبَا؛ فَالرِّبَا ظُلْمٌ، وَاسْتِغْلَالٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَوَسِيلَةٌ لِمَنْعِ التَّعَاطُفِ وَالتَّعَاوُنِ الِاجْتِمَاعِيِّ عَنْ طَرِيقِ الْقَرْضِ الْحَسَنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ رِبْحٌ لَا يُقَابِلُهُ جَهْدٌ وَلَا ضَمَانُ خَسَارَةٍ، وَرِبْحُ الْبَيْعِ يُقَابِلُهُ ضَمَانُ الْخَسَارَةِ الْمُحْتَمَلَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْبَيْعُ مِثْلَ الرِّبَا؟!

وَأَحَلَّ اللهُ لَكُمُ الْأَرْبَاحَ فِي التِّجَارَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ نَفْعٍ لِلْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَحَرَّمَ الرِّبَا الَّذِي هُوَ زِيَادَةٌ فِي الْمَالِ لِأَجْلِ تَأْخِيرِ الْأَجَلِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِغْلَالٍ وَضَيَاعٍ وَهَلَاكٍ.

فَمَنْ جَاءَهُ نُصْحٌ مَقْرُونٌ بِمَا يُثِيرُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى عَنْ أَكْلِ الرِّبَا فَلَا يُؤَاخَذُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ ذَنْبِهِ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ زَمَانِهِ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ عَلَى تَوْبَتِهِ فَاللهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَهُ، وَمَنْ عَادَ إِلَى أَكْلِ الرِّبَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ مُسْتَحِلًّا لَهُ، فَأُولَئِكَ الْبُعَدَاءُ عَنْ رَحْمَةِ اللهِ، أَصْحَابُ النَّارِ الْمُلَازِمُونَ لَهَا، الْمُخَالِطُونَ لِأَلْوَانِ عَذَابِهَا، هُمْ فِيهَا دَائِمُو الْبَقَاءِ، لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا.

{يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276].

يُنْقِصُ اللهُ الرِّبَا وَيُهْلِكُهُ وَيُذْهِبُ بَرَكَتَهُ، وَيَزِيدُ الصَّدَقَاتِ، وَيُبَارِكُ فِيهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُضَاعِفُ أَجْرَهَا فِي الْآخِرَةِ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُصِرٍّ عَلَى كُفْرِهِ، مُقِيمٍ عَلَيْهِ، مُسْتَحِلٍّ لِأَكْلِ الرِّبَا، مُتَمَادٍ فِي الْإِثْمِ، وَمَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ بِإِرَادَتِهِ فِي زُمْرَةِ الَّذِينَ لَا يُحِبُّهُمُ اللهُ فَقَدْ جَعَلَهَا عُرْضَةً لِنِقْمَتِهِ وَعَذَابِهِ الشَّدِيدِ.

((دِرْهَمُ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةٍ)).

بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ خَطَرَ الرِّبَا، فَقَالَ: ((الرِّبَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ بَابًا -أَوْ قَالَ-: حُوبًا، -أَوْ قَالَ-: إِثْمًا -رِوَايَاتٌ-، أَدْنَاهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ!)).

فَأَقَلُّ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الرِّبَا هِيَ أَكْبَرُ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الزِّنَا، وَهِيَ زِنَا الْمَحَارِمِ وَبِالْأُمِّ خَاصَّةً، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَقَلَّ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الرِّبَا كَأَعْلَى دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الزِّنَا، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ خَطَرِهِ.

بَلْ إِنَّهُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولِ الذُّلِّ بِالْأُمَّةِ، ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)).

وَالتَّبَايُعُ بِالْعِينَةِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْحِيَلِ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَهِيَ رِبًا مَحْضٌ.

بَيَّنَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ هَذَا الرِّبَا يُحَارِبُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ الْمُرَابِينَ، وَيُحَارِبُهُمْ رَسُولُهُ ﷺ، وَأَنَّ النَّاسَ إِذَا تَبَايَعُوا بِالرِّبَا بِالْعِينَةِ وَمَا أَشْبَهَ أَوْ وَقَعُوا فِي الرِّبَا صَرَاحَةً، ثُمَّ جَاءَتْهُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ، فَلَمْ يَنْزِعُوا عَنْ أَكْلِ الرِّبَا؛ فَلْيَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذَا مَخُوفٌ إِلَى أَبْعَدِ دَرَجَةٍ تَكُونُ.

وَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ))، وَقَالَ: ((هُمْ سَوَاءٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((آثَارُ الرِّبَا وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ))

عِبَادَ اللهِ! مِنَ الْمُتَوَعَّدِينَ بِالنَّارِ: آكِلُ الرِّبَا، وَآكِلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].

إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: انْتِشَارَ الرِّبَا، وَعَدَمَ الْمُبَالَاةِ بِأَكْلِ الْحَرَامِ.

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ يَظْهَرُ الرِّبَا، وَالزِّنَا، وَالْخَمْرُ)). أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْأَوْسَطِ))، وَصَحَّحَهُ لِغَيْرِهِ الْأَلْبَانِيُّ.

وهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ مُنْطَبِقٌ عَلَى أَهْلِ زَمَانِنَا، مُنْتَشِرٌ فِي أَرْضِنَا، بَلْ لَا تَجِدُ اقْتِصَادًا إِلَّا وَهُوَ يَقُومُ عَلَى الرِّبَا، وَلَا تَكَادُ تُنْجِزُ مُعَامَلَةً مَالِيَّةً إِلَّا بِالرِّبَا، حَتَّى إِنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الظُّهُورِ وَالِانْتِشَارِ يَسْتَغْرِبُ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ تَحْرِيمَهُ، وَيَسْتَبْعِدُونَ تَقَدُّمَ اقْتِصَادٍ أَوْ تِجَارَةٍ بِدُونِهِ.

 فَهُوَ عِنْدَهُمْ ضَرُورَةٌ لِلتَّعَامُلَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَمَبْدَأُ عَقْدِ الصَّفْقَاتِ التِّجَارِيَّةِ، مَعَ غَفْلَةٍ عَنِ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَالتَّحْرِيمِ الْأَكِيدِ.

 وَذَلِكَ أَنَّ الرِّبَا ذَنْبٌ تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْخُلُودِ فِي النِّيرَانِ، وَبَيْنَ مُنَافَاتِهِ لِلْإِيمَانِ، وَأَذِنَ بِالْحَرْبِ عَلَى أَهْلِهِ مَدَى الْأَزْمَانِ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].

هَذَا بَيَانُ حَالِ أَهْلِ الرِّبَا وَهَذَا حُكْمُهُ.

ثُمَّ قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 276].

 وَهَذَا بَيَانُ حَالِ الرِّبَا وَأَنَّهُ مَمْحُوقٌ، لَا بَرَكَةَ فِيهِ أَبَدًا.

 ثُمَّ قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278-279].

وَهَذَا نِدَاءٌ لِمَنْ آمَنَ بِاللهِ أَنْ يَتَّقِيَهُ، وَيَذَرَ الرِّبَا إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي إِيمَانٍ، وَإِلَّا فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ، وَلْيُوقِنْ بِالْخَسَارَةِ الْمُحَتَّمَةِ.

 وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِنْ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ)) أَيْ: إِلَى نَقْصٍ.

 أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ))، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ  صَحِيحٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَا أَحَدٌ أَكْثَرُ مِنَ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْبُوصِيرِيُّ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الرِّبَا ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ)). أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشُّعَبِ))، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((دِرْهَمُ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ)).

هَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَنْطَبِقُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمْسُلِمِينَ فِي هَذَا الزَّمَنِ، فَنَجَدِهُمْ لَا يَتَحَرَّوْنَ الْحَلَالَ فِي الْمَكَاسِبِ.

 بَلْ يَجْمَعُونَ الْمَالَ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَأَغْلَبُ ذَلِكَ بِدُخُولِ الرِّبَا فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ.

 فَقَدِ انْتَشَرَتِ الْمَصَارِفُ الْمُتَعَامِلَةُ بِالرِّبَا، وَوَقَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَلَاءِ الْعَظِيمِ.

وَمِنْ فِقْهِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقَ فِي بَابِ قَوْلِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ أَكْلَ الْأَضْعَافِ الْمُضَاعَفَةِ مِنَ الرِّبَا يَكُونُ بِالتَّوَسُّعِ فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ مُبَالَاةِ النَّاسِ بِطُرُقِ جَمْعِ الْمَالِ، وَعَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.

عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مٍنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ.

 فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ.

 فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟

فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهْرِ آكِلُ الرِّبَا)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ تَسَاهَلَ فِي الرِّبَا، وَلَمْ يَتَوَقَّ شَرَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ.

وَقَدْ شَهِدَ عَصْرُنَا نَكَبَاتٍ اقْتِصَادِيَّةً، وَزَلَازِلَ مَالِيَّةً بِسَبَبِ الرِّبَا، وَالتَّعَامُلِ الْحَرَامِ بِالْمَالِ.

 وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ سَلِمَ مِنَ الرِّبَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدِ ازْدَادَتْ فِتْنَةُ الْمَالِ، وَانْغَمَسَ النَّاسُ فِي جَمْعِهِ، وَوَقَعُوا فِي الشُّبَهِ وَالْحَرَامِ، وَأَعْرَضُوا عَنْ مَنْهَجِ الْإِسْلَامِ.

 وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ فِي ((الْكُبْرَى))، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ وَغَيْرُهُ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

((النَّهْيُ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ))

لَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، فَبَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)) بَابًا، فَقَالَ: ((بَابٌ: السَّرَفُ فِي الْمَالِ))؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا، يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ».

«السَّرَفُ فِي الْمَالِ»: هُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ بِأَنْ يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، أَوْ أَنْ يَزِيدَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى قَدْرِهِ.

قَالَ ﷺ: «يَكْرَهُ لَكُمْ.. -وَذَكَرَ-: إِضَاعَةَ الْمَالِ»: هُوَ صَرْفُهُ فِي غَيْرِ وُجُوهِهِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوْ تَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ، أَوْ تَعْطِيلُهُ وَتَرْكُ الْقِيَامِ عَلَيْهِ، أَوْ إِعْطَاءُ الدَّيْنِ دُونَ إِشْهَادٍ لِغَيْرِ الْمَوْثُوقِ بِهِ.

وَسَبَبُ النَّهْيِ: أَنَّهُ إِفْسَادٌ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، وَلِأَنَّهُ إِذَا أَضَاعَهُ تَعَرَّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَلِأَنَّ فِي حِفْظِهِ مَالَهُ مَصْلَحَةَ دُنْيَاهُ، وَمَصْلَحَةَ دِينِهِ.

وَمَصْلَحَةُ دُنْيَاهُ صَلَاحٌ لِأَمْرِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَرَّغُ حِينَئِذٍ لِأَمْرِ الدِّينِ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: النَّهْيُ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَفِي الْمَالِ قُوَّةُ الْفَرْدِ وَالْأُمَّةِ، وَفِي هَذَا الْمَالِ بِنَاءُ اقْتِصَادِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ.

إِنَّ مَنْ تَخَبَّطَ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ كَانَ بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ؛ فَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ.

وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا، وَلَمْ يَزْرُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ للهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ، وَغَيْرُهُ.

وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ غَايَةَ التَّحْذِيرِ مِنَ الْعَبَثِ فِي الْمَالِ، وَإِيقَاعِهِ فِي الْحَرَامِ، وَمَنْعِ الْوَاجِبِ فِيهِ، فَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

قَالَ الْحَافِظُ: ((((يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ)) أَيْ: يَتَصَرَّفُونَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِالْبَاطِلِ)).

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَأَطْعِمْنَا مِنَ الْحَلَالِ الصِّرْفِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا رِزْقًا حَلَالًا طَيِّبًا مُوَسَّعًا فِيهِ، مُبَارَكًا فِيهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: إِتْقَانُ الْعَمَلِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَحَضَارِيٌّ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الْأَبْعَادُ الْإِنْسَانِيَّةُ وَمَخَاطِرُ تَجَاهُلِهَا
  سُبُلُ بِنَاءِ الْأُمَمِ وَدَوْرُ الْفَرْدِ فِيهَا
  باب الفتح الأعظم
  وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا
  وجاءَ دَوْرُ المَجوس
  الْآدَابُ وَالْحُقُوقُ الْعَامَّةُ لِلْمُجْتَمَعِ وَأَثَرُهَا فِي رُقِيِّهِ وَبِنَاءِ حَضَارَتِهِ
  رَمَضَانُ شَهْرُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالتَّعَرُّضِ لِرَحَمَاتِ اللهِ
  السعي في حاجة الآخرين
  أحداث البطرسية
  شعار الفاتيكان .. النجاسة من الإيمان !!
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان